ارشيف من :أخبار لبنانية
«المجوقل» يدفع ثمن منع «المنطقة العازلة»
ضبّاط الجيش وعناصره أصيبوا في الصميم. كبرياؤهم العسكرية جريحة. من يفترض بهم الدفاع عن الناس وجدوا أنفسهم بحاجة إلى من يدافع عنهم. ساير القضاء السياسة... فـ «كسرت الهيبة». ثمة عسكريون غاضبون من توقيف رفاقهم من الفوج المجوقل، في ظل تحقيق مبهم ومعلومات متضاربة.
عبثاً يحاول لجم غضبه. كلمة، اثنتان وعند الثالثة ينفجر. هذا ضابط في الجيش يعجز عن «التطبّع» مع فكرة رمي رفاقه في السجن ظلماً. في سهرة عفوية، جلس الضابط ومن حوله رفاق السلاح، يشاركونه الغضب والشعور بـ «الطعن في الظهر». ينفّسون ما بداخلهم من قهر، ويتفقون على أمر واحد: «لقد ضُربت هيبة الجيش».
لا يمكنهم الظهور في الإعلام، ولا يريدون ذلك، لكنهم لا يفهمون «كيف لشعب أن يقبل إذلال جيشه الوطني على هذا النحو، ثم لا ينزل بكافة شرائحه إلى الشارع، لا للدفاع عن الضباط والعناصر، بل للدفاع عمّا كان يسمى آخر مؤسسات الإجماع الوطني». ينقلون عن أحد رفاقهم الضبّاط الثلاثة، الذين أعيد توقيفهم في قضية مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد، قوله لقاضي التحقيق: «بأي وجه تقابلنا مرة ثانية، وكيف لك أن تحقق معنا من جديد، بعدما أخليت أنت سبيلنا سابقاً؟ هل تظننا بعد هذا نجد في القضاء ما يستحق الاحترام؟». يُقال إن القاضي كان صريحاً للغاية: «المسألة أكبر منّا جميعاً. هناك ضغوط سياسية». صراحة لا تستدعي «مغفرة» أو تفهماً من العسكريين، الذين كانوا يتمنون على القاضي أن «يكون شجاعاً بما يكفي ليعلن استقالته، ويفضح بذلك السياسيين الوقحين».
يعزّ على هؤلاء العسكريين أن يصبح قائد فوجهم (العميد جورج نادر) «كئيباً». شاهدوه مرتبكاً أمام والدة أحد الموقوفين من الضباط، التي قصدته وبكت أمامه، فلم يجد ما يقوله لها. ينقلون عن عميدهم قوله لهم: «سامحوني لقد أخطأت. أخطأت بأن درّبتكم على الشجاعة والشدّة وعدم التراخي، ففي هذا البلد يصبح العمل وفقاً للأصول جريمة». يكاد اسم النائب خالد ضاهر يسبب انفجار العسكريين. يهزأون من الدولة التي «أثبت فيها ضاهر أنه الأقوى... نحن الذين يفترض بنا حماية الناس من الخطر، بتنا بحاجة إلى من يحمينا من بعض الأوغاد، لا شيء يؤذينا حالياً بقدر اهتزاز صورتنا في عيون اللبنانيين».
لا يجد العسكريون في تصويب ضاهر على قائد الفوج المجوقل مسألة عابرة. في رأيهم، النائب العكاري يعلم تماماً ما فعله الفوج قبل حادثة الكويخات، تحديداً في المواجهات التي دارت على مراحل بين باب التبانة وجبل محسن في طرابلس. آنذاك، كان يكثر الحديث عن «المنطقة العازلة» في الشمال، لكن «أداء الجيش هناك، وتكبيده خسائر كبيرة للجهة التي كانت تضم مقاتلين أجانب، تبيّن لاحقاً أنهم مما يسمى الجيش السوري الحر، اضافة الى ما حصل من ضربات في عموم الشمال، أدى بأصحاب القرار إلى قراءة موقف الجيش الجدي، المصمم على منع حصول مجازر، والجاهز لمنع إنشاء ولو ربع منطقة عازلة». بعد تلك الأحداث، التي لم تكشف كل تفاصيلها بعد، توافدت منظمات دولية وجهات غير محلية إلى قيادة الفوج المجوقل. أُبلغت القيادة أنها، من حيث قصدت أو لم تقصد، أفشلت مشروع المنطقة العازلة، وعليها «تحمّل ردّات فعل بعض المتضررين». طبعاً، لم يكن المجوقل الوحيد في منطقة الشمال، لكن نشاطه كان الأبرز، ولهذا «نال قائده وضباطه ما نالوا».
يلفت أحد المتابعين الميدانيين إلى أنه قبل حادثة الكويخات، كان اللواء العاشر وفوج التدخل في عكار يتحاشيان التصادم مع أي أحد، بمن فيهم الشيخ عبد الواحد، الذي «كان قد استفز العسكريين على الحواجز قبل ذلك مرات عدة»، لكن، بعد ما قام به ضباط وعناصر فوج المجوقل، الذين «لا يمكن بالأصل عدّهم شرطة مجتمعية، بل نخبة عسكرية، ارتفعت معنويات الجنود في كل ألوية الجيش وأفواجه، وشعروا بأنهم ليسوا مجرد حراس، بل جهة يمكنها أن تقول لا، وأن تطلق النار وتفرض هيبتها فرضاً، لكن للأسف، تطييف الحادثة، واطلاق الموقوفين ثم اعادة توقيفهم بناءً على رغبة سياسية، أضرت جميعها بمعنويات العسكريين إلى حد نفور البعض من بزّته العسكرية». يؤكد أحد العسكريين، الغاضب ممن حاولوا أخذ حادثة الكويخات إلى مستنقع الطائفية، أن «تطييف الحادثة لن يتم داخل مؤسسة الجيش، وليموتوا بغيظهم، لأن هناك 12 جندياً سنياً كانوا بين الجنود الذين أطلقوا النار عند الحاجز».
لا يريد أحد العسكريين أن يكون التضامن مع الجيش محصوراً في حزب أو تيار معين. ففي رأيه، كما شارك في التحركات أهالي العسكريين من الشمال نفسه، كان «يفترض أن يكون هناك تحرّك من الأهالي في الجنوب والبقاع، وعلى حزب الله وحركة امل أخذ موقف أكثر حزماً في قضية التطاول على الجيش». عسكري آخر يرفض أن يحمّل قيادة الجيش المسؤولية، لكن «خليها بالقلب». ثمة عتب ضمني على القيادة، التي «كان يجب أن تكون أكثر حدّة في الدفاع عن عسكرييها، لكن في كل الأحوال تبقى هي القيادة، ونرفض أن يمسها أحد بسوء».
التحقيق العسكري
مصادر متابعة للتحقيق في حادثة الكويخات، أكّدت أن أقارب الشيخ أحمد عبد الواحد رفضوا كشف الطبيب الشرعي على الجثة، ما اضطر الطبيب إلى إعداد تقريره مكتفياً بالتصوير، علماً أن تقريراً كهذا يمكن أن يُطعن به أمام المحكمة. وفي سياق متصل، أبدى عسكريون من الذين استُمع إلى إفاداتهم انزعاجاً من الكاتب الذي يساعد الموظف المستكتب، الذي يدوّن ما يمليه عليه القائم بالتحقيق، إذ «كان يحاول الإيقاع بين العسكريين أنفسهم، محاولاً إرباكهم من خلال نقله معلومات إليهم غير صحيحة ومتضاربة». وبعد الشكوى من سلوكه والارتياب منه، تبيّن، بعد مراقبته، أنه على صلة بجهات سياسية شمالية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018