ارشيف من :أخبار لبنانية

في الاستراتيجية الدفاعيّة: «تموز» والوطن «المياوم»!

في الاستراتيجية الدفاعيّة: «تموز» والوطن «المياوم»!

عادل مالك - صحيفة "السفير"


نحن في قيظ تموز وكهرباء لبنان مضربة عن العمل حتى قبل إضراب مياومي المؤسسة وبعده ربما.
كان من المفروض ألاّ تمرّ ذكرى «تموز اللبناني» مرور الكرام، خاصة في الذكرى السادسة لهزيمة إسرائيل في عدوانها (تموز 2006). لكن التطوّرات الزئبقية الشديدة الحراك في المشهدية العامة فرضت تغييراً في تبويب وتصنيف الأولويات على الصعيد المحليّ.
علينا أن نقول: لقد أدمنت العرب الهزائم وعندما جاءَها انتصار انبرى البعض الى التشكيك في صدقيته ومشروعيته. وعندما تُقر إسرائيل وتعترف بهزيمتها، فمن الذي ألحق بها هذه الهزيمة؟ هل يتم تسجيل الانتصار على أسرائيل ضد مجهول؟
مؤسف ومحزن هذا التبدل الدرامي في أولويات هذا الزمن، إذ تتقدم المآسي الكلام على «الوطن المياوم».

ونسارع الى الاستدراك والقول إن استخدام تعبير «المياوم» لا يشكل انتقاصاً من قيمة أو من كرامة المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان أو في أي مجال آخر. وفي معرض الاستعارة والتشبيه للإشارة الى أن مقاربة صفة المياوم بالطابع الموقت، وتذكرون المعادلة الشهيرة: في لبنان المؤقت هو الدائم، والدائم أصبح الاستثناء.
إن صيغة «الوطن المياوم» فجّرت أزمة كبيرة عصفت بالحكومة المهتزة في الأساس، كما أنها أدّت الى فرض بعض التحالفات. ومهما تمّ تلطيف الأجواء الخلافية الناشبة بين «الرابية» و«عين التينة» فإن شرخاً في العمق أرخى بظلاله على علاقات الحلفاء، وحلفاء الحلفاء.
وبانتظار معرفة مدى صمود الحكومة الميقاتية بوجه الأعاصير الآتية إليها من ألف جهة وجهة، يقفز من جديد الى سطح الأحداث النقاش حول الإستراتيجية الدفاعية. أما العناصر الأكثر إلحاحاً وحدّةً فتتمثل بالأسلحة الأكثر تداولاً بين الناس هذه الأيّام، وهي ما يشبه أسلحة الدمار الشامل، طبعة لبنانيّة، وعنينا: الإطارات المشتعلة.
وفي سياق تجدد الحوار حول ضرورة تجريد لبنان من الأسلحة المنتشرة خارج المخيّمات الفلسطينية، وحتى في داخلها، فالأمر المطلوب بإلحاح طرح فكرة تجريد لبنان من أسلحة الاطارات والدواليب على اختلاف أنواعها وألوانها، وهي التي تقض مضاجع اللبنانيين في طول الجمهورية وعرضها، وما يرافق ذلك من قطع للتواصل بين أبناء الوطن وتأجيج النيران الطائفية والمذهبية والإمعان في حالات الاختناق والاحتقان. كما ينتج عن ذلك تناسل الدويلات في أرجاء الوطن شمالاً وجنوباً وبقاعاً، إضافة الى العاصمة بيروت.
إن مَن يحكم لبنان ومن يتحكّم به هذه الأيام الجمهوريات المتنقلة والمدججة بكل أنواع المخاطر، وهي من نوع جمهوريات غب الطلب.
ولم يكن مخيّم الشيخ أحمد الأسير الأول ولن يكون الأخير، وهو الذي بايع نفسه حاكماً بقوّة الأمر الواقع ومانعاً السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه برّي من زيارة منطقة الجنوب اللبناني إلاّ بتأشيرة منه. ونكتشف مع استمرار الاعتصام أن الشيخ الأسير ليس اسماً على مسمّى لأنه هو الآسر فيما آخرون هم الأسرى.

ويتأكد يوماً بعد يوم أن الإستراتيجية الدفاعية لمواجهة العدو لا يمكن أن يبدأ تشريعها وحالة الوطن الممزقّة، حيث تعقد الاتفاقات الأمنيّة بالتراضي وباستجداء السلطة من المعتدين والمتطاولين على الوطن وعلى أهله.
لقد نصّ الدستور على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، لكن الواقع غير ذلك تماماً حيث نكتشف أن الوطن ليس لجميع أبنائه، وأن أبناء الوطن ليسوا جميعاً للوطن.
وفي العودة الى تموز وأحاديث الهزيمة والانتصار نلاحظ كيف مرّت هذه الذكرى على اسرائيل: قامت القوّات الإسرائيلية بمناورات لها تدرّبت خلالها على اقتحام جنوب لبنان، وذلك على بعد كيلو مترين فقط من الحدود مع لبنان وانتهت الى التالي: «إن القوّات الاسرائيلية في كامل الجهوزية للدخول الى لبنان حال تلقي الأوامر بين ساعات قليلة الى 50 ساعة»، على حد تعبير قادة هذه المناورة.
كما أن هذه الذكرى لم تمرّ من دون ممارسة المزيد من النقد الذاتي، حيث اعترف إيهود أولمرت بـ«إن حرب لبنان الثانية لم تبدأ في 12 تموز 2006، وإنما بدأت يوم وعدت اسرائيل بدك الأراضي اللبنانية، إثر اختطاف ثلاثة جنود. لقد بدأت حرب لبنان لحظة خسرت دولة إسرائيل قوّتها الردعية وعملت بتناقض صريح مع ما تعهدت به، وعملياً انتهجت أسلوب الرد وليس المبادرة».
إذاً مَن ألحق الهزيمة بإسرائيل في عدوان تموز 2006 ؟

إن الدولة التي تعمل بسلطة «المياومة» لن توصل الى استراتيجية فاعلة للدفاع عن لبنان.
ويبقى تموز حديث المراجع.. لكن حديث النصر أو عدم الهزيمة على الأقل عندما يقرر بعض أهل الوطن العثور عليه والاعتراف به.
..وقبل التفاهم على الإستراتيجية الدفاعية وتوابعها وجب التفاهم بين شركاء الوطن على اختلاف تلاوينهم، وغير ذلك هو حديث عبثيّ لا طائل منه، ولا وطن مرتجى.

إعلامي لبناني

2012-07-25