ارشيف من :أخبار لبنانية
معركة حلب : الدولة ضمنت النتائج لكن لماذا اختلفت عن دمشق؟
العميد.د. أمين حطيط-"البناء"
بات من المؤكد ان معركة حلب ستنتهي في غير صالح محور العدوان على سوريا رغم كا ما سخر لها من وسائل و رغم ما حشد لها من طاقات و عول عليها من اهداف ، و قبل ان نعرض لاهم الاسباب التي حددت الان مسار المعركة و نتائجها ، لا بد ان نذكر بحجم الهجوم و و سائله لنخلص الى مفاعيل الخسارة على اطراف جبهة العدوان و مكوناتها .
فمن حيث الوسائل ، نعلم ان قيادة العدوان حشدت اكثر من 12 الف مسلح من جنسيات سورية و عربية و اسلامية و خصصت المعركة بخبراء من الحلف الاطلسي تولوا مهامهم في دائرتين ، ميدانية مباشرة عبر الاشراف على المسلحين و توجيه النصح لهم في عملياتهم الارهابية ، ومركزية تتولى تخطيط و قيادة العملية عبر غرفة عمليات احدثت في تركيا – اضنة – على الحدود مع سوريا لضبط مسارها و استثمار النجاح ان تحقق و معالجة الاخفاق ان امكن. و قد زودت القوى المهاجمة بالاسلحة و الذخائر و التجهيزات الحديثة التي تعطيها دفعا معنويا فضلاً عن رفع المستوى القتالي لديها ، عمل ترافق مع حرب نفسية مكثفة ضد الشعب السوري و جيشه و حكومته .
أ. وضعت خطة الانقضاض على حلب باحكام ، و قدر واضعها حتمية النجاح الذي يتحقق برأيه بعد ان يتمكن المهاجمون من الوصول الى نصف المدينة على الاقل في القفزة الاولى ، ثم التمدد الى معظم احياء المدينة و السيطرة على المقرات الرسمية في خطوة ثانية لا تتجاوز في مهلتها مع الاولى ال 5 ايام كحد اقصى ، و قد عولت القوى المهاجمة على اكثر من عامل مؤثر في المواجهة لصالحها كما اعنقدت ، و تحديدا على :
1) قرب حلب من الحدود التركية و تواجد المسلحين بكثاقة في ريفها ما يجعل طرق الامداد مفتوحة و آمنة و يمكن من تعزيز المعركة بما تحتاجه من عديد و سلاح و عتاد .
2) انشغال القوى المسلحة السورية المختصة في اماكن اخرى ،خاصة انشغالها في معركة دمشق بشكل اساسي كما و في متابعة الوضع في مناطق حمص و درعا ، مع تصور لدى المعتدين بانه لن يكون بمقدور الدولة و في مهلة الايام الخمسة المحددة ان تحشد ما هو مطلوب من قوى للدفاع عن حلب او منع اجتياحها من قبل "جيش الارهاب الاميركي الحر" الذي انضوى في صفوفه كما بات معلوما مرتزقة و مضللون و مجرمون من مختلف الجنسيات . و قد راهنت تلك القوى المعتدية على هذا الانشغال لانها لاحظت ان الوحدات القتالية السورية المعدة للدفاع عن سوريا بوجه اسرائيل لم تحرك و لم يلجأ اليها رغم كل الضغوط لان الدولة حسمت امرها في ان لا تقع في فخ المعتدي و و تكشف نفسها امام اسرائيل كما اراد المعتدون .
3) دوافع الثأر و خوف جزء من المسلحين من المستقبل ما يدفعهم للقتال بذهنية قتال المستميت الذي لا يرى بدا من وجوب الانتصار ، ذهنية تحكمت بالمقاتل الارهابي في الميدان و حكمت سلوك قيادته الميدانية و الابعد قليلاً ايضاً .
ب. كما ان المهاجم لحظ الفوارق الاخرى بين معركة دمشق و معركة حلب ، تلك الفوارق التي تمكن من التفلت من نقاط قوة الدولة في المعركة الاولى و تفاديها في المعركة الثانية خاصة لجهة :
1) حضور القوى اللازمة و جهوزها في دمشق ما مكنها من المبادرة الى معالجة الموقف دون ان تهدر دقيقة انتظار في التحشيد او وضع الخطة او اتخاذ القرار ، و ما ان حصل الهجوم حتى حصل الرد السريع ما سبب الصدمة و الانهيار الادراكي لدى قسم كبير من المسلحين .
2) تنفيذ العملية العسكرية الدفاعية عن دمشق تحت تأثير الزخم النفسي و المعنوي للقوى المسلحة نتيجة العملية الارهابية التي ادت الى استشهاد اربعة من كبار الاعضاء في خلية الازمة .
3) الواقع الجغرافي للاحياء التي تم الدخول اليها من قبل المسلحين ، و هو واقع لم يمنح لهم فرص الاستفادة من خصائص حرب الشوارع و القتال في المناطق الاهلة ، و مكن الجيش من استعمال قدراته العسكرية دون خطر او حذر شديد من الحاق الاذى بالمدنيين الابرياء . و لاجل ذلك اتجه المسلحون في حلب الى اختيار الاحياء القديمة و التاريخية و اتخاذ المواطنيين دروعا بشرية لعرقلة عمل الدولة بالصيغة و الخطة التي طبقت في دمشق .
ج. لكن رغم كل ما حشد المعتدي ، و رغم كل الاحتياطات و الاستفادة من دروس معركة دمشق ، يبدو ان معركة حلب باتت محسومة لصالح الدولة من حيث نتائجها ، لكنها تنطوي على امرين لا يمكن اغفالهما ، و هما الوقت اللازم لانهائها و الثاني الثمن و الكلفة اللازمة لانجازها .
فمن حيث الوقت بات من المؤكد ان الدولة لن تقع في فخ نصبه المعتدي في حلب ، و هي لن تعتمد في اي حال استراتيجية "قبضة النار المدمرة "– و الدولة تملك من القدرات العسكرية المناسبة لهذه الاستراتيجية – و هي سياسة اذا اعتمدت تسرع في حسم الموقف لكنها تسبب في خسائر فادحة بالانفس و الاموال ، و لذلك لجأت الدولة الى" استراتيجية الاحتواء و القضم المتدرج" و المعالجة الموضعية لكل خلية ارهابية تظهر دون ان تمس المواطنيين المحاصرين بنار الارهابيين .
اما من حيث الثمن فلا يمكن التغافل عن حجمه في وجهيه ، البشري و ما يمكن ان يقع من خسائر في صفوف العسكريين و كذلك بعض المدنيين ، و خسائر اقتصادية و مالية من جراء العمليات العسكرية و الاضطرار الى وقف الدورة الاقتصادية في محيط ميدان العمليات .
لكن و كما قلنا فان النتائج في حلب باتت محسومة لصالح الدولة بالاستناد الى مجريات المعركة القائمة ، فضلاً عن عوامل ظهرت و طبعت هوية المعركة في حلب يمكن ذكر بعضها كالتلي :
1) تمكن القوى التي كانت متمركزة في حلب و محيطها من استيعاب القفزة الاولى للمسلحين و وقفهم عند مساحة لا تتجاوز سدس المدينة ( 5 احياء من اصل 29 حياً ) ، ثم قيامها بعملية الاحتواء الاولي بانتظار التعزيز و التحشيد اللازم للمعركة الحاسمة .
2) قدرات القيادة السورية على تعزيز و تحشيد القوى في حلب بوحدات قتالية مختصة تتميز بالليونة و المرونة اللازمة للقتال وفقاً لاستراتيجية القضم المتدرج ، مع توفر طاقات معتبرة للاسناد الناري المركز و الموضعي .
3) انخراط فئات الشعب في حلب بصيغة او اخرى في العملية الدفاعية عن المدينة ، سلوك ادى الى اظهار المهاجم بمثابة المعتدي الآتي لاحتلال المنطقة ، فكانت ردة الفعل الشعبية رائعة هنا لجهة حرمان الارهابيين من البيئة الحاضنة لهم رغم كل ما قاموا به من ترغيب و ترهيب ، طبعا لا يمكن ان نغفل وجود فئات تعاونت مع المسلحين في بعض الاماكن و لكنها تبقى شرائح محدودة الاثر و الفعالية و الحجم.
4) التفاوت في المستوى القتالي بين القوى الارهابية المقتحمة ، و القوى العسكرية السورية المدافعة ، و هو واقع قاد قيادة محور العدوان للتحذير من مجزرة قد تقع بهؤلاء في معركة غير متكافئة مع القوى النظامية التي لن تسمح باي حال من الاحوال من بقاء الارهابيين في اماكن تواجدهم في حلب .
هذه الحقائق رسمت مسار معركة حلب و نتائجها ، و بات الارهابيون يدركون عجزهم عن اسثمار وجودهم في حلب لتحويله الى سيطرة ، وباتت قيادتهم تعلم استحالة ذلك ما حملها على اعتماد نهج جديد في العدوان و هو الميل الى المناورة التأخيرية من اجل كسب الوقت و منع الانهيار السريع ، في حين ان الحكومة السورية تملك من الطاقات و العزم على تطهير المدينة من الارهاب ما يكفي وان المسألة مسألة وقت فقط ، و ان اعتماد الدولة لاستراتيجتين مختلفتين لكل من دمشق وحلب ليس الا دليلاً على مدى الاحتراف و االحرص الذي تبديه ، حيث تكون السرعة من غير تسرع حيث يجب ، و يكن التمهل من غير اهمال حيث يفرض الحال .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018