ارشيف من :أخبار لبنانية

دعوة لفك الارتباط بين المعاهدة والتواطؤ

دعوة لفك الارتباط بين المعاهدة والتواطؤ
فهمي هويدي ـ "السفير"

بعد الثورة المصرية ينبغي أن نفرق بين معاهدة السلام مع إسرائيل وبين الشراكة والتواطؤ معها ضد الفلسطينيين، فنفهم الأولى بحكم الضرورة، ونعتبر الثانية عاراً يتعين التبرؤ منه.
ـ 1ـ
الملاحظة من وحي زيارة السيد اسماعيل هنية، رئيس الوزراء المنتخب في غزة للقاهرة واستقباله فيها رسمياً لأول مرة، بعدما ظل محظوراً على أي مسؤول حكومي في مصر طوال الثلاثين سنة الماضية أن يلتقي احداً من وزراء حكومة غزة، وخلال تلك الفترة كان ملف قطاع غزة خارج السياسة وتابعاً للأمن. إذ كان القرار الاسرائيلي والاميركي الذي التزمت به مصر أن معارضي اتفاقية السلام من الفلسطينيين ينبغي نبذهم وإقصاءهم، على الرغم من أن الاسرائيليين الذين عارضوا المعاهدة ومزقها احدهم في «الكنيست»، كانوا ممثلين في الحكومة والبرلمان.


ولم يكن الأمر مقصوراً على مصر وإنما ظل ممنوعاً على المسؤولين في حكومة غزة، أو في حركتي «حماس» و«الجهاد»، أن يدخلوا بعض الأقطار العربية. وحين زار هؤلاء تونس والمغرب خلال الاسابيع الماضية مدعوّين الى مؤتمري الحزبين الحاكمين في البلدين، فقد كانت تلك سابقة تحدث لأول مرة، في حين أن السياح الإسرائيليين كانوا يترددون على شواطئ وملاهي البلدين طوال العقود الثلاثة الماضية.


التواطؤ قرائنه عديدة، وما تسرب من معلومات عن تنسيق امني بين البلدين «شاهد ملك» على ذلك. وكان الاستاذ محمد حسنين هيكل من دعا صراحة الى وقف ذلك التنسيق الأمني بين مصر واسرائيل، الذي لم يكن موجهاً ضد الفلسطينيين فحسب، ولكنه كان أهم مصدر للمعلومات المتعلقة بالعالم العربي، والكلام للاستاذ هيكل الذي اعلنه في حوار تلفزيوني جرى بثه في القاهرة على قناة الحياة بتاريخ 21/5 الماضي.
ولأن الملف الفلسطيني ظل أمنياً بالدرجة الأولى في مصر، فإن اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة طوال العشرين سنة التي خلت، كان مهندس التنسيق مع الاسرائيليين. وقد سبق أن اشرت الى الشهادات الإسرائيلية التي تحدثت عن دوره في اجتياح غزة وحصارها.
ـ2ـ
خلال السنوات الماضية، بل منذ عصر السادات الذي وقع معاهدة السلام مع اسرائيل، جرى الترويج لأمرين، أولهما أن العدو هو إيران وليس اسرائيل، والثاني أن الفلسطينيين لا يضمرون خيراً لمصر، ويرغبون في التمدد في شبه جزيرة سيناء.
كنت افهم أن تلح اسرائيل على إقناع المصريين بأنه بعد معاهدة «السلام»، لم تعد لها مشكلة معهم، وأن مشكلتهم صارت مع إيران الشيعية والطامعة في الخليج. لكنني لم افهم أن يردد الإعلام المصري هذا الكلام رغم انه لا توجد مشكلة حقيقية بين مصر وإيران. ورغم ان المشكلة الحقيقية التي تهدد امن مصر القومي، هي ما تمثله اسرائيل في المنطقة، ولكن مقتضيات الشراكة والتواطؤ أيضاً اقحمت مصر في المعسكر المخاصم لإيران، حتى كانت القاهرة في الثمانينيات مقراً لاثنتين من الاذاعات الموجهة ضد الثورة الإسلامية، وظلت مصر عضواً في معسكر الخصومة مع إيران التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جميع دول العالم، في حين قاطعتها ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر، وفى حين أقامت دول الخليج جميعها علاقات دبلوماسية كاملة مع ايران التي يفترض انها طامعة في اراضيها، فإن مصر لم يسمح لها بذلك، برغم انه لا توجد ازمة أطماع لإيران فيها.
توتير العلاقة مع الفلسطينيين بعد «معاهدة السلام» لا تخلو من مفارقة، كأن المعاهدة حولت الأعداء الى اصدقاء والأشقاء إلى اعداء، وقد بات ميسوراً على الافواج الاسرائيلية أن تزور مصر التي يدخلها الاميركيون بلا تأشيرة، أما دخول الفلسطينيين فهو بمثابة رحلة عذاب كثيراً ما تنتهي بالفشل وخيبة الامل. وما يحدث في معبر رفح يجسد تلك المعاناة التي لا تفسر الا بكونها من اصداء الشراكة والتواطؤ مع الاسرائيليين التي لا علاقة لها باستحقاقات «معاهدة السلام».


في هذا السياق يروج البعض لشائعة رغبة الفلسطينيين في التمدد في سيناء، وهو ما يدهش النخبة الفلسطينية التي تعتبر أن الاسرائيليين هم من اطلقوا الشائعة وسعوا الى الترويج لها، وهو ما علق عليه الباحث والقيادي الفلسطيني عبدالقادر ياسين بقوله إن سيناء كانت تحت الاحتلال الاسرائيلي طوال عشرين عاما، ولو كانت لدى الفلسطينيين فكرة للتمدد في اراضيها لكانت تلك فرصتهم التاريخية التي لا شك أن الاسرائيليين كانوا سيرحبون بها، لكنهم لم يفعلوها، وأضاف إن اهل غزة حين اجتازوا الحدود في العام 2008 ودخلوا الى رفح والعريش، فإنهم لجأوا الى ذلك ضيقاً بالحصار وسعياً لتوفير احتياجاتهم، ولم يخطر على بالهم شيء اكثر من ذلك، بدليل انهم استوفوا حاجياتهم ثم عادوا ثانية الى القطاع.


لم يعد سراً أن بعض الابواق الاعلامية والجهات الامنية ضالعة في حملة تشويه الفلسطينيين والإيقاع بينهم وبين جماهير الشعب المصري. فقد نشرت الصحف المصرية قبل اسابيع قليلة انه تم إلقاء القبض على 13 «إرهابياً» من «حماس» تسللوا الى مصر لإحداث اضطرابات فيها، وحقيقة الامر أن هؤلاء كانوا مجموعة من الفلسطينيين الذين انتهت مدة إقامتهم في مصر، فقفلوا راجعين الى غزة، وعند منطقة كوبري «الفردان» ألقي القبض عليهم، وأودعوا احد السجون. وبعد 18 يوماً اطلق سراحهم بعدما تبين ان لا علاقة لهم بـ«حماس» وان بعضهم من أعضاء حركة «فتح». وهو ما يثير أكثر من سؤال حول الهدف من تسريب الخبر بالصورة التي نشر بها واتهامهم بأنهم «إرهابيون»، تماما كما تتحدث الصحف الاسرائيلية عن الفلسطينيين.
تتصل بذلك الشائعات غير البريئة التي تحدثت عن مساهمة عناصر من «حماس» في التظاهرات التي انطلقت بعد الثورة واشتراكهم في قتل بعض المتظاهرين، وهي الأكذوبة التي اطلقها بعض مسؤولي الامن للإيحاء بأن عناصر خارجية هي التي أشعلت الموقف وتسببت في قتل المتظاهرين لتبرئة ساحة الشرطة وقناصتها.
كثيرة هي القرائن الدالة على تعميق الفجوة بين المصريين والفلسطينيين وإشاعة ثقافة الحساسية ازاءهم والنفور منهم، لكي يصب ذلك في صالح زيادة رصيد «الاصدقاء» الاسرائيليين.
ـ 3ـ
معهم حق الاسرائيليون حين وصفوا الرئيس السابق بأنه «كنز استراتيجي» لهم. ذلك انه في ظل معاهدة السلام ألحقت مصر بالقاطرة الاسرائيلية، ووقفت ضد المقاومة وتعاملت مع الفلسطينيين بدرجات مختلفة من الاستياء والنفور. وصارت في نهاية المطاف ظهيراً للإسرائيليين بأكثر منها عوناً للفلسطينيين. في مقابل ذلك استعلى الإسرائيليون وضربوا بالمعاهدة وكل اتفاقات السلام عرض الحائط. وكان ذلك أوضح ما يكون في أمرين هما:
[ اندفعت إسرائيل منذ العام 2002 في بناء سور الفصل العنصري الذي يبتلع نحو 25٪ من أراضى الضفة الغربية. وسارعت في تنفيذ المشروعات الاستيطانية حتى بلغ عدد المستوطنين في الضفة ـ عدا شرقي القدس ـ نحو 343 ألف مستوطن. أما في شرقي القدس فهناك 200 ألف مستوطن.
وحسب التقرير الاستراتيجي الفلسطيني للعام 2011 فإنه خلال ذلك العام وحده كانت هناك 3500 وحدة استيطانية في طور البناء أو تحت التشييد، كما أقيمت 142 مستعمرة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية. وسجل التقرير أنه خلال ذلك العام تم هدم 200 مسكن وتهديد أكثر من 500 مسكن آخر بالهدم في الضفة الغربية. وبلغت مساحة الأراضي المعتدى عليها بالمصادرة نحو 11 ألف دونم إضافة إلى تجريف وحرق وتخريب ما يزيد على 2000 دونم أخرى، كما تم الإضرار بما يزيد على 20 ألف شجرة، 50٪ منها تم اقتلاعها أو حرقها بالكامل. إلى غير ذلك من التفاصيل التي ترسم صورة بشعة للعربدة ونهم الاستيطان والتهويد ومحو كل أثر للفلسطينيين على أرض بلادهم.


[ أجهضت إسرائيل مشروع حل الدولتين الذي تم تخدير العرب به منذ العام 1988 حين أعلنت القيادة الفلسطينية انحيازها الاستراتيجي إلى جانبه. الأمر الذي يعنى نسف فكرة الدولة الفلسطينية التي ما زالت تدغدغ مشاعر الجميع، ويلوح بها في مختلف المحافل الدولية. في هذا المعنى نشرت مجلة «فورين بوليسي» عدد 12/7/2012 مقالا لها للبروفيسور ستيفن م. والت أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، دلل فيه على أن حلم الدولة الفلسطينية صار بعيد المنال، ونقل عن عكيف إلدار المحرر الرئيسي لصحيفة «هاآرتس» قوله إن حل الدولتين في أفضل أحواله أصبح في غرفة الإنعاش، ومن غير المرجح أن يخرج منها يوما ما. كما نقل كلاما أكثر صراحة على لسان مساعد نتنياهو السابق مايكل فروند قال فيه «إن الخط الأخضر ـ حدود ما قبل 1968 التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية الموعودة، مات ودفن ولم يعد له أي معنى سياسي أو غيره». أضاف إن الشعب الإسرائيلي وجد في يهودا والسامرة «الضفة الغربية» لكي يبقى. وعلق البرفيسور والت على ذلك بقوله إن ما يجرى الآن في الأرض المحتلة هو تطهير عرقي. وبدلا من أن يتم طرد الفلسطينيين بالقوة على غرار ما جرى العام 1948، فالسياسة المتبعة الآن هي مواصلة الضغط على الفلسطينيين ليصبح استمرارهم مستحيلا في بلادهم، الأمر الذي يضطرهم إلى المغادرة تدريجياً برضاهم.
(4)
لسنا في وارد الحديث عن معاهدة السلام الآن. التي نعلم أن استمرارها يشكل محور وجوهر السياسة الأميركية، فضلا عن أن فتح ذلك الملف يتطلب توافر شروط معينة في موازين قوة أطراف المعاهدة، وتلك الشروط ليست متوفرة في الوقت الراهن.
لكن دول الربيع العربي وفى مقدمتها مصر مطالبة بأن تنتهج سياسة تجاه إسرائيل مغايرة لتلك التي اتبعتها الأنظمة التي أسقطتها. فكرامتها الوطنية التي استردتها تفرض عليها أن تخرج من نادي الشراكة والتواطؤ مع إسرائيل ضد الفلسطينيين. كما أن تلك الدول مدعوة لأن تعيد النظر في نهج التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم أشقاء لهم الحق في الكرامة والاحترام. إلا أن الدكتور موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» يذهب إلى أبعد، حيث يطالب دول الربيع العربي بوضع نظرية جديدة للتعامل مع إسرائيل بعد انهيار مشروع التسوية السياسية باعتراف الرئيس محمود عباس، وبعد إجهاض مشروع الدولتين كما اعترف بذلك الإسرائيليون. الأمر الذي يستدعي سحب المبادرة العربية التي أعلنتها القمة العربية في بيروت العام 2002. وإذا أضفنا إلى ذلك سقوط فكرة محور الاعتدال الذي كان النظام المصري السابق بمثابة الرافعة الأساسية له، فإن هذه الخلفية تستدعي إعادة النظر فيما تبقى من خيارات شريفة لمواجهة الاحتلال، تنتزع الحق وتحفظ الكرامة وتصحح أخطاء التاريخ.

كاتب سياسي ـ مصر

2012-07-31