ارشيف من :أخبار عالمية
حرب استخباراتية جديدة بين إيران والغرب
بقلم مهدي محمدي
موقع جهان نيوز
إن حرباً استخباراتية سرية تدور رحاها بين إيران والغرب.حرب يمكن وصفها بأنها متوارية وصامتة، لكن هذه الحرب الصامتة حاليا تحولت إلى أحد أكثر الأخبار سخونة في المواجهة بين إيران والغرب؛ فطيلة العامين الماضيين لم يكد يمر يوم إلا ونشر خبر يرسم أبعاداً جديدة لهذه الحرب، بل إن الحديث الواضح عن هذه الحرب الخفية بات اليوم الشغل الشاغل للسياسيين الأمريكيين والإسرائيليين.
حتى إن مسؤولي الاستخبارات والدفاع الغربيين ضالعون في الحرب الاستخباراتية هذه، والتي لم تبق في مأمن من أحاديث وسائل الإعلام. واللافت للاهتمام أيضاً أن شخصاً مثل "إيهود باراك" وزير دفاع الكيان الصهيوني هو في حالة صراع داخل البيت الإسرائيلي، مع بنيامين نيتنياهو، وهما في سباق راديكالي محموم ضد إيران، كما أنه يؤيد بصراحة قلّ نظيرها مسألة أن "إيران وإسرائيل في السنوات السابقة كانتا في حالة حرب صامتة" وبناءً عليه، فإن الحرب الاستخباراتية الصامتة بين إيران والغرب التي يبدو أن الصهاينة يلعبون فيها دور "المتعهد" في حربٍ تخوضها بالوكالة، هي اليوم أحد أهم الجوانب المعروفة للتحدي الاستراتيجي بين إيران وأمريكا ويعتبر معرفة أبعادها وزواياها ضرورة حتمية.
نحاول في هذا المقال أن نجد إجابة لأسئلة عدة تهدف إلى تقديم روايات وتحليلات لأبعاد هذه الحرب العميقة والخفية بالطبع.
1- ما هو الدور الجديد لحرب الاستخبارات بين إيران والغرب ومنذ متى بدأت؟
2- ما هي أبعاد وأساليب حرب الاستخبارات؟
3- من هي الأطراف المتصارعة في هذه الحرب؟
4- ما هي الأهداف التي يسعى إليها كل من هذه الأطراف المتصارعة؟
5- أيّ من هذه الأطراف خرج منتصراً؟
6- والسؤال الأخير: ما هي مظاهر هذه الحرب وفي أي جهة تتحرك أطراف النزاع؟
عندما نتحدث عن حرب الاستخبارات بين إيران والغرب، فإنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار قبل كل شيء أن هناك تاريخاً حافلاً بالأحداث، حيث إن إيران الإسلامية ومنذ أن تنفست الثورة الإسلامية عام 1979م كانت قد شهدت حرباً استخباراتية مع مجموعة من الأجهزة الأجنبية التي كانت تعمل لمصلحة شبكات تجسس داخلية تواجدت قبل الثورة، إلا أنهم لم يتمكنوا من إبقاء هذه الشبكات فعالة ونشطة في ظروف حساسة بعد قيام الثورة الإسلامية، وعلى كل حل طالما أنها مرتبطة بإسرائيل وأمريكا فإن ثمة أدلة مهمة تثبت وجود شبكات تجسس تعمل لمصلحتهما في إيران بعد الثورة.
وباعتبار أنه لم يكن لدى أمريكا أي سفارة في إيران، وفي ظل تأكيد إيران على ضرورة قطع أي نوع من أنواع العلاقات الرسمية وغير الرسمية مع إسرائيل، فإنه بات من الصعوبة بمكان أن يكون لدى إسرائيل أي نشاط استخباراتي في إيران. كما أن السفارات الأمريكية في كثير من بلدان العالم تعمل كمدير وحاضن لكثير من شبكات التجسس، ويدل على ذلك تجربة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وكذلك تجربة روسيا في الحرب الباردة،حيث كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في كافة أنحاء العالم تستفيد من سفاراتها لتأمين تغطية لبعض نشاطاتها وذلك بالاستفادة من الحماية الدبلوماسية التي تتمتع بها السفارات ولذلك فإن حرمان إسرائيل وأمريكا وبريطانيا من هذه الإمكانية المهمة في إيران، كان قد وجه ضربة موجعة لا تعوض لجميع خططهم الاستخباراتية وهذا ما دفع كلاً من أمريكا وإسرائيل إلى الاستعانة بالسفارات الصديقة معتمدتين على المعلومات المتاحة بين يديهما، وحتى إنهما يطلبان من البلدان الأوربية والآسيوية والعربية أن ترسل موظفيها الاستخباراتيين إلى إيران من أجل تأمين تغطية للأعمال التي يقوم بها عملاؤها.
ونذكر هنا حدثين مهمين وقعا عام 2009م والسنتين اللتين تلتا هذا العام، بحيث ان كلاً من إسرائيل وبريطانيا وأمريكا وبعض الدول الغربية الأخرى وصلت لنتيجة، أنه ينبغي ان تحتدم حربهم الاستخباراتية مع إيران، وأن يبدأوا عصراً جديداً من المواجهة الخفية.
فتنة عام 2009م [1] أتاحت للأجهزة الغربية الفرصة كي تدخل مجددا إلى إيران لتعيد إحياء دور بعض الشبكات التجسسية التي بقيت لسنوات غير فعالة، بعبارة أخرى، إن المناخ السياسي والأمني والاجتماعي الناجم عن فتنة عام 2009م هيأ بنية تحتية لبدء دور جديد لنشاط الخلايا الاستخباراتية الغربية في إيران، وذلك بالتزامن مع بدء الثورات الإسلامية في المنطقة. كان قد وضع إيران لجهة لم شمل كل القوى الوطنية، في موقع استثنائي، وقد هيأ مجموع الظروف الداخلية والإقليمية الوضع كي يصل الغرب بأكمله إلى نتيجة مفادها؛ أنهم في حال لم يوقفوا إيران بالسرعة الممكنة، أو على الأقل لم يخففوا من سرعة حركتها، عندئذٍ سيأتي زمان يتأخر فيه الوقت ولن يكون حينها أية إمكانية لإيقافها، تلك الظروف التي تحدث عنها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية كمنعطف تاريخي [2] أو ظروف بدر وخيبر [3] وحيث إن الإسرائيليين يصفونها في أدبياتهم الاستراتيجية بعبارة "دخول إيران إلى منطقة الأمان[4]" وعرف الصهاينة منطقة الأمان بـ: "مكان لا يمكن فعل أي شي مع إيران بعد ذلك "يبدو أن الغرب قد وصل إلى قناعة حول خياراته تجاه إيران مفادها؛ أنه في خطة لجم إيران عن مساعيها وكبح جماحها لا بد أن يكون للعمليات الاستخباراتية موقع خاص.
وبناءً عليه فإن عصراً جديداً من حرب الاستخبارات بين إيران والغرب كان قد بدأ وأخذت حاليا شكل قوالب عديدة من أبرزها:
1-الاغتيالات
2- التخريب
3- عمليات الانترنت
4 ـ إنشاء محطات تلفزيونية معادية للثورة وإعادة إحياء تيارات فتنوية.
5- تطوير أساليب جمع المعلومات.
أسباب بدء الحرب
والسؤال الأساسي حول هذه الحرب الجديدة يتمثل في أسباب بدء هذه الحرب؟
وطبقاً لمجموعة المعطيات الحالية يمكن أن نفهرس هذه الأسباب على الشكل التالي:
ـ أول سبب مسلّم به،كان مبنيا على القلق الغربي من التطور الإيراني السريع في مجال النشاطات العلمية خصوصاً البرنامج النووي والصاروخي، وبقية التقنيات العلمية. ورغم كل الجهود، فإن سرعة البرامج الإيرانية الاساسية في المجالات النووية والصاروخية لم تتناقص بل إنها ازدادت حتى أن إيران نجحت أيضاً من الناحية الكيفية والكمية في أن تحافظ على إدارتها الكاملة لسرعة هذه النشاطات.
ـ السبب الثاني، ودون أدنى شك، يتمثل بظهور تيار فتنوي في إيران ـ وكما قلنا ـ هيأت أرضية وبيئة ضرورية لتجدد نشاط الخلايا الغربية في إيران وحيث إنها سمحت لهم ببدء النشاطات في إيران التي لم يكن لديها اي إمكانية لبدئها في الظروف العادية. ومنذ عام 2009م،كانت كل من إسرائيل وأمريكا ينظران إلى هذا التيار الفتنوي كرأسمال ثمين ينبغي الاحتفاظ به بأي وسيلة كانت، علما بأن هذا التيار هو في الاساس ثمرة ونتاج مشروع استخباراتي في إيران عمره على الأقل 20 عاماً.
ـ السبب الثالث الذي نريد أن نتطرق إليه بشكل مفصل، هو بدء عصر جديد من الحرب الاستخباراتية مع إيران التي خرج فيها الغرب بعد تقويم تاريخي لأساليب سياساتهم تجاه إيران، ولم تظهر فيها أي استراتيجية ذات خيار وحيد للتحكم بإيران بل ظهور سياسة التحكم ـ أو إيقاف إيران في منعطف تاريخي وتحويل وضعها من حالة "بدر و خيبر" إلى حالة "شعب أبي طالب" ـ وأفضل الأساليب المتبعة هو مجموعة من خيارات الضغط التي تتضمن: خلق حالة من التهديد العسكري والعقوبات والعمليات الاستخباراتية والتفاوض والسعي للتأثير على العمليات الداخلية الإيرانية مع التركيز على دعم روح الفتنة الداخلية وكذلك الجمع بين العمليات النفسية والإعلامية.
ـ السبب الرابع لبدء هذه الحرب الجديدة، يتمثل في العلاقات الاستخباراتية بين أميركا وإسرائيل حول إيران، فلأكثر من سنتين وإسرائيل تضغط على أمريكا للدخول في صراع عسكري مباشر مع إيران، إلا أن الأمريكيين لا يميلون أبداً إلى الدخول في هكذا سيناريو مدمر، ولذلك فإن أمريكا حاولت استخدام خيارات أخرى من الضغط من ضمنها الاستثمار الواسع لخيار الحرب الاستخباراتية ضد إيران دون حاجة الدخول في نزاع عسكري، ودون أدنى شك، إن جزءاً كبيراً من حرب الاستخبارات الفعلية بين الغرب وإيران، ذو صلة بالعلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب.
ـ إن السبب الخامس لهذه الظاهرة يمكن أن نسميها أزمة استراتيجية غربية في الاشراف على البيئة الداخلية لإيران، بحيث إن أمريكا بقيت عاجزة عن الفهم الصحيح للوضع الداخلي الإيراني وظروف قوتها وآلية صنع القرار فيها، وآخر حالات العلاقة بين الدولة والشعب والديناميكية الداخلية للأحداث في المجتمع الإيراني وذلك في ظل اكتفائها بتقارير ثانوية أو الاكتفاء بجمع وتحليل معلومات غير واضحة في الاساس، لقد أظهرت فتنة عام 2009م للغرب، أن ثمة أشياء كثيرة تجهلها عن إيران، وبناءً عليه فإنه يبدو أن الغرب حينها قد قرر أن يسد هذا الخلل ليقوم بعد ذلك بعمليات استخباراتية واسعة في الداخل الإيراني.
أهداف الحرب
ما قلناه حتى الآن هو في المجمل توصيف لسبب بدء الدور الجديد للحرب الاستخباراتية بين إيران والغرب، وبعد فهم الأسباب فإنه يأتي دور أن نرى هدف هذه الحرب، والأهداف التالية الواردة أدناه هي من صلب برامج عمل الأجهزة الغربية في الحرب الاستخباراتية مع إيران.
ـ الهدف الأول هو إيجاد إشراف استخباراتي للغرب على مجموعة أهداف لاصطيادها في الوقت واللحظة المناسبتين.
ـ الهدف الثاني هو إبطاء أو إذا كان ذلك ممكناً إيقاف البرامج الصناعية الأساسية والعملية والدفاعية لإيران.
ـ الهدف الثالث هو إيجاد حالة من الرعب في المجتمع الإيراني لجهة تواجده في المشاريع الوطنية وفي المحصلة تحريك هذه المشاريع نحو الموت التدريجي.
وأخيراً، خلق حالة من السخط الاجتماعي الواسع عن طريق القيام بعمليات تخريبية كبيرة وإفساد الأنظمة الحياتية الاجتماعية وكذلك خلخلة المسار العام للخدمات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتنة عام 2009م: أو كما تعرف وفق التقويم الهجري الشمسي الإيراني بفتنة عام 1388هـ.ش، وهي إحدى الفتن التي أثيرت في إيران عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009م والتي تمثلت في أحداث الشغب والفتنة التي عمل الغرب على إثارتها في الشارع الإيراني وتأجيج نارها، إلا أن الرد جاء من قبل الشعب الإيراني الذي تواجد في الساحات العامة ونظم تظاهرات عارمة في ملحمة الثلاثين من ديسمبر في نفس العام ووضع نهاية لهذه الفتنة.
[2] مرشد الثورة عام 2011م وخلال بيان قرأه أمام سكان محافظة كرمانشاه، بيّن مفهوم تموضع العالم ومن ضمنه إيران في منعطف تاريخي، قائلاً: "حاليا ثمة منعطف تاريخي. شعبنا العزيز، الشعوب المسلمة، الشعب الإسلامي العظيم، يستطيعون اليوم أن يلعبوا دوراً. وهنا الإسلام، تعاليم الإسلام، نهج الإسلام يصب في خدمة الناس".
[3] أكد قائد الثورة الإسلامية على هذه النقطة عام 2011م بأن إيران حاليا في حالة "بدر وخيبر "وليست في حالة "شِعب أبي طالب"، وقد بين مرشد الثورة هذه المسألة بشكل جلي بتاريخ 2012م أمام مسؤولين إيرانيين قائلاً: " إن حالة بدر وخيبر هي التهديد والتحدي، ولكنها لا تعني أن الطريق مغلق، ففي معركة بدر كانت الإمكانيات محدودة، إلا أن النصر كتب لهم. في حين كانت إمكانيات الطرف الآخر مضاعفة، ولا يمكن أن تقاس مع إمكانيات جبهة الإسلام. وفي خيبر كان هناك صعوبة، ذهبوا إلى هناك ومكثوا فيها، وكان ثمة مقاومة شديدة، وقد كتب لهم النصر. كان هناك تحدٍ، ولكن أمام هذا التحدي، كان هناك القدرة والاستعداد والإمكانية أيضاً، وهذا هو معنى حالة بدر وخيبر. وفي حال أننا هيئنا هذه الإمكانية، وقللنا من نقاط الضعف، فإننا سنتقدم".
[4] تعود هذه العبارة إلى إيهود باراك وزير دفاع الكيان الصهيوني وقد استخدم هذه العبارة مراراً. وكان يقول في تصريحاته في الكنيست الإسرائيلي عام 2011م: "سيأتي زمان يدخلون فيه (يقصد هنا الإيرانيين) إلى شيء يمكن أن نطلق عليه منطقة الأمان، هي مرحلة لن يكون بمقدور أي عملية أن تمنعهم من إمكانياتهم النووية، وربما بعد هذه المرحلة يمكن أن يطمئنوا أنه لا إسرائيل ولا أمريكا سيكون بمقدورهما أن يقفوا في طريق أي عملية، وفي هذه الحالة فإنهم من الطبيعي أن يفكروا بأنه: "حسناً، في الوقت الحالي بات في مقدورنا خيار اتخاذ قرار حول زمان وكيفية الحصول على إمكانيات نووية عسكرية".
ترجمة: علي العبدالله
موقع جهان نيوز
إن حرباً استخباراتية سرية تدور رحاها بين إيران والغرب.حرب يمكن وصفها بأنها متوارية وصامتة، لكن هذه الحرب الصامتة حاليا تحولت إلى أحد أكثر الأخبار سخونة في المواجهة بين إيران والغرب؛ فطيلة العامين الماضيين لم يكد يمر يوم إلا ونشر خبر يرسم أبعاداً جديدة لهذه الحرب، بل إن الحديث الواضح عن هذه الحرب الخفية بات اليوم الشغل الشاغل للسياسيين الأمريكيين والإسرائيليين.
حتى إن مسؤولي الاستخبارات والدفاع الغربيين ضالعون في الحرب الاستخباراتية هذه، والتي لم تبق في مأمن من أحاديث وسائل الإعلام. واللافت للاهتمام أيضاً أن شخصاً مثل "إيهود باراك" وزير دفاع الكيان الصهيوني هو في حالة صراع داخل البيت الإسرائيلي، مع بنيامين نيتنياهو، وهما في سباق راديكالي محموم ضد إيران، كما أنه يؤيد بصراحة قلّ نظيرها مسألة أن "إيران وإسرائيل في السنوات السابقة كانتا في حالة حرب صامتة" وبناءً عليه، فإن الحرب الاستخباراتية الصامتة بين إيران والغرب التي يبدو أن الصهاينة يلعبون فيها دور "المتعهد" في حربٍ تخوضها بالوكالة، هي اليوم أحد أهم الجوانب المعروفة للتحدي الاستراتيجي بين إيران وأمريكا ويعتبر معرفة أبعادها وزواياها ضرورة حتمية.
نحاول في هذا المقال أن نجد إجابة لأسئلة عدة تهدف إلى تقديم روايات وتحليلات لأبعاد هذه الحرب العميقة والخفية بالطبع.
1- ما هو الدور الجديد لحرب الاستخبارات بين إيران والغرب ومنذ متى بدأت؟
2- ما هي أبعاد وأساليب حرب الاستخبارات؟
3- من هي الأطراف المتصارعة في هذه الحرب؟
4- ما هي الأهداف التي يسعى إليها كل من هذه الأطراف المتصارعة؟
5- أيّ من هذه الأطراف خرج منتصراً؟
6- والسؤال الأخير: ما هي مظاهر هذه الحرب وفي أي جهة تتحرك أطراف النزاع؟
عندما نتحدث عن حرب الاستخبارات بين إيران والغرب، فإنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار قبل كل شيء أن هناك تاريخاً حافلاً بالأحداث، حيث إن إيران الإسلامية ومنذ أن تنفست الثورة الإسلامية عام 1979م كانت قد شهدت حرباً استخباراتية مع مجموعة من الأجهزة الأجنبية التي كانت تعمل لمصلحة شبكات تجسس داخلية تواجدت قبل الثورة، إلا أنهم لم يتمكنوا من إبقاء هذه الشبكات فعالة ونشطة في ظروف حساسة بعد قيام الثورة الإسلامية، وعلى كل حل طالما أنها مرتبطة بإسرائيل وأمريكا فإن ثمة أدلة مهمة تثبت وجود شبكات تجسس تعمل لمصلحتهما في إيران بعد الثورة.
وباعتبار أنه لم يكن لدى أمريكا أي سفارة في إيران، وفي ظل تأكيد إيران على ضرورة قطع أي نوع من أنواع العلاقات الرسمية وغير الرسمية مع إسرائيل، فإنه بات من الصعوبة بمكان أن يكون لدى إسرائيل أي نشاط استخباراتي في إيران. كما أن السفارات الأمريكية في كثير من بلدان العالم تعمل كمدير وحاضن لكثير من شبكات التجسس، ويدل على ذلك تجربة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وكذلك تجربة روسيا في الحرب الباردة،حيث كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في كافة أنحاء العالم تستفيد من سفاراتها لتأمين تغطية لبعض نشاطاتها وذلك بالاستفادة من الحماية الدبلوماسية التي تتمتع بها السفارات ولذلك فإن حرمان إسرائيل وأمريكا وبريطانيا من هذه الإمكانية المهمة في إيران، كان قد وجه ضربة موجعة لا تعوض لجميع خططهم الاستخباراتية وهذا ما دفع كلاً من أمريكا وإسرائيل إلى الاستعانة بالسفارات الصديقة معتمدتين على المعلومات المتاحة بين يديهما، وحتى إنهما يطلبان من البلدان الأوربية والآسيوية والعربية أن ترسل موظفيها الاستخباراتيين إلى إيران من أجل تأمين تغطية للأعمال التي يقوم بها عملاؤها.
ونذكر هنا حدثين مهمين وقعا عام 2009م والسنتين اللتين تلتا هذا العام، بحيث ان كلاً من إسرائيل وبريطانيا وأمريكا وبعض الدول الغربية الأخرى وصلت لنتيجة، أنه ينبغي ان تحتدم حربهم الاستخباراتية مع إيران، وأن يبدأوا عصراً جديداً من المواجهة الخفية.
فتنة عام 2009م [1] أتاحت للأجهزة الغربية الفرصة كي تدخل مجددا إلى إيران لتعيد إحياء دور بعض الشبكات التجسسية التي بقيت لسنوات غير فعالة، بعبارة أخرى، إن المناخ السياسي والأمني والاجتماعي الناجم عن فتنة عام 2009م هيأ بنية تحتية لبدء دور جديد لنشاط الخلايا الاستخباراتية الغربية في إيران، وذلك بالتزامن مع بدء الثورات الإسلامية في المنطقة. كان قد وضع إيران لجهة لم شمل كل القوى الوطنية، في موقع استثنائي، وقد هيأ مجموع الظروف الداخلية والإقليمية الوضع كي يصل الغرب بأكمله إلى نتيجة مفادها؛ أنهم في حال لم يوقفوا إيران بالسرعة الممكنة، أو على الأقل لم يخففوا من سرعة حركتها، عندئذٍ سيأتي زمان يتأخر فيه الوقت ولن يكون حينها أية إمكانية لإيقافها، تلك الظروف التي تحدث عنها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية كمنعطف تاريخي [2] أو ظروف بدر وخيبر [3] وحيث إن الإسرائيليين يصفونها في أدبياتهم الاستراتيجية بعبارة "دخول إيران إلى منطقة الأمان[4]" وعرف الصهاينة منطقة الأمان بـ: "مكان لا يمكن فعل أي شي مع إيران بعد ذلك "يبدو أن الغرب قد وصل إلى قناعة حول خياراته تجاه إيران مفادها؛ أنه في خطة لجم إيران عن مساعيها وكبح جماحها لا بد أن يكون للعمليات الاستخباراتية موقع خاص.
وبناءً عليه فإن عصراً جديداً من حرب الاستخبارات بين إيران والغرب كان قد بدأ وأخذت حاليا شكل قوالب عديدة من أبرزها:
1-الاغتيالات
2- التخريب
3- عمليات الانترنت
4 ـ إنشاء محطات تلفزيونية معادية للثورة وإعادة إحياء تيارات فتنوية.
5- تطوير أساليب جمع المعلومات.
أسباب بدء الحرب
والسؤال الأساسي حول هذه الحرب الجديدة يتمثل في أسباب بدء هذه الحرب؟
وطبقاً لمجموعة المعطيات الحالية يمكن أن نفهرس هذه الأسباب على الشكل التالي:
ـ أول سبب مسلّم به،كان مبنيا على القلق الغربي من التطور الإيراني السريع في مجال النشاطات العلمية خصوصاً البرنامج النووي والصاروخي، وبقية التقنيات العلمية. ورغم كل الجهود، فإن سرعة البرامج الإيرانية الاساسية في المجالات النووية والصاروخية لم تتناقص بل إنها ازدادت حتى أن إيران نجحت أيضاً من الناحية الكيفية والكمية في أن تحافظ على إدارتها الكاملة لسرعة هذه النشاطات.
ـ السبب الثاني، ودون أدنى شك، يتمثل بظهور تيار فتنوي في إيران ـ وكما قلنا ـ هيأت أرضية وبيئة ضرورية لتجدد نشاط الخلايا الغربية في إيران وحيث إنها سمحت لهم ببدء النشاطات في إيران التي لم يكن لديها اي إمكانية لبدئها في الظروف العادية. ومنذ عام 2009م،كانت كل من إسرائيل وأمريكا ينظران إلى هذا التيار الفتنوي كرأسمال ثمين ينبغي الاحتفاظ به بأي وسيلة كانت، علما بأن هذا التيار هو في الاساس ثمرة ونتاج مشروع استخباراتي في إيران عمره على الأقل 20 عاماً.
ـ السبب الثالث الذي نريد أن نتطرق إليه بشكل مفصل، هو بدء عصر جديد من الحرب الاستخباراتية مع إيران التي خرج فيها الغرب بعد تقويم تاريخي لأساليب سياساتهم تجاه إيران، ولم تظهر فيها أي استراتيجية ذات خيار وحيد للتحكم بإيران بل ظهور سياسة التحكم ـ أو إيقاف إيران في منعطف تاريخي وتحويل وضعها من حالة "بدر و خيبر" إلى حالة "شعب أبي طالب" ـ وأفضل الأساليب المتبعة هو مجموعة من خيارات الضغط التي تتضمن: خلق حالة من التهديد العسكري والعقوبات والعمليات الاستخباراتية والتفاوض والسعي للتأثير على العمليات الداخلية الإيرانية مع التركيز على دعم روح الفتنة الداخلية وكذلك الجمع بين العمليات النفسية والإعلامية.
ـ السبب الرابع لبدء هذه الحرب الجديدة، يتمثل في العلاقات الاستخباراتية بين أميركا وإسرائيل حول إيران، فلأكثر من سنتين وإسرائيل تضغط على أمريكا للدخول في صراع عسكري مباشر مع إيران، إلا أن الأمريكيين لا يميلون أبداً إلى الدخول في هكذا سيناريو مدمر، ولذلك فإن أمريكا حاولت استخدام خيارات أخرى من الضغط من ضمنها الاستثمار الواسع لخيار الحرب الاستخباراتية ضد إيران دون حاجة الدخول في نزاع عسكري، ودون أدنى شك، إن جزءاً كبيراً من حرب الاستخبارات الفعلية بين الغرب وإيران، ذو صلة بالعلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب.
ـ إن السبب الخامس لهذه الظاهرة يمكن أن نسميها أزمة استراتيجية غربية في الاشراف على البيئة الداخلية لإيران، بحيث إن أمريكا بقيت عاجزة عن الفهم الصحيح للوضع الداخلي الإيراني وظروف قوتها وآلية صنع القرار فيها، وآخر حالات العلاقة بين الدولة والشعب والديناميكية الداخلية للأحداث في المجتمع الإيراني وذلك في ظل اكتفائها بتقارير ثانوية أو الاكتفاء بجمع وتحليل معلومات غير واضحة في الاساس، لقد أظهرت فتنة عام 2009م للغرب، أن ثمة أشياء كثيرة تجهلها عن إيران، وبناءً عليه فإنه يبدو أن الغرب حينها قد قرر أن يسد هذا الخلل ليقوم بعد ذلك بعمليات استخباراتية واسعة في الداخل الإيراني.
أهداف الحرب
ما قلناه حتى الآن هو في المجمل توصيف لسبب بدء الدور الجديد للحرب الاستخباراتية بين إيران والغرب، وبعد فهم الأسباب فإنه يأتي دور أن نرى هدف هذه الحرب، والأهداف التالية الواردة أدناه هي من صلب برامج عمل الأجهزة الغربية في الحرب الاستخباراتية مع إيران.
ـ الهدف الأول هو إيجاد إشراف استخباراتي للغرب على مجموعة أهداف لاصطيادها في الوقت واللحظة المناسبتين.
ـ الهدف الثاني هو إبطاء أو إذا كان ذلك ممكناً إيقاف البرامج الصناعية الأساسية والعملية والدفاعية لإيران.
ـ الهدف الثالث هو إيجاد حالة من الرعب في المجتمع الإيراني لجهة تواجده في المشاريع الوطنية وفي المحصلة تحريك هذه المشاريع نحو الموت التدريجي.
وأخيراً، خلق حالة من السخط الاجتماعي الواسع عن طريق القيام بعمليات تخريبية كبيرة وإفساد الأنظمة الحياتية الاجتماعية وكذلك خلخلة المسار العام للخدمات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتنة عام 2009م: أو كما تعرف وفق التقويم الهجري الشمسي الإيراني بفتنة عام 1388هـ.ش، وهي إحدى الفتن التي أثيرت في إيران عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009م والتي تمثلت في أحداث الشغب والفتنة التي عمل الغرب على إثارتها في الشارع الإيراني وتأجيج نارها، إلا أن الرد جاء من قبل الشعب الإيراني الذي تواجد في الساحات العامة ونظم تظاهرات عارمة في ملحمة الثلاثين من ديسمبر في نفس العام ووضع نهاية لهذه الفتنة.
[2] مرشد الثورة عام 2011م وخلال بيان قرأه أمام سكان محافظة كرمانشاه، بيّن مفهوم تموضع العالم ومن ضمنه إيران في منعطف تاريخي، قائلاً: "حاليا ثمة منعطف تاريخي. شعبنا العزيز، الشعوب المسلمة، الشعب الإسلامي العظيم، يستطيعون اليوم أن يلعبوا دوراً. وهنا الإسلام، تعاليم الإسلام، نهج الإسلام يصب في خدمة الناس".
[3] أكد قائد الثورة الإسلامية على هذه النقطة عام 2011م بأن إيران حاليا في حالة "بدر وخيبر "وليست في حالة "شِعب أبي طالب"، وقد بين مرشد الثورة هذه المسألة بشكل جلي بتاريخ 2012م أمام مسؤولين إيرانيين قائلاً: " إن حالة بدر وخيبر هي التهديد والتحدي، ولكنها لا تعني أن الطريق مغلق، ففي معركة بدر كانت الإمكانيات محدودة، إلا أن النصر كتب لهم. في حين كانت إمكانيات الطرف الآخر مضاعفة، ولا يمكن أن تقاس مع إمكانيات جبهة الإسلام. وفي خيبر كان هناك صعوبة، ذهبوا إلى هناك ومكثوا فيها، وكان ثمة مقاومة شديدة، وقد كتب لهم النصر. كان هناك تحدٍ، ولكن أمام هذا التحدي، كان هناك القدرة والاستعداد والإمكانية أيضاً، وهذا هو معنى حالة بدر وخيبر. وفي حال أننا هيئنا هذه الإمكانية، وقللنا من نقاط الضعف، فإننا سنتقدم".
[4] تعود هذه العبارة إلى إيهود باراك وزير دفاع الكيان الصهيوني وقد استخدم هذه العبارة مراراً. وكان يقول في تصريحاته في الكنيست الإسرائيلي عام 2011م: "سيأتي زمان يدخلون فيه (يقصد هنا الإيرانيين) إلى شيء يمكن أن نطلق عليه منطقة الأمان، هي مرحلة لن يكون بمقدور أي عملية أن تمنعهم من إمكانياتهم النووية، وربما بعد هذه المرحلة يمكن أن يطمئنوا أنه لا إسرائيل ولا أمريكا سيكون بمقدورهما أن يقفوا في طريق أي عملية، وفي هذه الحالة فإنهم من الطبيعي أن يفكروا بأنه: "حسناً، في الوقت الحالي بات في مقدورنا خيار اتخاذ قرار حول زمان وكيفية الحصول على إمكانيات نووية عسكرية".
ترجمة: علي العبدالله
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018