ارشيف من :ترجمات ودراسات

يهودية الدولة...المستقبل المجهول؟

يهودية الدولة...المستقبل المجهول؟

المصدر: "مركز الدراسات المعاصرة "
أثارت كلمة الوزير الإسرائيلي "بيني بيغن" في معهد "ترومان" حول يهودية الدولة في مؤتمر "الاعتراف بـ"إسرائيل" كدولة يهودية هل هو عملية اعتذارية أم شرط للسلام"، ردود فعل غاضبة بعد أن شكك في يهودية مدينة تل أبيب؛ تلك "المدينة العبرية" الأولى في البلاد، وذلك في سياق حديثه عن إشكاليات الدولة اليهودية.
لقد كان "بيني بيغن" صريحا إلى حد الإحراج في تأكيده على أن تناول المؤسسة الإسرائيلية موضوع "يهودية الدولة" موضوع حمال مشاكل وإشكاليات، فعن أي يهودية نتحدث؟ وما هي مكونات هذه اليهودية؟ وما هي حدودها المدنية والتشريعية؟
مشكلة يهودية الدولة كما يتضح من حديث هذا الوزير مشكلة كبيرة في الشارع الإسرائيلي، الذي يرفض التعاطي مع اليهودية بشكلها الأورثوذكسي، وله ملاحظات كبيرة على كل ما يتعلق باليهودية.
من الضروري أن يعلم القارئ الكريم أن المجتمع الإسرائيلي يطور ذاتيا هوية جديدة تتقاطع فيها اليهودية باشتقاقات محددة مع الهوية الإسرائيلية التي سعت المؤسسة الحاكمة والناظمة للحياة إلى تحقيقها في حياة الإسرائيليين، وكل ذلك يندمج في تحولات العولمة والحداثة التي غزت البشرية طولا وعرضا عبر آليات مختلفة نظـَّر لها الأمريكيون ابتداء وتلقفها تطويرا وتحويرا الكثيرون في أصقاع الأرض.
في سياقنا المحلي كفلسطينيين نحن أمام مجموعة متناقضات تعيشها المؤسسة ومجتمعها، وهي بالقطع عاجلا أم آجلا ستتداعى علينا مجتمعا وأفرادا إن في الداخل الفلسطيني أو على شعبنا الفلسطيني فيما تبقى من فلسطين التاريخية.
يهودية الدولة ومطالبة المؤسسات التنفيذية والتشريعية ستصطدم مع واقع حقيقي يتساءل عن معالم هذه الدولة وعلاقة الدين بالدولة في هذه الحالة...وسيصطدم مع العلمانيين من اليهود، فضلا عن الملاحدة.
في آب من عام 2011م طرح النائب من "كاديما" آفي دختر مسودة قانون تتحدث عن يهودية الدولة كهوية من خلال الالتفاف على القانون. وكان مشروعه يطالب بأن تكون "إسرائيل" دولة وطن للشعب اليهودي.. وفي هذا المؤتمر يقترح بيني بيغن أن تُعرف "إسرائيل" على أنها الدولة القومية للشعب اليهودي. معركة المصطلحات دخلت طورا متقدما في الإطار الإسرائيلي الذي يسعى لتخليق مصطلح متفق عليه بين كافة المركبات السياسية والدينية في الشارع اليهودي.
تكثر الدعوات الإسرائيلية المطالبة باعتراف الفلسطينيين بـ"يهودية دولة إسرائيل" بما يحمل في طياته خطر حرماننا من حقوقنا في بلادنا وشطب حق العودة وشرعنة "التهجير الطوعي" للرافضين ليهودية الدولة، فضلا عن دمج أبنائنا وبناتنا في الأطر الدافعة نحو تعميق يهودية الدولة في النفسية العربية في الداخل الفلسطيني، وتشكل الخدمة المدنية إحدى أهم الرافعات التي تراهن عليها المؤسسة الإسرائيلية.
المؤسسة الإسرائيلية تمارس منذ قيامها سياسة الأمر الواقع. وفي هذا السياق فإنها أدركت أن سياسة الأمر الواقع لا يمكن فرضها، خاصة وأن الداخل الفلسطيني عزز، منذ يوم الأرض وحتى هذه اللحظات، من هويته الإسلامية العربية، وكان للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني دور أساس في تعميق وتحديد الجانب الديني والشرعي في نفسيات أبناء الداخل الفلسطيني. ولا نبالغ إذا قلنا إن الحركة الإسلامية كان لها الدور الأهم في تحصين أبناء الداخل الفلسطيني بعد أن تعرضت لعمليات مسخ ممنهجة ومبرمجة من قوى مختلفة شربت من مياه ملوثة.
اعتراف بيني بيغن بالإشكاليات المتلبسة في مشروع "يهودية الدولة" يؤكد لنا أنَّ ما طرحه معهد "فان لير" في كتاب " فجوات المواطنة " الصادر عام 2008م، ما زالت قائمة، بل وتعمقت ؛ ومن ذلك العلاقة بين الدولة والدين والمهاجرين وقضية الاندماج والحفاظ على هويتهم الوافدة، وقلة إنجاب اليهود العلمانيين مقابل إنجاب الطوائف الحاريدية على اختلاف مدارسها أو إنجاب أتباع مدرسة الراب "كوك"؛ المدرسة الدينية ـ الصهيونية.
في محاولة منا لتنزيل نظرية ابن خلدون حول "العصبية " ودورها في بناء الدول ومن ثم نهوضها وفنائها على الواقع الإسرائيلي فيمكننا أن نذهب إلى أن هذه الدولة، وإن قامت على أنقاض شعب آخر وبدعم دولي فقد سعت منذ اللحظة الأولى لبلورة حالة "عصبية " مرتكزها الدين، لكن ليس بمعنى العمل بمقتضياته بل بمعنى توظيفه في تحقيق الهوية المتبلورة على قيم علمانية حادة تتساوق مع القيم الغربية الحداثوية، ومن ثم تعمل هذه المؤسسة على أن يتحلق حول المؤسسة شعب ومؤسسات، فكانت الإسرائيلية كهوية عصبية جرى تخليقها في مختبرات "الجيش" ليكون هو فرن الصهر لهذه الهوية ، ويلازم هذه العملية خلق حالة نفسية دائمة مبنية على أساس مادي وآخر معنوي، وهو ما أشار اليه المفكر العربي الراحل محمد عابد الجابري في كتابه
"معالم نظرية خلدونية" في سياق تعليقه على نظرية العصبية الخلدونية وصدقيتها "رابطة اجتماعية نفسية تربط أفراد جماعة معينة قائمة على القرابة المعنوية أو المادية ربطا مستمرا يشتد عندما يكون هناك خطر يهددهم".
المجتمع الإسرائيلي فقد الشق المعنوي ويبحث عن ذاته في ركامات مختلفة أشرنا إلى بعضها آنفا وبقيت شبكة "المصالح" الحبل الرابط بين مكونات هذا المجتمع... وهذه المصالح ليست مخلدة وليست باقية، وفيها من التعارض والمتناقضات ما يكفي لفرط حباتها.
في أقوال "بيني بيغن" تتكشف الحقيقة وتتساقط أوراق التوت التي طالما سعت المؤسسة الإسرائيلية لستر عورتها.. كما يتكشف دورنا في تعزيز هويتنا من خلال منظومتنا الفكرية والعقدية، أما الفكر الوافد المنحل الداعي إلى فجور فهو لا يبني هوية ولا يبني أمة. ومن لم يتعظ من غيره ومن عبر التاريخ فإن سنن الحق له بالمرصاد. 
2012-07-30