ارشيف من :أخبار لبنانية

محنة وطن ومقاومة

محنة وطن ومقاومة



جابر مسلماني - صحيفة "السفير"

بتراكم الخطاب الداعي الى نزع سلاح المقاومة وتسريحه من خدمة الوطن وسيادة ترابه, بدا هذا المطلب، المتماهي بشدّة مع الطموحات والاحلام الاسرائيلية وبعض العربية والولايات المتحدة الاميركية من وراء اسرائيل وأمامها، وجهة نظرٍ عند فريقٍ من اللبنانيين.
 لا أعتقد، بحسب خبرة متواضعه بالشأن اللبناني, ومعرفة مكتسبة من مشاهدة طريقة ادارة القضايا الكبرى من خلال قوى لبنان السياسية, ان بالإمكان المغامرة بإزاحة هذا السلاح الذي اثبت «حصرياً» جدواه في تحرير الارض اللبنانية الا القليل منها، كما اثبتت المقاومة، لمن يريد ان يعي دورها لا لمن لا يريدها ابدا،ً معادلة صلبة في الدفاع عن لبنان وحمايته وتحصينه.

 لا أعتقد أن أحداً في لبنان في الاعماق, يشمل ذلك كل القوى السياسية المؤيده للمقاومة والمخاصمة لها، يشكك في قدرة المقاومة على كونها سياجاً دفاعياً محكماً على التخوم مع شمال فلسطين، حيث اسرائيل تغتصب أرضاً عربية كانت منزوعة السلاح والحماية يوماً، في إطار سياسة سباقة في تثبيت الضعف عنوان قوة واسترحام لا ينفع مع وحوش المجتمع الدولي السياسي والإمبراطوري الاستبدادي.
 ما وراء الحث على نزع هذا السلاح الوطني الاستراتيجي استجابة لوهم داخلي يسكن بعض العقول اللبنانية من ان المقاومة بثقلها اقفلت مجموعة من الممكنات السياسية الريعية الخاصة، التي لو حصلت، لانفتح المدى الدولي على تطويب مجموعة من الاحزاب السياسية في سدة السلطة والى اجل متعلق بمدى القدرة على تأمين المصالح الاستراتيجية.

 ما تعلنه بعض القوى السياسية في لبنان من أن سلاح المقاومة عطّل الدولة ويعطلها, هذا صحيح لا شكّ فيه، مع ملاحظة ان الدولة التي يقصدونها هي الدولة العاجزه والدولة التابعه للمحور الاميركي ودوائر نفوذه في المنطقة. الدولة التي لا تستطيع ان تقول لا عندما تصطف المطالب الاسرائيلية فوق رأسها مهددة باستباحة المدى الوطني تراباً وإنساناً وكرامات. دولة يصبح الحديث فيها عن السلام ومصالحة العدو التاريخي وجهة نظر قاب قوسين او أدنى من تطبيقها، وبالتراكم أيضاً، وتكرار الحوارات السياسية، وملء الآذان والعقول بخطابها المدروس والمقنن للغاية نفسها.
 بموضوعية بالغة, لا علاقة للمقاومة بما حل بالوطن وبالدولة وبالإنسان في لبنان, لبنان هذا الجميل جداً بوجهه الطبيعي, والمظلم جداً بتاريخ ادارته هذه المزرعة المرعبة ليس دماء الشهداء من سيَّبها, واحتكرها واحتقرها, من سرق المال العام وبدّد طاقات الوطن وجرّ المواطن عنوة الى اعنف دورة إحباط ويأس من بناء وطن وتشييد دولة يعيش في كنفها، هذا ليس فعل المقاومة بل هو من افرازات عدم المقاومة الداخلية بالمعنى المدني والحضاري والسلمي لتلك المافيات والسلالات التي عاثت فساداً في كل اقطار لبنان, من تدمير المؤسسات, وتهشيم الادارات, وجعل القانون خادماً طيعاً ومطاطاً لتحصيل المآرب الاقتصادية النفعية الضيقة, وتطويع المواطن اللبناني ليكون رافعة مستدامة لإعادة انتاج ذات الطبقة السياسية لتتسلط على مصيره ومقدراته الخاصة والعامة.

 هل هناك نجاح وحيد في لبنان باستثناء المقاومة؟ هل غير المقاومة من جعل من لبنان قيمة عليا ومدرسة ورسالة متقدمة لا تقل أبداً إن لم تزد على مجمل الاوطان الراقية في العالم التي استطاعت بفعل نضالها الطويل ان تخرج المحتل صاغراً بلا قيد ولا شرط, استثناء لبنان انه لم يقاتل اسرائيل وحدها, لبنان استطاع بفضل مقاومته وإرادته الشعبية وجيشه الوطني دكّ الارادة الدولية المعلنة لإرادتها في سحق لبنان المقاوم, وتركه جثة على قارعة الاوطان, لقمة سائغة بين فكي ثعالب هذا العالم الذي لا يعنيه كرامة الانسان ولا حقوقه, وحرب تموز 2006 شاهد على اللعاب الدولي والعربي الدموي الذي يتسم بجدارة انه لا يملك ذرة واحدة من التفكير بمشروع قومي إو إسلامي أو إنساني عربي, وأثبتت ان الحيز الوحيد الذي تعمل فيه تلك الارادة الاقليمية والدولية هو ثوابت الامة ودوائر قضاياها المرتفعه, ليس هناك من نصُبٍ حاضر او تذكاري حي الا وعملت وتعمل على تدميره وإعدامه, كي لا يبقى الشريف والفاعل حجة على السكونية والتقهقر والانزياح المريب والمرعب.

 يعرف الجمع اللبناني أن سؤال نزع سلاح المقاومة هو سؤال اسرائيلي بامتياز (النقاش في ذلك مهزلة) بمقدار ما يعرف الجواب أيضا, لذلك فالتحديق جدّيا بمشاكل الوطن العميقة والمزمنه والراهنة وبأوراقه المبعثرة,وإعادة ترتيبه ضمن معادلتي السيادة المطلقة والكرامة الواضحة لترابه وإنسانه, لهو اولى من المزيد من إثخان لبنان واجتماعه بمطالب هي ليست مطالبه وثوابته العمقية والتحتية, كما ان الأدلة على عدم امكانية تحقيق كل «الاحلام» متوافرة جداً في حقيبة الأيام اللبنانية وغير اللبنانية أيضاً!

2012-08-22