ارشيف من :أخبار لبنانية

نصرالله يتبنى استراتيجية اثنين من كبار القادة السنة فيُحرج الحريري ويُعرّي 14 اذار

نصرالله يتبنى استراتيجية اثنين من كبار القادة السنة فيُحرج الحريري ويُعرّي 14 اذار

ابراهيم ناصرالدين - صحيفة "الديار"



... ونزل الشيخ احمد الاسير من فوق «الشجرة» فرحا مع انصاره بفك اعتصام لن يبقى في ذاكرة احد بعد ان فشل منفذه ومن خلفه في ترك اي بصمة تذكر في السياق الجدي للعمل السياسي في لبنان، والمفارقة المضحكة المبكية الدالة على خواء من قام بهذا التحرك هو الاحتفال واطلاق المفرقعات النارية في صيدا من قبل انصار الاسير احتفاء بخطوته هذه، وغير الفرحة العودة الى المنزل لم يعلم احد حتى الان السبب الحقيقي لهذه الغبطة، فهذا التحرك لم يحقق اي من اهدافه المعلنة وغير المعلنة، والاهم من ذلك تزامن توقيت البدء برفع الاعتصام مع خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في افطار هيئة دعم المقاومة، وثمة من سئل الاسير ومن معه عن اسباب هذا الفرح العامر، خصوصا ان السيد نصرالله لم يعلن البدء بتفريغ مخازن الاسلحة تمهيدا لتسليمها الى الدولة،بل وعلى العكس من ذلك يمكن الاستنتاج من فحوى خطابه ان مفردة «بلطوا البحر» هي المختصر المفيد لكلامه، وهي المفردة الاكثر ملائمة للرد على كل الواهمين الحالمين برؤية هذا اليوم.

وبعيدا عن «خفة الظاهرة الاسيرية، ترى اوساط سياسية متابعة لملف الحوار الوطني ان السيد نصرالله رسم في خطابه الاخير الخطوط العريضة العامة لموقف المقاومة من اي حوار جدي حول الاستراتيجية الدفاعية، وهو في الشكل نجح في توسيع دائرة المشاركة في طاولة الحوار، واختار مناقشة هذا الملف على الهواء مباشرة مشركا مختلف شرائح الرأي العام اللبناني في نقاش كان وما يزال عقيما داخل الغرف المغلقة في بعبدا،وهو بذلك اراد قطع الطريق على تذاكي قوى 14 اذار التي توهم انصارها قبل الخصوم بالكثير من الامور غير القابلة للتحقق وتستخدم شعارات زائفة حول هيمنة السلاح وامرة الدولة وغيرها من المفردات المملة التي تجاوزتها الاحداث والوقائع.

ولعل الرسالة الاكثر وضوحا في كلام السيد نصرالله كانت في افهام الفريق الاخر بان نجاح او فشل محاولاته لاحراج حزب الله لاخراجه من الحوار لن تنجح طالما لا يريد الحزب ذلك مهما كانت الوسائل المستخدمة تضج بالحنكة والذكاء، ولذلك من يسعى لدفع الحزب للاعلان عن رفضه للحوار كمقدمة لفتح الباب امام حملات ضد «حزب السلاح» الذي يرفض التحاور مع شركائه في الوطن،لن يحقق مبتغاه بعد ان قدم السيد الخطوط العريضة لاستراتيجيته الدفاعية امام الشعب اللبناني مبديا الانفتاح على مناقشتها، وبالتالي افهم الجميع ان لا خوف لديه من الجلوس على الطاولة لان ما سيقوله هناك قاله على الهواء مباشرة، أما عملية الابتزاز المفضوحة من قبل المعارضة ووضع شروط «لا ناقة لها ولا جمل» بالحوار فقصة اخرى انطلق منها السيد ليوجه رسالة مباشرة الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي لوقف الاندفاعة «غير المفهومة» لتلبية شروط قوى 14 اذار والكلام العلني جاء بعض نقاشات مستفيضة حول هذا التهيب من قبل الدولة لمواقف تلك القوى المعنية باظهار ضعف الحكومة تمهيدا لاسقاطها، والرسالة العلنية واضحة للغاية وهي تهدف الى فرملة التنازلات من قبل الدولة ولذلك قال السيد انه اذا اردتم تلبية تلك الشروط» فان القوى الاخرى ستعتبرها سابقة سيبنى عليها، ومن استجاب لمطالب فريق مضطر في مرحلة لاحقة للاستجابة لمطالب الفريق الاخر.

وبراي تلك الاوساط فان قيادة حزب الله وعبر السيد نصرالله ارادت اختصار الوقت وتقديم الخلاصة النهائية للموقف من ملف سلاح المقاومة، وعندما شدد على عدم مقاطعة هذا الحوار رغم معرفة الحزب ان ما تضمره القوى الاخرى هو الرغبة في نزع سلاح المقاومة وليس مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، اراد افهام من يعنيهم الامر انه اذا اردتم مناقشة الوسائل الفضلى للدفاع عن لبنان «فاهلا وسهلا»، والنقاش سيؤدي حتما الى نتائج تؤمن الحماية والاستقرار للبنان، وحزب الله منفتح على اي استراتيجية قادرة على توفير المقومات الدفاعية اللازمة لاتمام تلك المهمة،اما اذا اردتم البحث في كيفية نزع سلاح المقاومة،فايضا «اهلا وسهلا»، ولكن النتيجة محسومة من اليوم وعلى الهواء مباشرة،هذا الامر هو مطلب اميركي اسرائيلي، وبعيدا عن خلفيات وارتباطات من يتبناه من القيادات اللبنانية، فهذا الامر لن يتحقق، ووحده «المغفل» هو من يظن ان المقاومة يمكن ان تقدم «رأسها على طبق من فضة لخصومها في الداخل ولاعدائها في الخارج.

وتشير تلك الاوساط الى ان المشكلة الرئيسية لدى فريق 14 اذار انه يبني استراتيجيته على اوهام لا علاقة لها بالواقع، فهذا الفريق وبعد سقوط الرهانات المتتالية على الحروب الاسرائيلية لاضعاف المقاومة، يراهن على عامل الوقت مجددا، وهذه المرة الرهان كبير على سقوط النظام السوري وتداعياته على حزب الله،وهو في الفترة الفاصلة عن ذلك «السقوط المدوي» يسعى الى نزع الشرعية الداخلية عن الحزب وسلاحه، من خلال اظهاره سلاحا ميليشياويا ومذهبيا وليس وطنيا، وكل ذلك بانتظار تلك اللحظة المنتظرة التي تحولت الى عادة سنوية تتجدد مع اقتراب الاعياد، وحتى الان لا توجد مؤشرات على ذلك،وحتى مع افتراض حصول هذا الامر فان نتائجه اللبنانية غير محسومة،ولكن الثابتة الوحيدة هي ان جميع حسابات قوى 14 اذار السابقة لم تكن دقيقة ودفعت اثمانا باهظة يبدو انها ستتدفعها مجددا نتيجة عدم الاستفادة من دروس الماضي.

وما يغيب أيضا عن ذهن هذا الفريق ان المقاومة لا تبحث عن شرعيتها من خلال اعترافهم بدورها او من خلال نيل «صك» البراءة منهم، فهذا الاجماع الذي لم يكن موجودا في يوم من الايام، لا تبحث عنه المقاومة ولا يؤرقها عدم وجوده، وفي ظل اختلال المفاهيم الوطنية عند الكثيرين تستمد المقاومة شرعيتها من فريق وازن من اللبنانيين، كما تستمد شرعيتها من قوتها وسطوتها التي تمنع الفريق الاخر من تحويل «تنظيراته» الى افعال.

وانطلاق مما تقدم ترى تلك الاوساط ان السيد نصرالله لم يكن معنيا في خطابه بتظهير من يؤيد المقاومة ومن يقف ضدها لابراز حجم الاجماع الوطني حولها، ولكنه اراد تعرية مواقف خصومه المتمترسين وراء شعارات مذهبية وطائفية غير صحيحة للاجهار بعدائهم للمقاومة بينما الموقف الحقيقي منبته ارتباطات بمشاريع خارجية لا علاقة لها بالهوية المذهبية او الطائفية، ولذلك تقصد حشر تيار المستقبل في «الزاوية» وتقصد احراج الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري عبر تذكيره باستراتيجية والده الشهيد رفيق الحريري ورؤيته لمستقبل المقاومة،كما انه تبنى علنا استراتيجية الرئيس سليم الحص الدفاعية، وهو بذلك يقول ان حزب الله المتهم بشيعيته يقبل باستراتيجية دفاعية وضع اسسها اثنان من كبار رجالات اهل السنة في لبنان وليس لديه اي عقدة في ذلك، اما الاخرين فوضعهم السيد امام عدة خيارات فاما عليهم ان يطعنوا بوطنية هذين الرجلين،ومن يمتلك الجرأة فليفعل،واما ان يتبنوا تلك الاستراتيجية وتبحث التفاصيل على طاولة الحوار، اوان يقدموا بديلا منطقيا وواقعيا يؤمن معادلة توازن الرعب القائمة حاليا،واذا لم يقتنعوا بتلك الخيارات يمكنهم الاستمرار بالثرثرة غير المجدية وغير المؤثرة،وفي هذا الوقت المقاومة لا تنتظر ان يحسموا خياراتهم، فهي تواصل العمل ليل نهار وفق استراتيجية دفاعية اثبتت التجربة نجاحها وهي تحضر لاستراتيجية تحريرية لما تبقى من مناطق لبنانية محتلة. ويبقى سؤال منطقي اجابته لا تحتاج الى كثير من التفكير حول مصلحة حزب الله في اغتيال رجل مثل رفيق الحريري زايد يوما على السيد نصرالله عندما كان مصير سلاح المقاومة مطروحا للنقاش؟




2012-08-03