ارشيف من :ترجمات ودراسات

الجيش الإسرائيلي يهدد: أي جولة حرب إضافية ستجعل اللبنانيين يشتاقون للدمار الذي زُرع هناك قبل ست سنوات

الجيش الإسرائيلي يهدد: أي جولة حرب إضافية ستجعل اللبنانيين يشتاقون للدمار الذي زُرع هناك قبل ست سنوات
المصدر: " موقع NFC الإخباري"

"تهدد الحرب الأهلية في سوريا بتحويل الحدود مع إسرائيل إلى حدود إرهاب. الجيش الإسرائيلي يعزز تحصينات السياج. وفي غضون ذلك، في الحدود اللبنانية، حزب الله يتسلح لكن يتحاشى الاستفزاز، الجيش اللبناني أقل حذرا، وفي الجيش الإسرائيلي يهددون بأن جولة حرب إضافية ستجعل اللبنانيين يشتاقون للدمار الذي زُرع هناك قبل ست سنوات.
سقطت الأسبوع الفائت قذيفتا هاون على بعد 400 متر من الحدود الشمالية، في المنطقة السورية جوبتا الخشب. بينما ينضم إلى هذه الحادثة صدى الإنفجارات التي سمعها وزير الدفاع إيهود باراك خلال زيارته للحدود الشمالية الأسبوع الفائت وكافة الأحداث الداخلية في سوريا، يبدو أن حرب نظام الأسد المتداعي تقترب بسرعة نحو إسرائيل. إذ تعتقد مصادر في الجيش الإسرائيلي أن إطلاق النار هذا لم يكن موجها نحو الأراضي الإسرائيلية، لكن ينبغي عدم التغاضي عن التوتر الأمني السائد في المنطقة وعن الاستعدادات لسيناريو تتطور فيه الأحداث شمالا نحو الأسوأ. إن الخوف الكبير لرئيس هيئة الأركان غانتس وكبار المؤسسة الأمنية هو من تدحرج السلاح غير التقليدي الموجود بكميات هائلة بيد نظام الأسد مع سقوطه إلى حزب الله في لبنان.
فورا بعد العملية التي قُتل فيها المسؤولون الكبار في النظام السوري الأسبوع الفائت أمر رئيس هيئة الأركان عناصر شعبة الاستخبارات بتعزيز متابعة ما يحصل في سوريا، لردع نقل قوافل السلاح إلى لبنان في الوقت الحقيقي. ففي مقابلة لشبكة "فوكس نيوز" قال رئيس الحكومة نتانياهو إنه: "من المحتمل حصول سيناريو تضطر فيه إسرائيل لمهاجمة سوريا. تخيّلوا أن حزب الله، التنظيم الذي ينفذ كل الأعمال الإرهابية حول العالم مع إيران، سيضع يده على سلاح كيميائي. هذا الأمر سيكون بمثابة حيازة القاعدة سلاحا كهذا". من جهته قال رئيس هيئة الأركان غانتس في الأسبوع الفائت في لجنة الخارجية والأمن إن الجيش الإسرائيلي يدرس إمكانية إحباط نقل وسائل قتالية، لكن لا ضمان بألا تتوسع العملية إلى معركة أوسع. علاوة على ذلك، إذا نجحت عملية الإحباط ولم يحصل تصعيد، "ينبغي الأخذ بالحسبان أيضا السلاح الذي سيبقى بعد العملية ولأية أيدي قد يصل"، وفق كلام غانتس.
بعد ست سنوات على حرب لبنان الثانية، يلوح لبنان ثان. يسمونه سوريا. الجارة الشرقية الكبيرة للبنان ولنا اختبرت بنفسها نموذج لبنان وفقدان السيطرة الداخلية ما قد يشعل حدودها معنا.

السياج الحدودي في الجولان هو نفس الجدار الذي أنشئ قبل حوالي أربعين عاما ـ تقريبا 8 من ضمن الـ 80 كلم التي أعيد بناؤها ـ لكن الحوادث فيه مبتكرة. ابتكار غير مفرح أبدا. في الآونة الأخيرة سُجلت عدة محاولات تسلّل وحوادث قذف ألغام نحوه ونحو قواتنا التي مرّت بالقرب منه. القوات السورية في هضبة الجولان قد تعبت، ولا تحبط نشاطا معاديا ضد إسرائيل؛ وفي ظل الحرب الأهلية في سوريا واهتزاز النظام المركزي، عناصر إرهابية ووسائل قتالية كاسرة للتوازن تصل بالقرب من الحدود.
السيناريوهات البارزة اليوم في الجيش الإسرائيلي بالنسبة للحوادث المحتملة في الحدود السورية تغيرت جدا منذ حرب لبنان الثانية، خلالها كانت الحدود السورية هادئة. "حينها فكرنا بمجموعات سورية ستصعد إلى هضبة الجولان، واليوم طريقة العمل هي طريقة حوادث إرهابية على شاكلة ما يحدث في سيناء"، يقول اللواء في الاحتياط، إيال بن رؤوفان، الذي كان نائب قائد المنطقة الشمالية أيام الحرب. "سوريا تتفكك والجهات الإرهابية تتربص للفريسة. إذا سقط نظام الأسد، فهناك احتمال بأن تصبح الحدود الأكثر هدوءا منذ حرب يوم الغفران أكثر صعوبة وفتكا. الجيش الإسرائيلي يحاول دراسة المنطقة كي لا يفاجأ ويعرف كيف يرد في الوقت الحقيقي".
في رأس سلّم القلق تقف سيناريوهات إرهابية في الحدود: عملية متشابكة من إطلاق نار وتسلل، إطلاق نار من داخل سوريا، عملية خطف وشغب على السياج. ثمة خوف منطقي إضافي وهو أن توجَّه وسائل إطلاق النار مع سقوط نظام الأسد نحو إسرائيل لتحويل الانتباه.
في تشكيلة غاعش، المسؤولة عن القطاع السوري، يقدّرون أن عملية الجهاد العالمي في سوريا قد تصل إلى حدود إسرائيل. "نحن نخشى من عملية تأتي دون إنذار، وهذا الأمر ممكن في كل مكان على طول حدود الجولان"، يقول قائد الفرقة العميد تمير هايمن. ويتابع، "مع غياب معطيات إستخبارية علينا أن نكون مستعدين لكل شيء". كما يقولون في الفرقة إن "التغيير في سوريا قاد الفرقة إلى مكان آخر. في الماضي انشغلنا أكثر بالأمن الجاري وبالداخل. الآن، في ظل الخوف من عملية وحتى من بدء حرب، غيروا الإجراءات والأوامر. يجري العمل على بناء سياج مقابل سوريا وهذا السياج سيكسبنا في المستقبل هدوءا أكبر".
نستعد لتلقي ركلة
وفي خضم كل الثورات والانهيارات في العالم العربي، الذي يهتز تدريجيا، ينجح لبنان بالحفاظ على الهدوء داخله ـ وهذا بفضل منتدى قيادي يجتمع ويسيطر على الأمور. المنظمة الإرهابية حزب الله توطدت. مقاتلوها يخضعون لدورات أغرار منتظمة ودورات خاصة بوظائف قتالية ويحصلون على أجور. مقرات الأركان أنشئت، البيروقراطية كبرت، كما ينبغي للمنظمة التي تعاظمت.
وكيف يحافظون هناك على روح قتالية، بعد ست سنوات؟ قادة المنظمة يحاولون إقناع عناصرهم بأنه يوجد جهاد والحرب تتأخر ظاهريا، لكن ثمة شك إن كان المقنعون يهدئون المقاتلين المؤيدين للأكشن والجهاد. أمين عام المنظمة الشيخ حسن نصر الله يعرف أنه سيكون لاعتداء سيتخطى الحد ثمن باهظ. هجوم إسرائيلي على إيران، نصيره وحليفه، سيزيد المعضلة ـ لكن حينئذ أيضا ثمة شك بأن يصغي لأوامر نظام الخامنئي ويعرّض نفسه لخطر مواجهة قاسية مع إسرائيل.

هذا ويوضح اللواء في الاحتياط بن رؤوفان: "قبل حرب لبنان الثانية، كانت صورة استخبارات حزب الله آخذة بالتعاظم، حيث يحاول جمع قدرات لإطلاق منحني المسار ومضاد للدروع. المشكلة هي أن ما يسمى إشارات الحرب في عالم الحرب الحديث لا تظهر في المعركة مع حزب الله. عندما تكون أمامك منظمة تدير حرب عصابات بارعة تعمل بذكاء، من دون نشر دبابات، فإن مهنة تحديد المكان والتكهن صعبة. لكن رغم أن المنظمة تستقوي، ممنوع المبالغة بتقدير قوتها".
العقيد عميت فيشر، قائد اللواء الشرقي في الحدود اللبنانية، يرى هو أيضا واقعا جديدا. في الأيام التي سبقت الحرب، اختار فيشر أن يطلب الزواج من صديقته في نزهة على الحدود الشمالية. عندما سألته ببراءة إن كانت الأعلام الصفراء التي ترفرف بإباء على السياج هي للواء غولاني فأجابها إنها أعلام حزب الله. اليوم، حزب الله يتحاشى خلق استفزاز ونقر عيونه، ويفضل العمل تحت سطح الأرض. الأعلام موجودة، لكن في العمق أكثر.
في الحدود يسود عموما، منذ انتهاء الحرب، هدوء نسبي. هذه أهدأ فترة تشهدها الحدود اللبنانية منذ السبعينيات، يقولون في قيادة المنطقة الشمالية. لا توجد إنذارات مركزة في هذه الأيام، لكن يمكن توقع حدوث مفاجأة أيضا، ففي قيادة المنطقة الشمالية يستعدون لإدارة حادثة بعد أن يتلقوا ركلة في البطن. مقاتلو حزب الله يتابعون تنفيذ أعمال المراقبة، والمنظمة تتسلح دائما بوسائل قتالية: قذائف صاروخية متطورة، صواريخ مضادة للدروع وعبوات محسنة، وتحسين قدرات إطلاق نيران القناصة. الخوف هو من أن كل هذه الأمور تتضافر لتصل إلى هجوم متشابك.
في قيادة المنطقة الشمالية يخشون أيضا من القدرات الإستخبارية المحسنة للمنظمة اللبنانية التي تدير حرب عصابات. حزب الله أثبت أنه قادر على جمع معلومات عن وحدة عسكرية إسرائيلية وفق رغبته والشروع بمساعدتها بعملية يُخطف فيها جندي. دوريات الجيش الإسرائيلي على السياج مستمرة بوتيرة عالية، حتى في المنطقة التي حصلت فيها عملية الخطف عام 2006 ـ وأحيانا، حسب ادعاء الجيش الإسرائيلي، من دون تحصين مناسب بسبب نقص في الآليات.
أعمال المراقبة التي يجريها الجيش الإسرائيلي تفيد أن حزب الله يجمع معلومات عن قواتنا بمساعدة رعاة الماشية الذين يقتربون من السياج ويقومون بأعمال مراقبة. مقاتلو الجمع ومراقبات الجيش الإسرائيلي يجيدون تشخيص وجوه محددة وتمييز سيارات تتحرك على السياج. قبل حوالي أسبوع فقط نُشرت صور لسيارتين وناشطين أتوا لاستطلاع منطقة هضاب عالية مقابل مسكاف عام، ما يبدو تحضيرا لعملية وشيكة. يُدرس احتمال أن الحديث يدور عن عناصر الحرس الثوري الإيراني، الذين يكثرون من الذهاب إلى هذه المنطقة.
يهين اليونيفيل
إلى ذلك، يُسجل دائما على السياج خرق لقرار مجلس الأمن 1701، الذي اتخذ في نهاية حرب لبنان الثانية. عناصر قوة المراقبين للأمم المتحدة، اليونيفيل، مقيّدون في ردهم. حزب الله يعمل كما يظهر وفق مزاجه، ضد المراقبين أيضا. بما في ذلك تشغيل عبوات ناسفة وفرض الرعب. قبل أسابيع قليلة تم الالتقاط، عبر وسيلة مراقبة للجيش الإسرائيلي، عنصرا لحزب الله يهين علنا قائد إحدى القوات المراقبة بعد تجرئه على رفع كاميراته لتوثيق خرق للقرار حصل في ذلك الوقت. عنصر حزب الله تسلق الآلية المدرعة، صفع قائد القوة، أخذ من يديه الكاميرا وسحب منها بطاقة الذاكرة.
الجيش اللبناني من جهته، يصبح أكثر احترافا وانضباطا. هو أنشأ مواقع جديدة واشترى وسائل قتالية. الحوادث الثلاثة الوحيدة التي وقعت على السياج الحدودي منذ حرب لبنان الثانية، لم ينفذها عناصر حزب الله، إنما جنود الجيش اللبناني. الحادثة الأولى وقعت قبل حوالي عامين حيث أُطلقت النار نحو قوة احتياط، فقتل قائدها، المقدّم دوف هراري. كما أُصيب جندي آخر. وقتل جراء رد الجيش الإسرائيلي أربعة جنود للجيش اللبناني. عنصر المخابرات اللبناني الذي أشعل الأرض وكان مسؤولا عن إطلاق النار، لم يُعاقب إنما رُقّي.

قبل تسعة أشهر سُجّلت حادثة إضافية على الحدود. حيث فُتحت النيران نحو قوة للجيش الإسرائيلي بالقرب من نهر الحاصباني. أما الحادثة الثالثة فقد وقعت في نفس المكان قبل حوالي أسبوعين, حيث استُقبل ثمانية جنود مظليين استقبالا حاميا عندما وجّه خمسة جنود من الجيش اللبناني سلاحهم نحوهم وبدأوا برسم أهداف؛ هذا رغم شهادة القصّاص الذي كان في القوة. رد سريع على شاكلة وصول دبابات إلى المكان اضطر اللبنانيين للهروب. "هم أدركوا أن مقابل غطاء دبابات، من غير المناسب لهم إطلاق النار"، قال مصدر رفيع في قيادة المنطقة الشمالية. وتابع: "نحن نأمر جنودنا أنه في حال وقوع حادثة كهذه، إذا فتحوا النار عليهم، فليقتلوا مقاتلي العدو لكن فليتركوا اثنين منهم أحياء، كي يستطيعوا أن يرووا لأصدقائهم كم كانت المعركة قاسية ومؤلمة".

إلى ذلك، شوهدت أكثر من مرة سيارات لعناصر حزب الله ولضباط الجيش اللبناني تجتمع معا وتبدل مواقع. التوتر بين الطرفين منخفض إزاء فترة سلطة سعد الحريري المعادي لحزب الله في لبنان. ومع ذلك، رغم العلاقات الودودة على الأرض، يبدو أنه في ساعة العمل لن يكون الجيش اللبناني عارفا بخطط قتال حزب الله. في حالة كهذه، من ناحية الجيش الإسرائيلي، من غير المتوقع أن يُستهدف الجيش اللبناني طالما لم يتدخل.
الدقائق الأولى ستحسم
لا تزال هناك 13 منطقة على طول الحدود موضع جدال حول سيادتها. في إحدى هذه المناطق، بالقرب من القرية اللبنانية كفركلا الملاصقة للمطلة، بُني على طول كيلومتر واحد من الطريق اللبناني، على مسافة نصف متر منا، سياج طوله 7 أمتار لمنع استهداف المزارعين الذين يعملون في الطرف الإسرائيلي.
في نفس الوقت، تستمر أيضا جهود حزب الله لبناء خنادق محصنة سرية ـ من نوع تلك التي فاجأت الجيش الإسرائيلي في الحرج اللبناني وفي المناطق المفتوحة وسميت "محميات طبيعية". كل تغيير في موضع حجر أو شجرة يظهر فورا هذه الشبهة. لبنان، هكذا يعرفون في الجيش الإسرائيلي، يكذب ويثمل (من الكذب)، وكل موقف قد ينفجر في لحظة ويتحول إلى حادثة فتاكة. في قيادة المنطقة الشمالية يقولون اليوم إن الوضع من ناحية جمع صورة الاستخبارات أفضل بمدى كبير مما كان عليه عشية حرب لبنان الثانية. فهناك ضباط استخبارات وقادة ألوية تُكشف أمامهم اليوم مواد إستخبارية مصنّفة وتقديرات وضع عن العدو بكمية لم يروها من قبل.

اللواء "بن رؤوفان" يعتقد أنه منذ الحرب استُخلصت عبر في الجيش الإسرائيلي، وفي قيادة المنطقة الشمالية خصوصا. الأمر واضح في حجم التدريبات، في تجهيز القوات والاحتياطي في المخازن وبدراسة الأرض والسيناريوهات التي تتم في الفرق الشمالية كل يوم. إذ يقول: "الحرب القادمة قد تكون صعبة جدا في الداخل أيضا، لأن التهديد عليها سيكون أوسع"، "هذا الأمر يتطلب من الجيش الإسرائيلي العمل بشكل حاسم وعدواني، لإنهاء عمليات بشكل أسرع وأوضح".

هذا ويقول قائد فرقة لبنان، العميد "هرتسي هليفي": "الجيش الإسرائيلي يتدرّب لحرب في لبنان ويتعلم أيضا كيف يواجه حزب الله المتواجد داخل السكان". ويضيف: "إذا خُرق الهدوء سنضطر للدخول إلى العمق لمعالجة العدو وأين يتواجد. الضرر الذي سيلحق بدولة لبنان سيكون كبيرا بدون نسبة لما حصل في حرب لبنان الثانية. سيكون لدى الجيش الإسرائيلي رد حاد وواضح. سيحصل قتال مختلف، والقتال بشكل عام هو ليس أمرا جميلا". أو كما يقول مصدر في تشكيلة الجليل: "في لحظة خرق الهدوء سندخل هنا لأيام قتال معدودة مع نيران ثقيلة من الطرفين. الدقائق الخمس الأولى لاتخاذ القرارات ستحسم، لأنه في غضون نصف ساعة سنضطر لإظهار قوتنا والرد سريعا وبمهارة كي يفهموا أنهم مقيّدون. ترميم بنت جبيل استُكمل قبل أشهر قليلة فقط، وهم لا يريدون العودة إلى ذلك. إذا فهم اللبنانيون معدل المواد المتفجرة التي ستسقط هناك نسبة لهنا فهم سيفكرون ثانية. ما ظهر في غزة سيكون صغيرا مقابل الضرر الذي سيحل في لبنان".

 

2012-08-11