ارشيف من :أخبار لبنانية

عودة الرهان "الإسرائيلي" على الفتنة في لبنان 

عودة الرهان "الإسرائيلي" على الفتنة في لبنان 
&#65279

يحيى دبوق -"الأخبار"

رهان تل أبيب على سقوط نظام الرئيس السوري، بشار الاسد، وإمكاناته في تحسين وضعها الاستراتيجي المتردي والحد من ترديه، بدأ فعليا مع بدء الازمة في سوريا. ولا يمثّل سقوط الأسد، مطلباً لذاته فقط، باعتباره ركيزة اساسية في محور اعداء اسرائيل، بل يتعداه الى غيره، سواء تجاه ايران او لبنان او فلسطين المحتلة. الا أن الربط بين سقوط النظام في سوريا، وتراجع بقية اعداء اسرائيل، يتوسطه رهان، على إمكان ان يولد السقوط حراكا داخليا، تحديدا في لبنان، يؤدي في نهاية المطاف، الى ضرب حزب الله ونزع سلاحه، وبالتالي انهاء تهديده.. بتعبير اخر: الامل بفتنة داخلية في لبنان، تؤدي الى تحقيق ما عجز الجيش الاسرائيلي عن تحقيقه، عام 2006.

تلقفت اسرائيل الاحداث الدموية الاخيرة في طرابلس، واستمرارها فترة غير مسبوقة نسبيا، وقدرت أنها نقطة انطلاق للفتنة في لبنان، في ما يبدو انه امل بفتنة مبكرة، تسبق سقوط النظام في سوريا، ولا تليه. بحسب تعبير صحيفة «هآرتس»، فان الحرب في سوريا، اوجدت الظرف المناسب للوقوف في وجه حزب الله وسلاحه، مشيدة بجرأة جانب من السياسيين والاعلاميين، الذين يطالبون بنزع سلاحه، بل إنها وصفت الواقع الحالي في لبنان، بانه بات يمكّن من «اهدار دم حزب الله».

التقدير الاسرائيلي يرى، كما يظهر تباعا، رغم ما فيه من خلط بين الواقع والآمال، أن الاحداث في الشمال لن تتوقف، ومن شأنها ان تنتشر الى مناطق اخرى، على ان تعم كل لبنان لاحقا، في استعادة لواقع الحرب الاهلية، التي امتدت طويلا، مع الامل بان تولّد تغييرا في نهاية المطاف، يعيد تشكيل الخريطة السياسية وموازين القوى، بما يضمن لاحقا، المصلحة الاسرائيلية، وأولها: نزع سلاح حزب الله، او إشغاله وإلهاؤه في الدفاع عن نفسه، طويلا وبعيدا عن اسرائيل.

مع ذلك، فان الرهان الاسرائيلي، لا يستند، الى فراغ وأمل وحسب، بلا أي من المعطيات المادية، المرتبطة بالمشهد اللبناني الفعلي. فالعناصر الدافعة للفتنة، في الداخل والخارج، على كثرتها، موجودة بالفعل، والشحن الطائفي والمذهبي، كتركة بغيضة لاطراف وجهات لبنانية فاعلة ومؤثرة في هذا البلد، ما زالت قائمة وموجودة، بل وما زالت تُفعّل بقوة في الفترة الاخيرة، كما ان اداء الحكومة اللبنانية، التي تنأى بنفسها عن الازمة في سوريا، يفسح المجال امام التحليل والاستنتاج، بأنها تنأى بنفسها ايضا، عن الاحداث في لبنان.

ورغم الامال الاسرائيلية، الا أن «مشوار» الفتنة في لبنان، ما زال طويلا، على الارجح. ليس لان طالبيها غير جادين، او لأنهم يستأخرون وحسب اوانها، بل لان القادرين عليها لا يريدونها، ولأن طالبيها لا يقوون عليها. مع ذلك، فان الاستناد الى وجود «الخيّرين» في مقابل «الشريرين»، ليس كافيا، ولا يغني عن وجوب الاجتهاد اكثر، للخروج من قبضة الخارج، والاعتناء اكثر بالمصلحة اللبنانية، وتعزيز كل العناصر التي من شأنها ان تبعد ويلات الاحتراب الداخلي عن لبنان، ومن بينها، ان تدرك جهات سياسية وحزبية، بل وايضا طائفية، أن الفتنة إن حصلت، فستكون وبالا على الجميع، ولن ينجو منها احد.

بالعودة الى اسرائيل ورهاناتها، يبدو ان تل ابيب عادت من جديد، لتضع «قادة ثورة الارز» في حسابات تقديراتها، وتأمل أن يستأنفوا المهمة من جديد، ضد المقاومة. الاحداث الاخيرة في طرابلس، و«انزلاق» الحرب في سوريا الى لبنان، والامل بان يسقط النظام السوري قرببا، تزيد جميعها من الرهان الاسرائيلي على هذه القوى، ضد حزب الله، سواء ارادت ذلك ام لا، وسواء قدرت عليه ام لم تقدر. بحسب دراسة صدرت اخيرا عن مركز ابحاث الامن القومي في تل ابيب، وتستحقّ التأمل والتفكير الطويلين، تأمل اسرائيل أن «يُمنَح اولئك الذين قادوا ثورة الارز، بعد سقوط النظام في سوريا، قوة وثقة جديدتين، تؤديان الى إحداث تغيير في لبنان، يمكّنهم من تحقيق وعودهم»، لكن ما هي هذه الوعود؟

عموما، المواقف والتحليلات الصادرة اخيرا في اسرائيل بشأن لبنان، لا تكتفي، كما هو الحال منذ سنوات، بالتهديد والويل والثبور، في محاولة واضحة لردع حزب الله، والتخفيف من وطأة تهديد قدراته العسكرية، بل بدأت تكشف وجهة المقاربة الاسرائيلية الحالية، واستئنافها الرهان على بدائل، ترى ان إمكانياتها كبيرة ومعقولة، في التعويض عن الحرب العسكرية المباشرة، التي باتت متعذرة ضد المقاومة، نظراً لأكلافها، ومنها الفتنة الداخلية في لبنان، التي لطالما أملت أن تتحقق، منذ ان بادر الجيش السوري إلى الخروج من الاراضي اللبنانية، عام 2005.


2012-08-27