ارشيف من :أخبار عالمية

حركة النهضة ... وعودة الحرس القديم

حركة النهضة ... وعودة الحرس القديم
تونس ـ روعة قاسم

اعتبر القيادي النهضوي عبد اللطيف المكي في مدينة جندوبة شمالي تونس إثر فوز حركته، أن ما حدث لـ"النهضة" شبيه بما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام. والمقصود هو الانتقال من السجن إلى الحكم مع ما يعنيه ذلك من مراجعات على الحركة القيام بها لتتحول بالفعل من حزب معارض مشتت وملاحق في الداخل والخارج يراقب جلاده وينتقد قراراته، إلى حزب فاعل في سير الأحداث صاحب برامج وحامل لمشروع حضاري قادر على تجسيده على أرض الواقع، وهو أمر لم يحصل إلى حد الآن بحسب كثير من المحللين.

فـ"النهضة" بحسب هؤلاء لم تتخلص بعد من ثوب المعارض المضطهد الذي يشعر بالضيم والمؤامرات والدسائس التي تلاحقه من كل حدب وصوب، وانتقلت من معارضة بن علي إلى معارضة معارضتها والانكباب على انتقاد سلوكها عوض الانصراف إلى الاهتمام بشؤون الحكم.

وقد لعب لطفي زيتون "صاحب نظرية المؤامرة" وأحد قيادات النهضة الذي يشغل منصب مستشار لدى رئيس الحكومة برتبة وزير، دوراً بارزاً في هذا المجال وتحول إلى بطل شعبي لا يشق له غبار في صفوف أنصار الحركة الذين لم يتخلصوا بعد من جلباب المعارضة. والحركة اليوم وهي تعقد مؤتمرها الأول علناً، والتاسع في تاريخها تبدو بحاجة إلى تغليب صوت من يعتبرهم البعض رجال دولة من أمثال نور الدين البحيري وزير العدل، وعلي العريض وزير الداخلية الذين انصرفوا للعمل ـ بقطع النظر عن النجاح في أداء المهمة من عدمه ـ غير عابئين بانتقادات الفريق المعارض الذي يعتبر أمراً طبيعياً في كل الديمقراطيات. فشتان ما بين المعارضة وترصّد أخطاء الحاكم والتشهير بها، وبين الحكم وإدارة الدولة، فالبون شاسع، وعلى حركة النهضة أن تحسم خيارها في هذا المؤتمر الذي شهد حضور شخصيات دولية وعربية من أمثال خالد مشعل زعيم حركة حماس.

تحديات

ومن أهم التحديات التي تواجهها حركة النهضة والتي أجمع عليها أغلب المراقبين التباين الكبير بين القيادة والقواعد الذي برز خصوصاً خلال المؤتمرات المحلية والجهوية. فالقيادة عموماً هي أكثر انفتاحاً وإيماناً بقيم الديمقراطية وإشاعة الحريات العامة والخاصة من القواعد، وخصوصاً العناصر التي قضت قرابة العقدين من الزمن في المنافي واستفادت من وجودها في الغرب لتطور من فكرها بالاحتكاك بالنخب التنويرية في بلاد المهجر والنهل من فكرها. فيما القواعد في عمومها وبحسب محللين لا زالت متشددة في مواقفها من مختلف القضايا وغير مرنة ولدى بعضها نزعة للتطرف. ففي أحيان كثيرة لا تكاد تميز بين النهضوي القاعدي وبين المنتمي إلى التيار السلفي. فالقواعد ورغم استماتتها في الدفاع عن قرارات قياداتها حتى وإن أخطأت فإن امتعاضها من تخلي الحركة عن إدراج الشريعة الإسلامية في الدستور كمصدر أساسي للتشريع أو كمصدر من مصادر التشريع لا يخفى على المتابعين. بل إن من بين قواعد النهضة من يطالب بإدراج الشريعة في الدستور كمصدر وحيد للتشريع. ويجد هذا الشق من الأنصار ضالته في قيادات يعتبرها البعض متشددة على غرار الحبيب اللوز والصادق شورو ويشفي غليله الوزير لطفي زيتون في تصريحاته النارية التي تطال المعارضة.

حركة النهضة ... وعودة الحرس القديم

ويتحدث البعض أكثر من ذلك عن عدم انضباط لهذه القواعد وعدم التزامها بقرارات القيادة وهو أمر يبدو طبيعياً بالنظر إلى حالة التشتت التي عانت منها الحركة وإلى الملاحقات التي تعرضت لها في الداخل والخارج ما جعل "منظريها" لا يخضعون إلى التأطير والتكوين اللازمين. وهو أمر يؤرق مضاجع القيادة، ومثل تحدياً للحركة خلال هذا المؤتمر. فالانضباط هو من سمات الأحزاب الكبرى والأحزاب الحاملة للمشاريع والطامحة للعب دور حضاري في بلدانها، وهو ما ترغب في تحقيقه حركة "النهضة" رغم أنه يبدو صعب المنال في الوقت الراهن في انتظار تأطير القواعد "الخارجة عن السرب". وهو أمر يتطلب سنوات وسنوات من العمل والتنظيم والهيكلة وليس بالأمر الهين الذي يتصوره البعض خاصة وأن بعض هذه القواعد لم يتخلص بعد من إرث تقديس القيادات وخصوصاً زعيم الحركة.

رئاسة الحركة


ولعل أهم تساؤل خامر أذهان المؤتمرين خلال هذا المؤتمر يتعلق بمواصلة الشيخ راشد الغنوشي الزعيم التاريخي للحركة رئاسة الحزب من عدمه. حيث راجت أنباء تتعلق بإمكانية خلافة الشيخ راشد الغنوشي للداعية يوسف القرضاوي على رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتدعمت بتحركات رئيس حركة النهضة وزياراته المتكررة إلى دولة قطر وإلى مصر خلال الانتخابات التي شهدتها القاهرة في خطوة رأى فيها أكثر من محلل مساندة لجماعة الإخوان المسلمين في بلاد النيل نيابة عن يوسف القرضاوي الذي اعتاد على "زيارات المجاملة والمساندة" تلك. كما أن الشيخ راشد الغنوشي يحظى بشعبية في أوساط علماء المسلمين المنتمين للاتحاد الذي ترعاه دولة قطر وكذا في صفوف الجماعات الإخوانية في مختلف أرجاء العالم الإسلامي وتبدو بالفعل حظوظه وافرة للاضطلاع بهذه المهمة.

لكن في المقابل فإن قواعد حركة النهضة وخلال هذا المؤتمر بدت متمسكة بزعيمها التاريخي على رأس الحركة، ولا ترى له بديلاً يتمتع بالكاريزما ذاتها التي يتمتع بها الشيخ راشد. رغم أن مصادر من داخل الحركة أكدت قبل المؤتمر على أن اسمين مرشحين في الوقت الراهن لخلافة الغنوشي إن هو قرر بالفعل ترك دفة الرئاسة، ويبدو أنه تم التراجع عنهما ليسير راشد الغنوشي بخطى ثابتة نحو مواصلة مشواره السياسي على رأس الحركة.

وتشير مصادر تونسية إلى أن الحركة قد تدرس إمكانية إحداث مؤسسة داخلية يكون على رأسها الشيخ راشد ويمارس من خلالها سلطات واسعة لكن ليس بصفة رئيس وهو حل يحفظ ماء الوجه ويضمن مصالح الجميع. رئيس الحركة من جهة الذي لن يتخلى بالسهولة التي يتصورها البعض عن نفوذه داخلها، وأنصاره الذين يصرون على وجوده والذين يخشى أن ينفرط عقدهم برحيله، وصورة الحركة في عيون الرأي العام التونسي والدولي باعتبارها حركة ديمقراطية يتم داخلها التداول على المناصب ولا تحتكر من هذا الطرف أو ذاك.

عودة الحرس القديم

وقد شهد المؤتمر عودة مغضوب عليهم من الحرس القديم من أبناء النهضة على غرار الشيخ عبد الفتاح مورو الذي يُتداول أن الجيل الجديد من أنصار الحركة رافض لعودته باعتبار نجاح الدعاية التي تم تسويقها ضده بأنه قد تخلى عن الحركة في وقت الشدة رغم التوضيحات التي قدمها مورو باستمرار على أكثر من منبر إعلامي حول حقيقة ما حصل بعد "حادثة باب سويقة" وحقيقة علاقته بحركته الأم التي تأسست في مكتبه للمحاماة.

حركة النهضة ... وعودة الحرس القديم

فالشيخ مورو كان في بداية تسعينات القرن الماضي على رأس الحركة حين كان الغنوشي في المنفى اللندني، وشهدت تلك الفترة قيام شباب نهضوي اعتبرته الحركة غير منضبط بحرق مقر قيادي بوسط العاصمة تابع لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم السابق المنحل (حزب زين العابدين بن علي) ما أسفر عن وفاة حارسين عاملين بالمقر حرقاً الأمر الذي جعل عبد الفتاح مورو يدين العنف ويستقيل من حركة النهضة، وقد كلفه ذلك إقصاء من الحركة بعد الثورة وعدم إدراج اسمه في مكتبها السياسي المؤقت وعدم نيل أية حقيبة وزارية رغم أن الكثيرين يعتبرونه أحق من حمادي الجبالي برئاسة الحكومة نظراً لكفاءته وخبرته وتمتعه بكاريزما قل نظيرها ونظراً لعلاقاته الجيدة جداً مع المعارضة وحب الناس الكبير له كداعية إسلامي معتدل حامل لفكر مستنير بالإضافة إلى قدرة عجيبة على الإقناع وموهبة في الخطابة.

ويتداول في كواليس المؤتمر أن الشيخ الوقور عبد الفتاح مورو سيكون رجل النهضة الذي سيعيد لها بريقها الذي فقدته بفعل فريق حكومي اتفق جلّ المراقبين على أن غالبيته لم تكن في مستوى التطلعات. فالشيخ مورو أو المحامي الشهير الأستاذ عبد الفتاح مورو ذو الباع والصيت في أروقة المحاكم التونسية قادر على نيل رضا المعارضة وعلى إجماع التونسيين حول شخصه نظراً لنظافة يده بالإضافة إلى الخصال المذكورة. ويمكن أن يمثل الحصان الرابح الذي ستراهن عليه حركة النهضة خلال الانتخابات الرئاسية القادمة لو أقرّ المجلس التأسيسي في الدستور التونسي الجديد النظام الرئاسي كشكل لنظام الحكم. وذهب محللون إلى حد اعتبار أن إقصاء مورو عن الحركة كان تكتيكاً منه ومن رئيس الحركة لاستعماله كورقة عند الشدائد وعند تراجع الشعبية بفعل ممارسة العمل الحكومي في مرحلة صعبة. وإذا صحّ هذا الطرح فإن عودة مورو ستكون ضربة قاصمة للمعارضة ولمن راهن على هزيمة النهضة خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
2012-07-16