ارشيف من :ترجمات ودراسات
ظاهرة العمالة الأجنبية في "إسرائيل": قراءة في مشهد الصراع السياسي والاجتماعي
بقلم؛ د. حسن صنع الله، مجدي طه
١. العمالة الأجنبية
تعتبر ظاهرة العمالة الأجنبية أحدى الظواهر المنتشرة في كل دول العالم، بحيث يتم استقطاب مجموعات من الأيدي العاملة الرخيصة من دول أوروبا الشرقية وجنوب شرق كسيا وأحيانا أيدي عاملة من أصول أفريقية وإدخالها لسوق العمل وخاصة في مجالات الزراعة والصناعة وغيرها من المجالات عوضا أو كبديل عن الأيدي العاملة المحلية، وفي إسرائيل باتت هذه الظاهرة من أبرز الظواهر ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية وتشير بعض الإحصائيات إلى أن المؤسسة الإسرائيلية تستوعب كل عام ما يقارب ٣٠ ألف عامل بشكل قانوني للعمل في الزراعة والبناء، ووصلت نسبة العمال الأجانب في العام ٢٠٠٢ إلى ٨,٧ % من قوة العمل الإسرائيلية لتحتل إسرائيل المكانة الرابعة عالميا في سعة انتشار ظاهرة تشغيل العمال الأجانب، (١) ويطالب العمال الأجانب بحقوق الإقامة الدائمة والتعليم للأبناء والالتحاق بمؤسسات العمل الاجتماعي والصحي، (٢) بحيث يمنع المتسللين وطالبي اللجوء من الحصول على الخدمات الطبية والصحية والاجتماعية الأساسية،(٣) إلا أن معظم هذه الطلبات لا تؤخذ على محمل الجد من قبل السلطات الإسرائيلية مما أدى إلى انتقاد دولي لاذع للسياسة الإسرائيلية.
تقوم السياسة الإسرائيلية على أساس عدم منح هؤلاء العمال حقوق المواطنة وذلك خشية تحول هؤلاء العمال إلى مواطنين كاملي الحقوق مما يصبح تهديدا ديموغرافيا يهدد طابع الدولة اليهودي، وبالرغم من ذلك يتم استيعاب أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية سنويا، حاولت المؤسسة الإسرائيلية معالجة مشاكلها الديموغرافية فتسببت سياساتها بولادة أزمة ومشكلة ديموغرافية أخرى لا تقل أهمية عن المشكلة الأولى، والمقصود حاولت المؤسسة الإسرائيلية إيجاد بديل للأيدي العاملة الفلسطينية ومعاقبة الفلسطينيين وحرمانهم من العمل في سوق العمل الإسرائيلي بمختلف مجالاته وتنوعاته، ولكن البديل تسبب بولادة هجرة أجنبية وهجرات العمل المتمثلة بالأيدي العاملة الأجنبية البديلة والتي سببت مجموعة من المشاكل التي ظهرت وبرزت مؤخرا في عدة مستويات ومنها المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
على مستوى الحِراك السياسي فقد قررت الحكومة الإسرائيلية لأول مرة تغيير موقفها اتجاه العمالة الأجنبية، ففي يناير من العام ٢٠١٠ قررت الحكومة تقليص تواجد العمال الأجانب ومهاجري العمل وصعّبت من شروط تشغيلهم، وقد علل رئيس الحكومة الإسرائيلية "نتنياهو" محاربة العمال الأجانب قائلا " إن دخول العمال الأجانب بشكل مكثف إلى إسرائيل في السنوات الأخيرة أدى إلى مشاكل أمنية وانتشار المخدرات، وأدى بالأساس إلى اختراق سوق العمل وانخفاض الأجور، ادى الى تخفيض مستوى الأجور وألحق ضررًا اجتماعيًا بالنسيج الاجتماعي كما انه الحق الضرر بجانب كخر بكون دولة إسرائيل دولة يهودية" (٤) ورغم الإعلان عن تغيير سياسة الحكومة الإسرائيلية اتجاه العمال الأجانب ارتفعت نسبة العمالة الأجنبية واستمر تدفق العمال الأجانب بلا توقف، وفي العام ٢٠٠٩ قررت حكومة "اولمرت" إقامة وحدة خاصة لتنفيذ أوامر طرد العمال الأجانب أطلق عليها أسم "عوز" تتبع للشرطة الإسرائيلية وبدأت بحملات الطرد والملاحقة، وأشارت وثيقة داخلية نشرتها صحيفة هارتس الإسرائيلية إلى أن عدد العمال الذين اعتقلوا منذ تموز (يوليو) ٢٠٠٩ وابعدوا بلغ ٦٩٩ فقط بينما غادر البلاد ٢٤٣٣ عاملا أجنبيا بناء على طلبهم وبتعاون مع الوحدة، وهناك مجموعة من العمال الذين غادروا البلاد بصورة إرادية. (٥) ومن جانب كخر أشارت بعض التقارير الصادرة عن جمعية "عنوان للعامل" (٦) عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها العمال الأجانب في إسرائيل، بالإضافة إلى أوجه الاستغلال وظروف العمل والمسكن والحياة اللاانسانية التي يعيشها العمال، وأشارت بعض تقارير الجمعية عن ظاهرة المتاجرة من قبل شركات القوى البشرية (السمسرة) بهؤلاء العمال وخاصة القادمين من دول أوروبا الشرقية ودول شرق كسيا الفقيرة في ظروف صعبة وقاسية مما يجعلهم عبيدا عند هؤلاء المقاولين مما يدفع هؤلاء العمال للهروب والبحث عن مكان وسوق عمل كخر الأمر الذي حولهم إلى قوى عاملة غير رسمية وغير قانونية، وهذا يعرضهم للملاحقة والضبط من قبل الجهات المختصة بالهجرة ومن ثم تركيزهم في معسكرات خاصة تحضيرا لأبعادهم وطردهم.
٢. الأفارقة كحالة دراسية
شغلت ظاهرة التسلل من قبل الأفارقة الرأي العام والجهات الأمنية والسياسية في إسرائيل علما بأن هناك قرار "منع التسلل" والذي وضع تحديدا لمنع المواطنين الفلسطينيين من العودة إلى قراهم وبلدانهم عام ١٩٥٤ ، فقد وصل عدد المتسللين الأفارقة الذين نجحوا بالدخول عبر ـ الحدود المصرية الإسرائيلية حسب معطيات وزارة الهجرة والإسكان خلال الأعوام ٢٠١٢ ٢٠٠٥ ما يقارب ٦٠ ألف مهاجر، (٧) ويصل عدد العمال الكتين من جنوب السودان إلى ١٥٠٠ فقط، (٨) بحيث أن معظم المهاجرين أي ما نسبته ٨٠ % جاءوا من مناطق حرب ونزاع وخاصة من بلدان مثل أرتيريا وجنوب السودان ومن المفترض التعامل معهم على أساس اللجوء (٩). السياسي وفق معاهدة حقوق اللاجئ الدولية التي وضعت في العام ١٩٥١ تزايدت حدة المخاوف خاصة من المهاجرين الأفارقة بسبب تضاعف عدد المهاجرين وتشكلت طائفة من المهاجرين الأفارقة التي تعيش في أحياء فقر في جنوب تل أبيب وايلات واجدود وتكتسب مكانة قانونية تكسبهم حقوقا في العيش والتعليم والصحة والعمل وبصفتهم طالبي لجوء تحق لهم الحماية التي توفرها مأمورية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وتعمل السلطات الإسرائيلية بمساعدة الجيش على منع دخول المتسللين الأفارقة إلى الأراضي الإسرائيلية وتمتنع عن التعامل معهم على أساس اتفاقية حقوق اللاجئ وترفض تعريف مكانة اللاجئين وبدلا من ذلك منحتهم حماية جماعية مؤقتة تمهيدا لترحيلهم وطردهم.
وتعتبر مسألة العمالة الأجنبية أحد أهم المواضيع التي تشغل الرأي العام الإسرائيلي، (١٠) وقد أعتبر العمال الأجانب بغض النظر عن أصولهم العرقية والاثنية مصدر قلق نتيجة للخوف من تراجع وتغيير طابع الدولة اليهودي وتهديدها ديموغرافيا، (١١) ومنذ سنوات منحت وزارة الداخلية الإسرائيلية ما يسمى بالحماية المؤقتة أو "الدفاع الجماعي" للعمال الأجانب وخاصة للعمال الأفارقة الذين اعتبروا رعايا أو لاجئين (بشكل غير رسمي وغير مباشر) بسبب أعمال العنف والحرب في جنوب السودان، بحيث أن ٨٠ % من اللاجئين الأفارقة هم مناطق غير هادئة مثل أرتيريا وجنوب السودان، وهذه السياسة تغيرت منذ مطلع العام ٢٠١٢ وقد أعلن وزير الداخلية الإسرائيلي "ايلي يشاي" (١٢) عن نيته طرد وإبعاد العمال الأفارقة وأعادتهم إلى بلدانهم، وقد تقدمت بعض اللجان والمنظمات المدنية لحقوق الإنسان بطعون ضد قرار وزير الداخلية في إبعاد مواطني جنوب السودان إلا أن المحكمة رفضت هذه الطعون وطالبت بتنفيذ قرار الداخلية الإسرائيلية بأبعاد العمال الأفارقة من جنوب السودان على الفور. (١٣) وبناء على قرار المحكمة للشؤون الإدارية بدأت سلطات الهجرة والإسكان وبمساعدة من مجموعات من المفتشين من وحدة "عوز" بمتابعة وملاحقة العمال الأفارقة واعتقالهم تمهيدا لعملية الترحيل، (١٤) وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هذا الموضوع أثار ضجة إعلامية وسياسية كبيرة جدا داخل الرأي العام الإسرائيلي مما دفع الكنيست لمناقشة هذا الموضوع ووضع تصورات لمعالجة هذه القضية وقدمت مجموعة من ألاقتراحات البراغماتية لمعالجة الموضوع من قبل نواب الكنيست، (١٥) وقد قررت اللجنة الوزارية للتشريعات بمعاقبة كل الإسرائيليين المشغلين والمتعاونين مع المتسللين والفلسطينيين غير القانونيين حسب القانون الذي تقدم به عضو حزب الليكود الإسرائيلي "أوفير أكونيس"، وتفضي العقوبة بالسجن لمدة خمسة سنوات بدلا من سنتين ودفع غرامة مالية تصل إلى نصف مليون شيكل ومن المتوقع التصويت على هذا القانون مطلع الأسبوع. (١٦)
٣. البعد الأيديولوجي.. الخوف على الهوية والأغلبية اليهودية
انطلقت حملة المظاهرات والعنف ضد العمال الأفارقة "المتسللين" بدعوة وتحريض من أعضاء وأحزاب اليمين في الكنيست الإسرائيلي، فقد قاد حزب الليكود ممثلا بكل من "داني دانون" و "ميري ريغف" و "ياريف ليفين" بالإضافة إلى عضو الكنيست عن حزب كاديما "رونيت تيرش" وعضو الكنيست المتطرف عن حزب الاتحاد الوطني "ميخائيل بن اري" والذي يدعو إلى طرد وتهجير العرب إلى تأجيج مظاهر العنف والاعتداء على اللاجئين الأفارقة وقد تعرضوا لمجموعة من الاعتداءات من قبل المواطنين الإسرائيليين، ويتضح بأن هناك إجماع تام داخل قطاعات اليمين بضرورة طرد وترحيل الأجانب واللاجئين الأفارقة. (١٧) وعلى هذا الأساس، يعتمد الخطاب الدوغمائي لتيارات اليمين الإسرائيلي على منطق أيديولوجي، ولذلك فأن دخول اللاجئين الأجانب والأفارقة يتناقض مع أيديولوجية الحكم الإسرائيلي؛ بحيث أن المنطق الأيديولوجي الإسرائيلي يفتح باب الهجرة واللجوء لليهود فقط ويمنحهم مواطنة متساوية أمام القانون، أما فيما يتعلق بغير اليهود فالأمر مختلف، فهناك مطالبة جدية بالمحافظة على الهوية وثقافة الأغلبية اليهودية، وهناك تخوفات من ازدياد كثافة العمال الأجانب والمتسللين الأفارقة بشكل غير قانوني إلى البلاد مما قد يشكل تهديدا استراتيجيا وديموغرافيا على المجتمع اليهودي؛ بحيث يدور الحديث عن نسبة عالية من العمال ٧% من مجموع السكان والمقيمين غير الدائمين، ويظهر جليا الحرص ـ الأجانب تصل إلى ٥ على النقاء اليهودي والصهيوني في خطاب السياسيين الإسرائيليين، (١٨) فهناك توجهات للحفاظ على الحلم الصهيوني اليهودي بدون وجود أي عوامل وظواهر اجتماعية وسياسية تخالف هذه التوجهات.
وفي حين لا تتوقف الجهود لأخلاء الأفارقة وإخراجهم من البلاد تسعى حكومة "نتنياهو" لمعالجة هذه القضية عبر بناء جدار فصل عازل على الحدود المصرية يتوقع أن يمنع تسرب المتسللين إلى الأراضي الإسرائيلية بالإضافة إلى أقامة معسكرات للاعتقال تتسع لعشرات الكلاف، (١٩) وفي المقابل تعرضت السلطات الإسرائيلية لانتقادات لاذعة من الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي بسبب سياساتها تجاه اللاجئين وأشار التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية بأن انتهاك حقوق العاملين الأجانب هي ظاهرة منتشرة في إسرائيل وتطرق التقرير إلى الرفض الإسرائيلي فيما يتعلق بتعريف مكانة اللاجئين، ولا تعتبر المؤسسة الإسرائيلية الأفارقة لاجئين بالرغم من طلبات اللجوء السياسي التي قدمت إلى السلطات الإسرائيلية ووزارة الهجرة، ووفقا للقانون الدولي يمنع إعادة اللاجئين إلى الأراضي المنكوبة والتي تنتشر فيها الحروب الأهلية ورغم ذلك فهناك استعداد لإعادة اللاجئين إلى بلدانهم، وتمكنت سلطات الهجرة الإسرائيلية من أعادة بعض اللاجئين إلى بلدانهم.
٤. بين العنصرية ورهاب الاجانب
رغم إمكانية استخدام مصطلح العنصرية ورهاب الأجانب "الاكزنوفوبيا" بشكل مترادف إلا أنهما لا يتطابقان كليا في التعريف، فالعنصرية تنحصر في كره الكخرين بسبب عرقهم أو نسبهم، أما الإكزينوفوبيا فهي كره الكخرين فقط لأنهم أجانب أو غرباء عما ينتمي إليه الشخص الإكزينوفوبي من الاختلاف في الدين، الجنسية، المعتقدات، الأعراف، (٢٠) والمؤسسة الإسرائيلية في هذه الحالة تجمع بين التعريفين. وهناك أمران ضروريان بالنسبة لكراهية الأجانب؛ الأول هو مجموعة من السكان داخل هذا المجتمع الذي لا يعتبر جزءًا من ذلك المجتمع، وغالبًا ما تكون من المهاجرين، وكراهية الأجانب قد تكون موجهة ضد مجموعة وهو أمر كان حاضرًا طوال قرون. هذا الشكل من كراهية الأجانب يمكن أن ينتج عنه عدائية، مثل التهجير القسري لفئة من مجتمع، أو في أسوأ الأحوال، الإبادة الجماعية. أما الشكل الثاني لكراهية الأجانب هو في المقام الأول ثقافي، من خلال كراهية العناصر الثقافية التي ينتمي إليها الأجنبي وتعتبر غريبةً.
الرئيس الأمريكي في خطابه الأخير أمام الايباك قال "إن أمريكا والمؤسسة الإسرائيلية تتشاركان المبادئ والقيم ذاتها"، وهو صادق جدا في هذا التوصيف فمن القيم المشتركة بين الطرفين هو الجمع بين ممارسة العنصرية ورهاب الأجانب ضد المهاجرين، فتاريخ الأحياء السوداء المعدمة وكراهية السود في أمريكا تاريخ حافل كما أن الكراهية للإسلام والمسلمين وتجذر مصطلح الاسلاموفوبيا الذي هو شكل من أشكال العنصرية ضد المواطنين الأمريكان من المسلمين وشكل من أشكال رهاب الأجانب ضد المهاجرين المسلمين في هذا البلد. وهذه القيمة أيضا تشارك فيها المؤسسة الإسرائيلية التي تمارس نماذج متعددة من العنصرية ضد أبناء هذه البلاد الأصليين، وخصوصا أهل القدس والضفة الغربية، ومن اجل الإمعان في ممارسة سياسة العنصرية لجأت هذه المؤسسة إلى استجلاب عمالة أجنبية لكي تحل محل العمالة الفلسطينية فتولدت لها أزمة جديدة وهي الهجرة الأجنبية التي فاقمت من أزمة الديموغرافيا في إسرائيل وعليه عززت المؤسسة الإسرائيلية عنصريتها بكراهية الأجانب.
٥. الهجرة والهاجس الديموغرافي
الإستراتيجية في السياسة هي وضع الدول لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحتملة لتطورها ولشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية؛ أما بالنسبة لإسرائيل فهي تنفرد بشكل دائم بقضية "الوجود في حد ذاتها"، فالعالم مشغول بالنمو والتطور بينما تنشغل إسرائيل بالبقاء؛ ومن المؤكد أن عمق القلق على الوجود أكبر كثيرًا من عمق القلق على النمو والتطور، فيترتب على ذلك المبالغة إلى حد الإفراط في تضخيم نتائج أي تطور في الساحة الداخلية أو الإقليمية أو الدولية. (٢١) وعليه لقد شكل هاجس الديمغرافيا دافعا رئيسا لدى الساسة في إسرائيل من اجل الانفصال عن الجانب الفلسطيني في شتى مناحي الحياة انطلاقا من مرتكز الحفاظ على يهودية الدولة والعرق اليهودي. ومن هذا المنطلق لا يوجد شيء يوازي أهمية الموضوع الديمغرافي وموضوع الأمن في الحجج التي تقدمها إسرائيل لرفض القرارات الدولية، وعلى رأسها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. فالديمغرافيا ضمن وجهة نظر صهيونية، هي مسألة "وجودية" أي تتعلق بالدرجة الأولى بيهودية الدولة وهو المعيار الأول والأهم في موضوع الديمغرافيا.
وفي هذا الصدد، فإن جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحاول جاهدة المحافظة على الأغلبية اليهودية داخل إسرائيل، من خلال المحافظة على نسبة لا تقل عن % ٨٠ لصالح (٢٢) . اليهود، وهي نسبة جرت المحافظة عليها منذ العام ١٩٤٨ ومنذ عام ١٩٨٨ فتحت إسرائيل أبوابها للمهاجرين بقصد العمل وليحلوا محل العمالة الفلسطينية حيث منع دخولها إلى إسرائيل بعد اندلاع الانتفاضة الأولى واستمرت المؤسسة الإسرائيلية في سياسة الفصل العنصري فعززت العمالة الأجنبية على حساب العمالة الفلسطينية. وفي عقد التسعينات وصل إلى إسرائيل مئات الكلاف من مهاجري العمل من ٧٢ دولة وأزاحوا بالتدريج العمالة الفلسطينية خارج سوق العمل الإسرائيلي.
وفي عام ٢٠٠٢ بلغ عدد المهاجرين للعمل في إسرائيل ٢٤٠ ألف مهاجر شكلوا ما نسبته ٩.٤ في المائة من القوة العاملة في الاقتصاد الإسرائيلي. (٢٣) وهذه الهجرة المستمرة إلى يومنا هذا وتحاول المؤسسة الإسرائيلية منعها الكن بشتى الوسائل والطرق وقد أثرت على المؤسسة الإسرائيلية من عدة جوانب أهمها الجانب الاجتماعي، فمعظم المهاجرين يشقون طريقهم إلى تل أبيب حيث يقيمون في ملاجئ وفي الحدائق العامة وفي الشقق وعلى الأخص في المحطة المركزية الجديدة وجنوب تل أبيب، وهذه المنطقة مكتظة بالسكان وتتفش فيها الدعارة والمخدرات والقمار والجريمة، لذا من الطبيعي أن تضرب المؤسسة ناقوس الخطر من اجل معالجة هذه المسألة التي هي تسببت في خلقها بسبب محاربتها للعمالة الفلسطينية. (٢٤) هذا الاحتكاك بين المهاجرين واليهود أدى إلى حدوث تعزيز موجة الكراهية للأجانب وقد لعبت المؤسسة الإسرائيلية دورا هاما في تعزيز هذه الكراهية عبر التصريحات المحرضة لبعض الساسة في إسرائيل، عامل كخر ضاعف من موجة الكراهية ضد هؤلاء المهاجرين هو ازدياد نسبة الجريمة في الأماكن التي يقطنوها.
أما في الجانب الصحي، فقد أدت ظاهرة استجلاب العمالة الأجنبية وتفاقم الهجرة غير الشرعية إلى ظهور أمراض لم تكن موجودة داخل المؤسسة الإسرائيلية، (٢٥) ومن الجدير ذكره أن المهاجرين غير الشرعيين في "إسرائيل" لا يتلقوا أي نوع من الخدمات الصحية وذلك لسبب بسيط أنهم غير شرعيين ولا يمكنهم التسجيل والحصول على تامين صحي، (٢٦) وعليه تشير الإحصائيات إلى أن نصف المصابين بداء السل والايدز هم من هؤلاء المهاجرين.
الخلاصات:
١. إسرائيل تُعاني اليوم، ولسنوات قادمة من ظاهرة العمال الأجانب الذين سيشكلون خليطًا عِرقيًا وثقافيًا في "دولة تل أبيب" رمز الحداثة الإسرائيلية.
٢. العمال الأجانب سيهددون بشكل أكبر وأكثر كثافة النسيج الاجتماعي الإسرائيلي، وسيخلق هذا بدوره تداعيات على كافة المستويات.
٣. ستخضع "إسرائيل" رغمًا عنها للمنظومة الدولية وشبكة العلاقات المتعلقة بالعمالة الأجنبية وهو ما سيضعفها أكثر.
٤. المؤسسة الإسرائيلية هي التي جلبت العمال الأجانب، وستتحمل نتائج ذلك ولا يمكنها الفكاك من تداعيات هذه السياسة.
٥. طرد العمال الأفارقة تحديدًا هو نوع من أنواع العنصرية العِرقية ويكشف عن سوءة هذا المجتمع ومدى فضائحيته العنصرية، علمًا أنّ هؤلاء الأفارقة هي جزء من استحقاقات سياسية بين دولهم وإسرائيل في ظل شبكة المصالح الإسرائيلية في القارة الإفريقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
.١ خلف خلف، "محنة العمال الأجانب في إسرائيل"، مجلة إيلاف، العدد ٤٠٣٨ ، لندن، ٢١ مايو ٢٠٠١
.٢ جلعاد نتان، "أبناء العمال الأجانب وطالبي اللجوء في جهاز التربية والتعليم"، الكنيست؛ مركز البحث والمعلومات، ١٢ ديسمبر ٢٠١٢ ، ص ١،١٠
.٣ جلعاد نتان، "القضايا المتعلقة بالمتسللين وطالبي اللجوء الأفارقة"، الكنيست؛ مركز البحث والمعلومات، ٢١ نوفمبر٢٠١٠ ، ص ١،١٠
.٤ حسن مواسي، "العمال الأجانب في إسرائيل؛ بين محنة الطرد وسندان الاستغلال"، المستقبل، العدد ٢٠٧٦ ، تموز ٢٠١٠
.٥ المصدر السابق.
.٦ جمعية عنوان للعامل ـ קו לעובד - جمعية تأسست عام ١٩٩١ للدفاع عن حقوق العمال المستضعفين في سوق العمل الإسرائيلية، وتهتم الجمعية بحقوق العمال المهاجرين وبحقوق العمال الفلسطينيين وسائر العمال من ذوي الدخل المنخفض، وتوفر الجمعية استشارات قانونية والتمثيل في المحاكم وتسعى لتغيير القوانين المجحفة بحق العمال. http://www.kavlaoved.org.il/about_ar.html
.٧ هناك إحصائيات مختلفة حول عدد العمال الأجانب الأفارقة بعضها يشير إلى وجود ٥٠ ألف وبعضها يشير إلى أقل من ٣٠ ألف، وليست هناك معلومات دقيقة حول العدد الحقيقي للمهاجرين الأفارقة.
.٨ يديعوت احرونوت، ١٠.٦.٢٠١٢
.٩ موقع وزارة الهجرة. http://www.piba.gov.il/SpokesmanshipMessagess/Pages/Sudan_١٠٢١٢.aspx
.١٠ عمري أفراغيم واهوفاه ماموس، "حملة ضخمة، عشرات من الأجانب معتقلين في ايلات"، يديعوت أحرونوت.١١.٦.٢٠١٢
.١١ "العمال الأجانب في إسرائيل؛ بين محنة الطرد وسندان الاستغلال"، مصدر سبق ذكره.
.١٢ ايلي يشاي - عضو كنيست إسرائيلي وزعيم حركة "شاس"، وهي حركة دينية حريدية تمثل حزب الشرقيين المحافظين على التوراة "سفاراديم".
.١٣ عمري افرايم، افيئال مغزيني، "المحكمة توافق؛ ممكن طرد مواطني جنوب السودان"، يديعوت احرونوت، ٧.٦.٢٠١٢
.١٤ دانا فيلر فوك، يهونتان ليس، " ٤٥ مهاجر من جنوب السودان اعتقلوا في ايلات وتل أبيب"، هارتس، ١١.٦.٢٠١٢
.١٥ جلي كوهن، "مركز الاحتجاز الجديد "مدينة الشعوب"؛ الكلاف من المهاجرين يعيشون في حاويات النقب "، هارتس،.١٢.٦.٢٠١٢
.١٦ المصدر السابق.
.١٧ رونن فودلينغر، " الدولة ليست هنا، يلا فوضى"، ماكو، ١٣.٤.٢٠١١
.١٨ " يشاي؛ طرد المتسللين أو التخلي عن الصهيونية"، معاريف، ١١.٦.٢١٢
.١٩ "تقرير خاص؛ تحذيرات من ارتكاب جرائم قتل بحق اللاجئين الأفارقة في إسرائيل بات مسألة وقت"، المشهد. الإسرائيلي، مدار؛ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،٢٧.٥.٢٠١٢
.٢٠ الموسوعة الحرة، تعريف رهاب الأجانب.
.٢١ وليد عبد الحي، التحديات الإستراتيجية للفكر الصهيوني، مركز الجزيرة للدراسات، 26/2/2012
.٢٢ ٢٠٠٦/١/١٦ ،pnanet جمال البابا،"الهاجس الديمغرافي في اسرائيل"، الموقع الالكتروني
.٢٣ مركز ناطور للدراسات والأبحاث، إسرائيل تتخذ إجراءات للحد من حركة لجوء وتسلل الأفارقة إليها، 26/2/2012
.٢٤ المصدر السابق.
.٢٥ المصدر السابق.
.٢٦ جلعاد نتان، "القضايا المتعلقة بالمتسللين وطالبي اللجوء الأفارقة"، الكنيست؛ مركز البحث والمعلومات، ٢١ نوفمبر.١- ٢٠١٠ ، ص ١٠
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018