ارشيف من :أخبار لبنانية

فقط منتصر ومهزوم... في سوريا

فقط منتصر ومهزوم... في سوريا
يحيى دبوق ـ "الاخبار"

الحرب الدائرة في سوريا، وعليها، تجاوزت نقطة اللاعودة. لم تعد التسوية ممكنة، والحلول السياسية متعثرة، إلى حد التأكيد أنها مستحيلة. الأزمة تتجاوز سوريا إلى خارجها، ولم تعد سورية داخلية، بل لم تكن في الأساس. تبقى العوامل الخارجية هي المؤثرة والمقررة، والتي كما يبدو تذهب بعيداً نحو تثبيت الأزمة إلى ما أمكنها ذلك، ما دام الحل العسكري وإسقاط النظام، متعذرين ميدانياً.

تفجير دمشق الأخير، الذي استهدف مبنى الأمن القومي السوري، جبى من النظام أثماناً باهظة، ومؤلمة. كان مدعاة احتفال و«شرب أنخاب» وأمل بنصر لم يتحقق، لدى الأطراف المعادية. في الوقت نفسه، إن النظرة إلى النصف الآخر من الكأس المرّة، تشير إلى أن النظام لم يكن بالضعف الذي تصوره أعداؤه. فتجاوز تداعيات التفجير والنجاح في استيعاب الهجمة العسكرية على دمشق، يؤكدان أن النظام أقوى بكثير مما اعتقد البعض، وما زالت مهمة إسقاطه متعثرة.

الإصلاح والمطالب المعيشية وغيرهما من الشعارات الابتدائية، حفرت لنفسها مكاناً بعيداً جداً في الذاكرة. تأكد أنها لم تكن إلا مطيّة باتجاه إسقاط النظام. وما دام إسقاطه متعذراً، فحراك المتدخلين في سوريا من الخارج يؤكد لزوم بقاء الأزمة وتفاقمها، بلا حل: إما إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه بما يمثل من موقع في محور أكبر وأشمل، وإلا فإبقاء الوضع متأزماً، بغية إحداث مزيد من الاستنزاف والإشغال للمحور المعادي للولايات المتحدة، وحشره في موقع الدفاع إزاء الهجوم المنظم ضده. أما التسوية السياسية، فغير واردة.

تحذير وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، الحكومة السورية من «هجوم كارثي»، ومن أن «قوى المعارضة باتت أكثر فاعلية في دفاعها عن نفسها وفي مواجهة الجيش السوري»، يأتي قبيل التفجير في مبنى الأمن القومي في دمشق، ومحاولة المعارضة المسلحة السيطرة على العاصمة السورية، الأمر الذي يستأهل الكثير من التأمل.

وبرزت في الأسبوع الماضي شهادة إسرائيلية، أكدت انعدام التدخل الخارجي الغربي في سوريا؛ إذ أكد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في تل أبيب، اللواء افيف كوخافي، أن الولايات المتحدة الأميركية وحلف شماليّ الأطلسي لن يتدخلا عسكرياً مباشرة في سوريا، مشدداً على «انعدام الحافز لديهما» (يديعوت أحرونوت 17/07/2012)، مع العلم بأن التدخل العسكري المباشر في سوريا، على غرار الحالة الليبية، هو الوصفة شبه الوحيدة، نظرياً، التي يمكن الرهان فعلياً بأنها قد تسقط نظام الأسد.

بعض الجهات تنتظر التدخل الأميركي، في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية في أميركا، وتشير إلى أن البيت الأبيض لا يمكنه حالياً أن يجازف ويخوض حرباً. وتقول هذه النظرية إن التدخل الأميركي حتمي، بعد شهور، في أعقاب إدلاء الناخبين الأميركيين بأصواتهم. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن حرباً تخوضها واشنطن وتنتصر فيها، وتحديداً ضد «محور الشر»، هي عامل أساسي ومحوري، في تحسين فرصة الرئيس الأميركي في الانتخابات المقبلة، والعكس غير صحيح. إلا إذا كانت واشنطن لا تقوى على تحمل تداعيات حرب جديدة، في سوريا تحديداً، وتدرك أن التدخل سيفضي إلى كارثة على مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.


ولكي يستقيم التحليل، يشار أيضاً إلى أن المعركة التي تدور رحاها في سوريا، هي معركة تدار بأدوات سورية فقط، لكنها في الواقع، معركة خارجية بامتياز، بين محورين اثنين من الدول والجهات الإقليمية والدولية. والمحوران يتقاتلان ويتكابشان بنحو غير مباشر، في سوريا وعليها. واستناداً إلى واقع المحورين، واستمرار العداء المستحكم بينهما، لا إشارة إلى إمكان التراجع حتى الآن، الأمر الذي يعني أن الحرب في سوريا مستمرة، ولا يمكن تلمس نهاياتها إلا من خلال قراءة الأوضاع إقليمياً ودولياً، والتحولات فيها. بمعنى وجوب قراءة الوضع السوري من الخارج إلى الداخل، لا العكس. مع ذلك، يوجد حد يُخسر اللاعبين الخارجيين تأثيرهم، إن كان للميدان السوري رأي مغاير، وأفضت المواجهات المسلحة إلى هزيمة أحد طرفي الصراع بوضوح.

2012-07-23