ارشيف من :ترجمات ودراسات
التهديدات الإسرائيلية: تشابه في المضمون.. خصوصية في السياق والتوقيت
كتب محرر الشؤون العبرية
شهدت الأسابيع الماضية، العديد من التهديدات التي أطلقتها قيادات عسكرية إسرائيلية، تجاه حزب الله ولبنان، وأبرزها تلك التي صدرت على لسان قائد فرقة الجليل العميد "هيرتسي هليفي".. لكن على مستوى المضمون، قد لا نجد ما يُميِّزها، عما صدر عن قادة العدو خلال السنوات الماضية.
وللتذكير فقد هدَّد قائد المنطقة الشمالية، اللواء "غادي ايزنكوت"، قبل أكثر من أربع سنوات، باتباع سياسة "عقيدة الضاحية"، كنهج تدميري في الحرب المقبلة مع حزب الله.. وما تلاها من عشرات التهديدات التي أطلقها المسؤولون السياسيون والعسكريون التي تناولت استهداف البنى التحتية اللبنانية.. وتدمير القرى واقتحامها.. واغتيال قادة حزب الله.. وضرب قدراته الاستراتيجية.. فيما تضمنت التهديدات الأخيرة، "الدخول البري الحتمي.. إحداث دمار هائل في القرى اللبنانية.. إضرار أكبر بالدولة اللبنانية.. الفارق الكبير بين المواد المتفجرة التي ستُلقى على لبنان، قياسا بما سيتم إلقاءه على "إسرائيل".. أن بنك أهداف "إسرائيل" عن حزب الله لا تُقارن بما كان لديها عشية حرب عام 2006".
في المقابل، بالرغم من التشابه في مضمون التهديدات، السابقة واللاحقة، إلا أن اللافت فيها هو تواليها خلال عشرة أيام على ألسنة عدد من الضباط الاسرائيليين في قيادة المنطقة الشمالية وصولا إلى قائد فرقة الجليل.. وما رافقها، واعقبها، من تحليلات وتقارير لمعلقين اسرائيليين حاولت إضفاء قدر من الجدية والمصداقية على تلك التهديدات، فضلا عن محاولة تزخيمها وجعلها أكثر فاعلية وتأثيراً في الساحة اللبنانية.
ايضا، على مستوى التوقيت، من الطبيعي استحضار تزامن هذه التهديدات مع ما تشهده الساحتان السورية والإيرانية، من تطورات وتحديات، وتحديداً بعد فشل الرهانات الداخلية، حتى الآن، على إسقاط نظام بشار الأسد، الذي ما كان ليتمكن من الصمود لولا المظلة الإقليمية والدولية التي ردعت التدخل الخارجي.. وبعد فشل الضغوط الدولية في إخضاع إيران وإجبارها على التراجع في الملف النووي، بعدما بلغت مرحلة حساسة جداً على مستوى التطور النووي، والتي يصفها قادة العدو بـ "العتبة النووية"، التي تؤهلها كي تكون دولة نووية بكل ما للكلمة من معنى، والقدرة على إنتاج أسلحة نووية لو أرادت.
ب
موازاة ذلك ينبغي التوقف عند ملاحظة، أن وسائل إعلام إسرائيلية كثيرة، أسقطت من التغطية ما ورد على لسان قائد فرقة الجليل، خلال تهديده لحزب الله، والتي قال فيها بأن "الحرب ستكون مدمرة، وبالتالي على الطرفين ان يمتنعا عن خوضها". اذ ورد ذلك بعد التصريح مباشرة، في وسائل الإعلام، ولكنها سقطت في تغطية اليوم التالي. ولعل التأمل في مضمونها قد يكشف عن خلفية إسقاطها، لما تضمنته من إقرار بتوازن الردع، في الوقت الذي يبدو ان التهديدات كانت تهدف إلى تعزيز قدرة الردع الإسرائيلية في مواجهة حزب الله.. في هذه المرحلة، لاعتبارات ستتضح في التحليل الذي سيرد.وعليه، يمكن من الناحية النظرية، وضع عدة أطر محتملة، لتفسير هذه التهديدات الإسرائيلية:
ـ أن تكون تمهيدا لاعتداء إسرائيلي واسع في لبنان، انطلاقا من تشخيص فرصة إقليمية ما ملائمة لتحقيق "حلم" استراتيجي يتمثل بإضعاف حزب الله.
ـ أن تكون ذات أهداف ردعية في لبنان، تمهيدا لضربات عسكرية في الساحة الإيرانية أو السورية، انطلاقا من التقدير الإسرائيلي، بأن أي خطوة عملانية إسرائيلية من هذا النوع ستُقابل بتدخل ورد من قبل حزب الله.
ينبغي التنويه إلى حقيقة أن تأملا بسيطا، في توالي التهديدات الإسرائيلية، وتوقيتها.. يؤكد على ضرورة عدم التعامل معها كما لو أنها مواقف عابرة، وامتداد لتهديدات سبق أن أطلقها قادة العدو بمناسبة وبدون مناسبة. خاصة وأنه اقترنت باهتمام إسرائيلي مكثف، بإيصال الرسالة والتشديد عليها وعلى مفاعيلها المؤملة.. وبالتالي محاولة استشراف خلفياتها وأهدافها.
لجهة إمكانية أن يكون ما تقدم، تمهيدا لعدوان إسرائيلي واسع على لبنان، ينبغي التأكيد على مسألة، أنه بالرغم من حقيقة أن تدمير قدرات حزب الله أو إضعافه، يشكل هدفاً قائماً بذاته، لكن أحد العقبات الأساسية، إلى جانب عدم ضمان تحقيق أهدافه والأثمان التي يمكن أن تدفعها "إسرائيل"..، تتمثل بأن الظرف الإقليمي الحالي، بالرغم من الوضع الذي آلت إليه التطورات في سوريا، لا تضمن تحقيق الأهداف المؤملة من هذه الحرب.. خاصة وأن نظام الأسد ما زال قائما، وبمعنى آخر ما زال يشكل مصدر إمداد وحلقة تواصل مع الجمهورية الاسلامية.. لذا من المبكر ـ حتى الآن ـ مقاربة هذا الخيار من منطلق استهداف حزب الله قبل إتمام الطوق حوله من الشمال والشرق..
إلى ذلك، ما زالت الأولوية الإسرائيلية في هذه المرحلة، تتمثل بمعالجة البرنامج النووي الإيراني، وباستبدال نظام الأسد بآخر موال للغرب، فضلا عن معالجة المنظومات الإستراتيجية السورية، الكيميائية والصاروخية.. وبالتالي فإن أي مقاربة عملانية إسرائيلية لحزب الله، في هذه المرحلة، لا تقتصر فقط على ما تمثله قدراته من تهديد للأمن القومي الإسرائيلي، بل أيضاً وبشكل أساسي بما يخدمها في مواجهة التحديين السوري والإيراني.
في كل الأحوال، تمر المنطقة بأكملها في محطة مفصلية ومصيرية، تؤسس لمسار مستقبلي يتم خلاله بلورة وبناء واقع شرق أوسطي مغاير تماما هو عليه الآن، وفي كل الخطط التي يرسمها العدو للمنطقة، سواء من موقع المبادرة والهجوم أو الدفاع والاحتواء لحزب الله موقعه الاساسي، الأمر الذي يستوجب مزيدا من اليقظة والجهوزية..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018