ارشيف من :أخبار لبنانية

لماذا تتوجس قوى 8 آذار من "الانقلاب المفاجئ" لقوى المعارضة حيال طاولة الحوار؟

لماذا تتوجس قوى 8 آذار من "الانقلاب المفاجئ" لقوى المعارضة حيال طاولة الحوار؟

ابراهيم بيرم - صحيفة النهار

بعد وقت قصير من اعلان قوى 14 آذار قرارها بتعليق المشاركة في طاولة الحوار الوطني التي كان محدداً لها الإلتئام في 25 من الجاري في قصر بعبدا، توجه أحد اقطاب الطاولة من قوى 8 آذار، بالسؤال الى شخص كان بينهما نقاش سابق، هل برأيك قوى 14 آذار بقرارها هذا قد تيقنت انه صار بمقدورها اسقاط الحكومة حتى تقدم على مثل هذه الخطوة في هذا الوقت بالذات؟

بالطبع كانت إجابة الشخص المعني بأن أمر تحقيق رغبة فريق المعارضة بإسقاط الحكومة ما زال دونه عقبته الاساسية القديمة وهي توافق ثلاثة أفرقاء مشاركين في الحكومة نفسها وبالتالي هو أمر ما انفك معدوماً، لأن حسابات هؤلاء تمنعهم من الانخراط في هذا الخيار الصعب.

والسؤال والاجابة عنه يأتي في سياق الحوار الضمني الذي انفتح تلقائياً داخل قوى الاكثرية بعيد قرار الأقلية بعدم الذهاب الى طاولة الحوار، ولا غرابة في أن يثار أكثر من أي وقت داخل هذا الفريق هذه التساؤلات. فالمسوغ والمبرر الذي قدمه الفريق المعارض لأخذ قرار الامتناع عن حضور الاجتماع الثالث للطاولة في طورها الثالث لا ينطوي على أي عنصر إقناع لدى 8 آذار، فنية "حزب الله" المزعومة بعرقلة طاولة الحوار (كلام محمد رعد) يدحضها ما ورد في الخطاب الاخير للأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، اذ لم يستشف منه أي تغيير في مقاربة الحزب لموضوع الحوار الوطني وانفتاحه على حضور جلسات هذه الطاولة توصلاً الى استراتيجية وطنية دفاعية، لم يتهرب منها الحزب في اي يوم.

عليه كان طبيعياً أن يكبر حجم التساؤلات والتوجسات لدى فريق 8 آذار حيال خطوة 14 آذار المفاجئة خصوصا وانها أتت بعد سلسلة تطورات وتحولات داخلية واقليمية او مترافقة معها.

فليس غافلاً على اذهان اقطاب 8 آذار ان قوى 14 آذار بدت اصلاً وكأنها تسير قسراً الى طاولة الحوار بعدما ذمتها طويلاً، ونعت نتائجها سلفاً مراراً. وظهر ايضاً ان الفريق الاداري قد ذهب اخيراً الى الطاولة المنصوبة في القصر الرئاسي ليس اقتناعاً بل نزولا عند رغبات ثلاثة اطراف:

الاول: رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي حاول من خلال اعادة احياء هذه الطاولة التي صارت منذ فترة نسياً منسياً، لأن يرد على نصائح ضمنية وجهت اليه وفحواها انه عليه ان يفعل شيئاً ما يعيد الاعتبار الى الرئاسة ودورها، بعدما بدت مستسلمة لواقع بدت فيه وكأنها تصرف الامور وتدير الازمة وتحرس الفوضى السياسية والامنية الحاصلة.

الثاني: ان الرغبة الرئاسية باحياء طاولة الحوار لاقت صدى ومباركة من القيادة السعودية، تجسدت أكثر ما يكون في الرسالة التى وصلت الى الرئيس سليمان من العاهل السعودي والتي قرأ الكثيرون بين سطورها وطياتها أبعاداً عدة، بمباركة الطاولة، تتخطى ما قيل من انها فقط استجابة لرغبة نقلها الى الرياض الرئيس سليمان في زيارته الاخيرة لها خصوصاً ما أشارت اليه الرسالة حول وضع طائفة لبنانية بعينها.

الثالث: ان قوى 14 آذار ذهبت الى طاولة الحوار، ليس فقط إرضاء لسليمان ونزولا عند رغبة الرياض، بل لأن قسماً منها وهو حزب الكتائب سبق ان قرر بحزم مشاركته بناء على حسابات تكتيكية يتبعها الحزب منذ فترة تجعله يعمل على تمييز مواقفه عن حلفائه لكي يظل حاضراً في الصورة والاذهان. ولأنها ايضاً وبعد ترحيب كل القوى الاخرى بالحوار، لم يعد بمقدورها الظهور مظهر المعارض للحوار في لحظة ارتفاع منسوب الاحتقان الداخلي الى الذروة، ووصول كرة النار السورية الى الشمال اللبناني، لتترك "حرائق" متنقلة هناك.

فضلا عن ذلك لم تذهب المعارضة الى الطاولة الا بعد ان اطلقت أحد أعنف برامجها المتكررة لاسقاط الحكومة والدعوة الى حكومة حيادية، لتقول لمن يهمه الأمر بأنها لم تتخل عن هدفها الاعلى وانها ما زالت على نزاعها مع أطراف الأكثرية وحكومتهم.

وبناء على كل هذه المعطيات والوقائع التي أملت على فريق المعارضة رحلة الذهاب القسري الى الحوار قبل أكثر من شهر، فإن السؤال البديهي بعد قرار الاعتكاف الاخير، هو هل ان هذه المعطيات والوقائع قد تهافتت وإنتفت واحدة تلو الاخرى، وفي مقدمها الرغبة الخارجية، حتى تقدم على ما أقدمت عليه؟
ثمة بطبيعة الحال في أوساط قوى الأكثرية من يحاول أولاً ان يجد اجابة عن سؤال حول ما إذا كان قرار التعليق نهائياً لا عودة عنه. أم انه قابل للمساومة لأنه في ضوء الاجابة الثانية ترتسم معالم رؤية أخرى مفادها ان القرار اياه يصب في خانة اثبات الذات والحضور أكثر من أي وقت مضى.

أما إذا كان القرار مبرماً ونهائياً فمعناه ان معالم رؤية أخرى مختلفة تفرض نفسها وهي تؤكد هواجس المتوجسين والقائلين بأن قوى المعارضة لجأت الى المقاطعة لأنه أضحت أمام مقاربة أخرى للوضع اللبناني في ضوء التطورات الاقليمية المتسارعة ولاسيما بعد الانفجار في مبنى الأمن القومي في دمشق والذي أودى بحياة عدد من أذرع النظام العسكرية الأمنية الاساسية والضاربة.

بل ان دوائر التحليل لدى قوى أساسية في 8 آذار تجد من يربط "انقلاب" موقف الأقلية من الحوار، وبين التغيير الذي أجرته الرياض على عقلها الأمني والذي أعاد الى رئاسة المخابرات شخصية اعتبرت عودتها تحولاً لافتاً يأخذه البعض بالحسبان خصوصاً بعد ان تصاعدت التطورات في الساحة السورية.
وعملية الربط هذه منطلقة ايضاً من حسابات داخلية، لأن ثمة من يتخوف من أن تطورات ما تأخذ بجريرتها الوضع في لبنان خصوصاً إذا ما صار في الواجهة وزج به بشكل أكبر في الصراع الاقليمي الحاصل.

وفي موازاة ذلك ثمة من لا يحبذ ان يذهب بأمر المقاطعة الى هذا المذهب البعيد، العابق بتوجسات المؤامرة، ويحبذ أن يضعه في خانة ضيقة عنوانها ان المعارضة شاءت في لحظة التعثر الحكومي، والشقاق بين أركان الأكثرية ولاسيما بعد تعثر الجهود الرامية الى اعادة رأب الصدع بين الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون، ان تضغط أكثر لتعميق أزمة الأكثرية بكل تلاوينها وتنويعاتها، وبالتالي تساهم في محاصرة أكبر لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وكل تلك التساؤلات المنطلقة من "توجسات" لدى 8 آذار، تصب في خانة واحدة يمكن ايجادها بسؤال اساسي فحواه هل ان قوى 14 آذار، الذاهبة باختيار جديد تصعيدي استشعرت معادلات وتوازنات جديدة في الداخل والمحيط ام انها شرعت في مهمة جديدة في ضوء هذا الاستشعار؟

في كل الاحوال، لدى قوى 8 آذار من الاسباب ما يدفعها الى التوقف ملياً أكثر من أي وقت أمام ما تسميه انقلاب مواقف مفاجئ من جانب 14 آذار في لحظة لا يمكن الا اعتبارها لحظة استثنائية بكل المقاييس!

2012-07-21