ارشيف من :ترجمات ودراسات
في "اسرائيل" فهموا.. الولايات المتحدة فقط يمكنها إيقاف إيران
"تتعزز الثقة لدى صنّاع القرارات بنيّات الولايات المتحدة إيقاف البرنامج النووي الإيراني. وفي الوقت الذي ستجتاز فيها طهران "الخط الأحمر" الذي وضعته واشنطن فهي سوف تستخدم خطة من شأنها تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، بينما يمكن لإسرائيل تأخيره فقط. لدى الولايات المتحدة القدرة على العمل لشهور وبوسائل أفضل.
إنه سر علني أن المؤسسة الأمنية والجيش كانا يركّزان في السنوات الأخيرة على إيجاد خيار عسكري صحيح للهجوم على إيران. الكثير من المليارات، إبداع، أعمال تخطيط وتدريبات استثمرتها اسرائيل في هذا الشأن. والهدف كان بلورة قدرات تنفيذية وعلى أساسها خطة عمل، في حال أُخرجت الى حيز التنفيذ فسيكون بإمكانها تأخير برنامج السلاح النووي الإيراني لعدة سنوات على الأقل. ومع بعض الحظ ـ ربما أيضا توقفه تماما.
حتى في أيام رئيس هيئة الأركان السابق غابي أشكنازي ونائبيه، اللواءين دان هرئيل وبني غانتس، تمت بلورة خطة إبداعية لكن حينها اصطدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك بعائقين: الأول في واشنطن والثاني في الكريا في تل أبيب. ففي البيت الأبيض اصطدما بمعارضة حاسمة من إدارة أوباما. حيث خشوا في واشنطن، وما زالوا يخشون، من أن ارتفاع أسعار النفط في العالم سوف ينسف الإنتعاش الإقتصادي وإعادة انتخاب الرئيس الديمقراطي. من جهة أخرى، في اسرائيل اصطدم باراك ونتنياهو بمعارضة لـ "عملية الآن" من جانب بعض كبار مسؤولي الجيش وجهاز الإستخبارات.
ويُشار الى إن رئيس هيئة الأركان السابق، أشكنازي، ومثله أيضا رئيس الموساد السابق، مائير داغان، ورئيس الشاباك حينذاك، يوبال ديسكين، لم يعارضوا مبدئيا هجوما اسرائيليا منفردا على إيران. حتى "الرؤساء" وأيضا معظم ألوية هيئة الأركان ورؤساء الشعب في جهاز الإستخبارات كانوا ـ وما زالوا ـ مقتنعين بوجوب منع إيران من حيازة سلاح نووي تقريبا بأي ثمن. لكن، وفقا لرأيهم، الهجوم على إيران عموما، وهجوم اسرائيل خصوصا، يجب أن يكون وسيلة أخيرة تماما، بعد انتهاء كل الوسائل الأخرى و"ثمة سيف حاد وُضع على العنق"، كما حاول ذلك أشكنازي في تلك الفترة.
إن حصل هجوم ـ فمن الأفضل أن تكون الولايات المتحدة هي من تنفذه، لا سيما بسبب امتلاكها قدرة، موارد وقواعد تتيح لها العمل في كل الأراضي الإيرانية، ضد أي هدف والإستمرار بهذه العملية لأيام وحتى شهور، بشكل يمنع الإيرانيين من ترميم وحتى تسريع البرنامج النووي العسكري.
[السيد] خامنئي استمر وربح وقتا
في تلك الأيام كانوا في المؤسسة الأمنية وفي الموساد ما زالوا يصدقون أن عقوبات إقتصادية ودبلوماسية معطّلة، كذلك حربا سرية، علمية وتكنولوجية بقيادة الولايات المتحدة سوف تعطي ثماراً أفضل من هجوم عسكري. فهي ستؤدي الى تأجيل للبرنامج النووي الإيراني أطول بكثير من التأخير الذي ستنجزه عملية إسرائيلية.
وينبغي ذكر أنه في تلك الفترة هدد الغليان الإجتماعي داخل إيران بإسقاط النظام المحافظ بقيادة [السيد] خامنئي. وهذه كانت الفرضية العملية لدى كبار المؤسسة الأمنية والجيش، الذين أرادوا أيضا تأجيل الهجوم على البرنامج النووي الإيراني ريثما يتم إسقاط النظام.
وفي نظرة الى الخلف، على ضوء ما يحصل في هذه الأيام، يبدو أنه لو كان الأميركيون والأوروبيون فرضوا عقوبات معطلة أحادية الجانب قبل سنتين أو ثلاث، لكان من الممكن جدا أن تكون إيران اليوم مستعدة لتسوية. وفي الوضع الحالي تبدأ إيران للتو بالشعور بلدغة العقوبات، بينما برنامجها النووي الآن موجود في مرحلة متقدمة جدا ويتم تسريعه أيضا. لكن إدارة أوباما والأوروبيين ضيّعوا الكثير من الوقت في مجلس الأمن وفي محاولة لإدارة حوار مع الإيرانيين. في غضون ذلك أقاموا في طهران المنشأة المحصنة في فوردو وبدأوا بتركيب أجهزة طرد مركزي جديدة وخصبوا كمية يورانيوم لمستوى منخفض، تكفي لثلاث أو أربع قطع متفجرة نووية.
لذلك يمكن القول بأن نتنياهو وباراك صدقا من وجهة نظر تنفيذية ـ عسكرية وربما أيضا استراتيجية. إذ إنه حينها كانت في إيران ظروف تتيح لإسرائيل تنفيذ هجوم على المنشآت النووية بسهولة نسبيا، وكانت نتائجه ستؤدي الى تأخير البرنامج لمدة سنة أو اثنتين. حاليا إيران تعمقت أكثر داخل "مجالات الحصانة" التي تحمي البرنامج النووي والصواريخ. حينها كانوا أكثر انكشافا.
هجوم لمدى بعيد
لكن أيضا صدق رؤساء المؤسسة الأمنية، الذين عارضوا هجوما منفردا من جانب اسرائيل (بحق وفقا لتقديري)، لأن هجوما بحجم، بمسافة، وبمستوى تعقيد ضروري كهذا من أجل قطع البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الإيرانية يجب تنفيذه إن لم يكن على يد الولايات المتحدة الأميركية، فعلى الأقل بتنسيق كامل معها. فهو ليس هجوما موضعيا لمفاعل في العراق (1981) أو مفاعل في سوريا (2007، وفق أخبار أجنبية). هنا يجب الطيران أو الملاحة في مجالات جوية معادية، قبل الوصول الى الهدف بكثير، ما يزيد احتمالات الإنكشاف في وقت مبكر، السقوط بالأسر وتعقيدات أخرى، من أجل التغلب ولو على جزء منها نحن بحاجة الى الأميركيين. هكذا على الأقل هم يدّعون في مقابلات يمنحونها لـ "نيويورك تايمز" ولـ "واشنطن بوست".
أوباما يتحرك ببطء أكثر من إيران
لا داعي للدخول الى تفاصيل أحداث من المألوف تسميتها "على وشك الهجوم". فبعض تلك الأحداث تهدف الى تحفيز الإدارة الأميركية والأوروبيين لزيادة الضغط على إيران وإيصال الأميركيين الى وضع سيكون لديهم فيه أيضا خيار عسكري وسيكونون مستعدين لاستخدامه.
يجب الإعتراف بأن هذه الإستراتيجيا نجحت بشكل رائع. مع ذلك، يجب أيضا الإعتراف بأن في كل ما يتعلق بالعقوبات تتحرك إدارة أوباما ببطء شديد. أبطأ بكثير من البرنامج النووي الإيراني. هكذا وصلنا الى الوضع الذي نحن فيه اليوم. عمليا البرنامج النووي الإيراني موجود حاليا عميقا جدا ضمن مجال الحصانة ـ أمتار عديدة تحت صخر الأديم، تدور أجهزة طرد مركزي جديدة نسبيا ويُخصب يورانيوم بدرجة 20%.
من هذا المستوى قصر الطريق الى مادة انشطارية. فلديهم ما يكفي من اليورانيوم المخصب لإنتاج عدة قنابل. الإيرانيون يكسبون المزيد من الوقت في المحادثات مع الغرب وفي غضون ذلك هم يسرّعون تخصيب اليورانيوم وتطوير السلاح. لكن في الوضع الحالي ليس بإمكان الزعيم [السيد] الخامنئي اتخاذ قرار بتنفيذ "قفزة نحو الأمام" باتجاه القنبلة واستكمالها خلال شهور أو أسابيع معدودة، لكن في مطلع السنة المقبلة سوف يمكنه ذلك.
في هذه الأثناء في إسرائيل أيضا ليسوا هادئين. فبقيادة رئيس هيئة الأركان، الجنرال بني غانتس، استمرت التحضيرات. في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست قيل إن رؤساء المؤسسة الأمنية السابقين، الذي يتحدثون اليوم علنا ضد هجوم إسرائيلي على إيران بحجة أنه لن ينجح، لا يعرفون الخطة والقدرات الحالية. ومن حضوره في لجنة الخارجية والأمن كان من الممكن تكوين انطباع بأن غنتس لديه ما يكفي من الثقة بأن الجيل يمكنه مفاجأة الإيرانيين وإدهاش العالم في حال طُلب منه مهاجمة إيران. لذلك فلا شك بأن الخيار العسكري الإسرائيلي ليس كلمة فارغة اليوم.
الى ذلك ثمة من يدّعون بأن رئيس هيئة الأركان يعارض عملية ضد إيران ومثله أيضا قائد سلاح الجو الحالي، رئيس أمان وكذلك رئيسا الموساد والشاباك. وهذا ليس دقيقا. فقد سمع وزراء في الحكومة غنتس يقول بأنه يبدو أن لا خيار، إلا الهجوم على إيران من أجل منعها من حيازة سلاح نووي. ويبدو أنه يعتقد فعلا كما نتنياهو وباراك بأن العقوبات والضغط الدبلوماسي لن يحققا شيئا.
ويعتقدون في إسرائيل بأن الوتيرة التي يتقدم فيها البرنامج النووي العسكري الإيراني سوف تدفع إيران الى خط النهاية قبل وقت طويل من بدء العقوبات بالتحول الى تهديد فعلي على بقاء النظام.
الولايات المتحدة في الطليعة
مما تسرب للإعلام ولم يتم تأكيده من الواضح أن غنتس يفضل الخيار العسكري بقيادة الأميركيين ـ ويبدو أنه أمر ممكن وفقا لرأيه، هذا على الأقل ما قاله في لجنة الخارجية والأمن. يمكن تخمين أن لذلك عدة أسباب: الأول ـ أن لدى الأميركيين قدرة وطول نفس عملياتيا يتيح لها القضاء على كامل البرنامج النووي الإيراني. ولدى إسرائيل اليوم فقط قدرة على تأجيله لوقت محدود. لذلك في حال البدء بعملية في إيران وتلقي ضربة بالصواريخ والقذائف من جانب إيران، حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي على الداخل الإسرائيلي ـ من الأفضل أن يقوم الأميركيون بذلك وسينهون المسألة بشكل أساسي وأيضا سوف يساعدوننا بدفع الهجوم المضاد من محور الشر، الذي ربما سيشمل أيضا سوريا.
والمهتم بمعرفة سبب وكيف سيفعل الأميركيون ذلك أفضل منا يمكنه إيجاد التفاصيل في مقال قائد سلاح الجو السابق، إيتو بن إلياهو، الذي يعرف جيدا التفكير العملياتي المحدث في الجيش وهو يعرض جيدا، وفقا لفهمي، مسار تفكير الأركان العامة الحالية.
وثمة سبب محتمل ثانٍ وهو الخشية من أنه في حال سيعمل الجيش بدون شروط وبدون دعم أميركي، فإن دولة إسرائيل قد تجد نفسها في عزلة سياسية وبدون دعم لوجستي وسياسي أميركي لمواصلة القتال في اليوم التالي للحرب.
إن لدى رئيس هيئة الأركان على ما يبدو عدة إعتبارات عملياتية وغير ذلك. وكان قد قال في مناسبات مختلفة، يتحدث فيها مع وزراء الثمانية عن أن موقفه معقد وثابت ـ ريثما تحين ساعة القرار ـ وفقا لما سيقوم به الإيرانيون، ما سيفعله الأميركيون وشروط بيئية ـ إقليمية (لا سيما ما سيحصل في سوريا ولبنان) في تلك اللحظة. وخصوصا ـ وفقا للاختبار النهائي.
منع بأي ثمن
يبدو أن حتى غنتس يعتقد، كأشكنازي، ديسكين وداغان في أيامهم ـ بوجوب منع تحوُّل إيران الى دولة نووية بأي ثمن تقريبا. الأفضل أن يتم ذلك مع الولايات المتحدة الأميركية وذلك سواء كان "السيف على العنق" ـ أو بدونه. عندها لن يكون هناك خيار، إلا أن توجه إسرائيل ضربة وقائية بمفردها. ورئيس الشاباك السابق يوبال ديسكين ورئيس الموساد السابق مائير داغان لديهما إضافة "صغيرة" على هذا الموقف. فهما يعتقدان، هكذا يمكن أن نفهم، بأنه لا يمكن الإعتماد على قدرات نتنياهو وباراك لاتخاذ قرارات صعبة والبناء عليها، لا سيما إذا اختلّ شيء ما خلال الهجوم وكانت ثمة حاجة لاتخاذ قرارات سريعة ومؤلمة.
هذا التمييز يعتمد وفقا لكلام مقربين منهما على خبرة عدة سنوات مع اتخاذ قرارات رئيس الحكومة نتنياهو وبنسبة معينة أيضا مع باراك. وهذا الإدعاء له مؤيدون وسط شخصيات فعالة في المؤسسة الأمنية. وهناك أحيانا من يدّعون بأن رئيس الحكومة يجد صعوبة في اتخاذ قرار، فهو يفضل تأجيل قرارات صعبة ويراوغ ريثما تتلاشى وتلين. لكن هذه رواية أخرى.
في جميع الأحوال، اللحظة التي يجب فيها اتخاذ قرار بشأن هجوم أو لا هجوم، لم تأت بعد. فالوضع العام في إيران التي ترزح تحت العقوبات، ووضع برنامجها النووي، يتيحان للقيادة الأمنية ـ السياسية في اسرائيل اتخاذ قرار في أي وقت بدءا من هذه اللحظة وحتى منتصف تشرين الأول. عندئذ سوف يصبح المناخ عاملا قد يؤثر على الهجوم الإسرائيلي.
لكن في حال إجراء دراسة دقيقة لطبيعة الأمور في المنطقة، يمكن رؤية أنه لن تحصل أية كارثة في حال تم تنفيذ الهجوم على إيران في الربيع المقبل. لا يُتوقع تغير أي معطى في المنطقة سلبيا بشكل دراماتيكي. بل على العكس. ربما سيكون التأجيل أفضل. بالشأن السوري على سبيل المثال.
الولايات المتحدة تريد إيقافه
مع ذلك، ثمة سبب إضافي. أكثر أهمية: يمكن تكوين إنطباع بأن وسط قيادة المقررين في اسرائيل، وعلى رأسهم نتنياهو وباراك، تتعزز الثقة بنيّات واستعداد الولايات المتحدة لوقف النووي الإيراني ـ سواء تم انتخاب أوباما مجددا أم أن ميت رومني هو من سيكون الرئيس المقبل الى البيت الأبيض. ما سيؤدي الى المزيد من الشعور بالأمان في إسرائيل هو التعرف الى خطط عمل البنتاغون لعملية جوية ـ بحرية متواصلة في إيران في حال قرر آيات الله تنفيذ "القفزة قدما" باتجاه القنبلة. أي في حال اجتاز [السيد] خامنئي الخط الأحمر الأميركي.
وفي حالة كهذه سوف يدخل حيز التنفيذ التعهد الذي قدمه بانتوم هذا الأسبوع: "لن يكون لدى إيران سلاح نووي. نقطة". التعرف الى خطط البنتاغون، بعد اللقاءات التي حصلت مؤخرا مع مسؤولين أميركيين، يدفع بصناع القرارات لدينا الى فهم واعتراف بأن الولايات المتحدة على ما يبدو مستعدة لوجستيا وتخطيطيا لعملية تحطيم مطلق للبرنامج النووي العسكري الإيراني.
حشد القوى البحرية والجوية من قِبل الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا، الذي يتم حاليا في الخليج الفارسي وفي البحر المتوسط، يرونه في القدس كدليل على أن الحديث لا يدور عن إجراء حيادي لمنع عملية اسرائيلية مستقلة ضد إيران.
على ضوء ما قيل، من الواضح بما يكفي أن نتنياهو وباراك سوف يضطران الى اتخاذ قرارين دراماتيكيين: الأول ـ هل إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة وتصدق بأنها سوف تقضي على التهديد النووي الإيراني بقوة عسكرية في حال لم تنفع الوسائل الأخرى. القرار الآخر، الأكثر تأثيرا من الأول، هو إمكانية هجوم مستقل، أزرق أبيض [اسرائيلي]، ضد إيران.
من المنطقي إفتراض أن غنتس ومثله ضباط هيئة الأركان العامة ورؤساء جهاز الإستخبارات سوف يكونون شركاء كاملين بالقرارات، كذلك بالإعتبارات الإستراتيجية التي ستضعها. بالنسبة لنا. نحن المواطنين، ثمة مصلحة واضحة بأن يحصل هذا. ويجدر أن يُذكر كل المشاركين في الموضوع. فقط المجلس الوزاري ـ الأمني المصغر أو الحكومة كاملة مخولان بالسماح بمعركة عسكرية موسعة أو حرب. وفي الحالة التي أمامنا، بسبب ضرورة الحفاظ على سرية عليا، من المنطقي افتراض أن قرار الهجوم على إيران سوف يُحسم في المجلس الوزاري ـ الأمني المصغر".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018