ارشيف من :أخبار لبنانية

سلاح المقاومة: لبناء دولة بدلاً من المزرعة

سلاح المقاومة: لبناء دولة بدلاً من المزرعة
قاسم عزالدين* ـ "السفير"

مفارقة نادرة في التاريخ السياسي تجمع بين فاشيين صليبيين، وإسلاميين تكفيريين، ومتغرّبين نيوليبراليين، سوياً، على نزع سلاح المقاومة. المفارقة الأدهى أن الجمع المتحارب في أصوله ومقاصده يجتمع على القول إن سلاح المقاومة هو دولة داخل دولة مزعومة ليست في حقيقتها وفلسفتها أكثر من مزرعة غرائز بدائية. وهذا الجمع «ممن ضمّ مجلسهم» يقول، كل من مرقد عنزته، إن على المقاومة تسليم سلاحها إلى دولة مزعومة كي تصبح مزرعته دولة. سنحاول في هذه المقالة الدلالة على أن هذا القول يستهدف إزالة سلاح الردع الذي يوفر إمكانية بناء دولة على أساسه، ولا يستهدف توفير سلاح إلى مزرعة تصبح به دولة. وفي القسم الثاني الدلالة على أن المقاومة أتاحت انتشار هذه الترهات العدوانية حين أهملت توظيف إنجازات المقاومة في العمل على بناء دولة بديلاً من المزرعة.

يتصوّر الجمع أن سلاح المقاومة الرادع حديد أصم من الصواريخ والذخائر يمكن نقله من مخزن المقاومة إلى مخازن «الدولة»، فتغتني به الدولة وتقوم به مقام المقاومة. والحقيقة أن هذا التصوّر هو بحد ذاته مبرر كاف لعدم تسليم السلاح الرادع إلى جمع أرعن على رأس مزرعة، يتصوّر سلاح الردع حديداً يمكن اقتناؤه في المخازن لشوفة الحال أو للتخلص من وباء فيه شبهة «العنف». فأهمية السلاح الرادع ليس في السلاح الأصم نفسه مهما تضخم عدة وعديداً، بل في ضمان طرق إمداداته وتجديده وتطويره على الدوام. والأهم من كل ذلك هو تراكم الخبرة الطويلة في بناء منظومة سلاح معيّنة تتناغم مع الأرض وبيئة المقاتلين وثقافتهم، والهيكلية التنظيمية، وتخطيط القيادة... لمجابهة استراتيجية حربية بعينها. وكل عنصر من هذه العناصر أهم من نوع السلاح وحجمه، فالمثل الشعبي العراقي يقول «دابة محملة بالسلاح يأكلها الذئب». والقول في هذا السياق إن المؤسسة العسكرية تتدبر الأمر ما ان يصبح السلاح في مخازنها هو إمعان في الكشف عن جموح لإزالة سلاح الردع، لا توفير سلاح مستعار لبناء المؤسسة العسكرية. فمن الناحية الذهنية المجردة يمكن لمؤسسة عسكرية أن تراكم خبرة قتالية وأن تعدّ العدة والعديد للردع، مع الوقت، إذا توافر لها القرار السياسي. لكن هذه الغاية لا ترتهن مطلقاً إلى رغبة المقاومة أو عدم رغبتها بتسليم سلاحها. إنما هي في أول المطاف وآخره، مرهونة لقرار سياسي من الدولة في بناء المؤسسة العسكرية بأدوات الدولة الخاصة. فارتهان بناء المؤسسة العسكرية إلى أن تتسلّم سلاح المقاومة هو ضرب من الخبَل، مثل ارتهان بناء الاقتصاد الوطني إلى أن يسلّم رجال الأعمال والتجار رساميلهم. فلا سلاح المقاومة يبني مؤسسة عسكرية رادعة، ولا رساميل رجال الأعمال تبني اقتصاد دولة. فالدولة ــ الدولة، تبني مؤسسة الردع وتنظّم الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي والسياسة الخارجية... في منطوق الدولة بمعزل عن كل المكونات الاجتماعية والسياسية، عندها فقط تنتظم كل مكونات المجتمع تحت جناحها طوعاً أو اضطراراً. قبل ذلك على هذه الدولة أن تثبت جدارتها في تسليح المؤسسة العسكرية كما باقي الدول التي تحترم نفسها، وتثبت أيضاً أهليتها في امتلاك قرار الحرب والسلم في يدها لا في يد «المجتمع الدولي»، وأن تثبت صدقية في منحاها نحو دولة مسؤولة لا عصابات فاسدة (كأن تنجح مثلاً بتوفير معجزة الكهرباء أو إشارات السير في أقل من خمسين سنة!).

لم يحدث في التاريخ أن سلّمت مقاومة سلاحها إلى سلطة «انكشارية» لا تملك من عدّة شغل الدولة غير «الكبلك والجربندية». ما حدث هو أن مقاومة تحرّر الأرض تصل تلقائياً إلى السلطة فتدمج سلاحها ورجالها وخبرتها وقياداتها في دولة ناتجة من المقاومة. الإشكال في لبنان أن المقاومة ارتكبت خطأ تاريخياً إذ تركت السلطة السياسية سلطة مزرعة، ناهيك عن إدارة ظهرها لإصلاح النظام وبناء دولة بديلة من المزرعة. أدى هذا الخطأ إلى ازدواجية سلطة على أرض الواقع، وليس صحيحاً ما يشاع أن المقاومة هي جزء من تحالفات السلطة والطبقة السياسية. فالمقاومة تبني تحالفاتها السياسية في السلطة أملاً منها المحافظة على ازدواجية سلطة واقعية، بانتظار متغيرات استراتيجية في المنطقة لمصلحة استراتيجية المقاومة. لكن أطراف السلطة المناوئة للمقاومة تستغل انتظار المقاومة، للعمل على إدراج حزب المقاومة وسلاحها في سلطة المزرعة والعودة بالسلطة إلى نقطة الصفر ما قبل احتلال الأرض وتحريرها. فهي تعمل للعودة بسلطة دولة المزرعة إلى الخمسينيات حين كانت السلطة جزءاً لا يتجزأ من المعسكر الغربي وحلف بغداد والأمن الإسرائيلي. حينها كانت السلطة تعوّل على المعسكر الغربي لردع الاعتداءات الاسرائيلية وتعتقد أن الأخير يقوم بردع اسرائيل على خير ما يرام، ويمكنه أن يقوم به اليوم وغداً إذا تضافرت جهود اللبنانيين و«المجتمع الدولي» للقضاء على «الإرهاب». وبحسب قناعة دفينة لدى بعض أطراف السلطة المناوئة للمقاومة، لم تعتدِ إسرائيل يوماً على لبنان ولا على جنوبه والجنوبيين، بل دافعت عن نفسها طيلة ما كان «الزعران» يتحركشون بها وعلى أنفسهم يجنون. كانت هذه الأطراف تتخيل وقتها أنها تقتني «قرار الحرب والسلم» كمقتنيات صك على بياض، يحق لها أن تسلمه للمعسكر الغربي «المتحضّر»، كونها تتخيل أن قرار الحرب والسلم «ممسحة» يحق للسلطة أن ترمي به في أي سلّة تشاء. وهذا سبب أساس من أسباب الخراب الذي لحق بلبنان الدولة واستجلب اكتساحه من كل حدب وصوب. فلبنان الدولة لم ينل السلم يوماً واللبنانيين (أو قسمهم الجنوبي على الأقل) ولم يردع المعسكر الغربي إسرائيل يوماً، وكان هذا تحصيل حاصل تأويل سلطة المزرعة لقرار الحرب والسلم على ما تحاول أن تعود به في التحريض على المقاومة وسلاحها.


إلى جانب هذا البعض من أطراف سلطة دولة المزرعة، وفَدَ دعاة «الاستقلال الثاني» للعودة بالسلطة إلى نقطة الصفر بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري. هؤلاء يلجأون، إلى «حدّوتة العروبة المنفتحَة» أمام جمهور لا يستسيغ كثيراً «خبرية» قرار الحرب والسلم في يد المعسكر الغربي وإسرائيل. فهذه العروبة كانت في الخمسينيات والستينيات كما هي اليوم مزارع خاصة للمعسكر الغربي، لا تضع قرار الحرب والسلم فقط في يد الأطلسي بل تضع أيضاً النفط والقواعد العسكرية والصناديق السيادية والقرار السياسي. كانت وما زالت طائفية موغلة في استخدام التعصب الديني لتبرير تبعيتها الذيلية إلى المعسكر الغربي، بمقدار انفتاحها على «الحداثة» في بذاءة استهلاك السلع الغربية. استخدمت التعصب الديني لخدمة استراتيجيات وسياسات المعسكر الغربي في محاربة كل المناوئين للمعسكر الغربي في مصر والعالم العربي والاسلامي وآسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. تستخدمه اليوم كما بالأمس أينما كان، ولا سيما في محاربة إيران وحزب الله، جامعة في جيبها خليطا عجيبا غريبا من «ديموقراطيين» وتكفيريين ومتغرّبين في ثقافة «الحداثة» الاستهلاكية. ورب ساذج بريء يقول إنه «تلاقي مصالح» بين أطراف متباعدة يجمعهم «التهديد الإيراني» مع المعسكر الغربي. وهذا لعمري عذر أقبح من ذنب في تسويق «تلاقي المصالح» بين الفيل والنملة. ما هو أقبح من ذنب ليس تهويل «التهديد الايراني» ضد العرب، (وهو في جانب منه حقيقي نتيجة الاحتلال الغربي للفراغ العربي)، بل تنحيف مصالح المعسكر الغربي والاسرائيلي إلى حد تلاقيها في خرم الإبرة مع مصالح سلطات المزارع العربية.
إن مقاومة «حزب الله» شيعية مرتبطة بإيران وسلاحها إيراني في معظمه. لكن هذه المقاومة ليست سلاحاً وحسب ولا هي شيعية مرتبطة بإيران وحسب. هي تراكم خبرة وقيادة وتضحيات طويلة لا يمكن إعادتها إلى نقطة الصفر كأنها ما كانت لكي تبدأ المقاومة من جديد عند أول اعتداء اسرائيلي. ولا يمكن نزع سلاحها بدعوى تسليمه لمؤسسة عسكرية في دولة ــ مزرعة تضع قرار الحرب والسلم في يد «المجتمع الدولي»، أو تنحاز عن «تلاقي مصالح»، بل عن ذيلية بلهاء «للعالم الحر» عن طريق «حدّوتة العروبة المنفتحة». فالمقاومة التي تتهمها سلطة المزرعة المناوئة للمقاومة بأنها «دولة داخل الدولة» هي سلطة أمر واقع اكتسبتها المقاومة بدماء شهدائها وتضحياتها، نتيجة تخلّي سلطة المزرعة عن أبسط واجباتها في الدفاع عن الأمن الوطني. وما تسعى إليه المقاومة بعد نجاحها في توفير القدرة على الردع هو إعاقة عمل سلطة المزرعة للعودة إلى الخمسينيات في أحضان المعسكر الغربي ونفط الخليج، وإلى ما قبل تضحيات المقاومة في تحرير الأرض حتى عام ألفين وهزيمة إسرائيل عام 2006. ففي إعاقة سلطة المزرعة نحو العودة إلى نقطة الصفر، لا تهدد المقاومة الطوائف الأخرى بل تهدد منحى تسليم قرار الحرب والسلم إلى «المجتمع الدولي» من دون أن تمس (للأسف) بمعادلات احتراب الطوائف في غابة المزرعة. في هذه المزرعة حال الغالبية الساحقة من الشيعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية هو كحال الغالبية الساحقة من السنّة في الشمال وعكار والبقاع الغربي، وكحال الغالبية الساحقة من الطوائف الأخرى تعيش كلها في غابة ذئاب. كما أن حال الأقلية الشيعية القليلة من زبائنية السلطة هو كحال الأقلية القليلة من الطوائف الأخرى تعيش على استباحة هيكل عظام الدولة والثروة العامة. فالأقليات القليلة تتقاتل في ما بينها على توزيع النفوذ وتقاسم المغانم لكنها تحرص يداً بيد على بقاء دولة المزرعة وسلطتها دجاجة تبيض لها ذهباً. ولا تترك هذه الأقلية القليلة للأغلبية الغالبة من كل الجماعات الطائفية سبيلاً غير الاحتراب الطائفي والمناطقي والعائلي على ما يتساقط من أفواه نافذي سلطة المزرعة «حسنات ومكارم»، أو أملاً بحظوة من فتات.


الجماعة الشيعية التي «تشعر بفائض قوة» نتيجة انتصار المقاومة لا تزيد أو تقل طائفية عن بقية الجماعات الطائفية والمذهبية. لكن طائفية الجماعة الشيعية والجماعات الأخرى لا تؤدي إلى احتراب طائفي ومذهبي بين الجماعات بدون احتراب سياسي على المكانة في توزيع النفوذ الغريزي والثروة الخام. ومن العبث وقف الاحتراب الطائفي ما بقيت سلطة المزرعة دجاجة تبيض ذهباً، وما بقيت تدفع الجماعات إلى أن تأكل من حصص بعضها البعض نفوذاً غريزياً وثروة خاماً، ولا تنتج ثروة حقيقية مشترَكة مع بعضها البعض تتراكم كلما توسعت على الجماعات والمناطق وانقسمت. فدرهم مصالح مشترَكة في إنتاج ثروة حقيقية اقتصادية واجتماعية وثقافية بين الجماعات والمناطق خير من قناطير نفاق في «العيش المشترك» بين الآخر من كوكب المريخ والآخر من كوكب الزهرة. المقاومة في هذا السياق لم تعمل على تغيير أسس سلطة المزرعة ولا على بناء دولة ونظام مصالح مشتركة بين الجماعات والمناطق. لكنها تعمل على إعاقة نزع سلاح الردع من يدها والعودة إلى نقطة الصفر في البكاء على أبواب مجلس الأمن. تعمل على إعاقة تسليم قرار الحرب والسلم إلى «المجتمع الدولي»، وعلى إعاقة «تلاقي مصالح» سلطة المزرعة مع «عروبة منفتحة» ليست أكثر من مزارع للأطلسي ومحميات. تنتظر المقاومة تحولات استراتيجية في المنطقة تنأى بها عن الدخول في معضلة نظام بلد «متعدد الطوائف» شديد التقلبات والاستقطابات الخارجية. المقاومة تنتظر الوقت لكن أحوالاً كثيرة تتغير بمرور الوقت.

كاتب وأكاديمي ـ لبنان

2012-07-23