ارشيف من :أخبار عالمية
الامام الخامنئي خلال افتتاح قمة عدم الانحياز: نمر بمرحلة تشكل عالم متعدد الاقطاب وعلى حركة عدم الانحياز أخذ دورها الريادي في مواجهة الهيمنة
أكد آية الله العظمى سماحة الامام السيد علي الخامنئي، أن الاسلام يدعو إلى العدالة والإحسان والتعاون الاخوي بين الشعوب، معتبراً أن الإسلام يشكل رصيدا لتأسيس مجتمعات حرة تتمتع بالتقدم والعدالة، وأشار إلى أن الحوادث الأخيرة تدل على أن ظهور القوى الجديدة تزامن مع بروز ضعف القوى القديمة.
وفي كلمة ألقاها خلال افتتاح القمة السادسة عشرة لدول عدم الانحياز التي انعقدت في طهران بمشاركة مئة وعشرين دولة، قال السيد الخامنئي "اجتمعنا هنا لنتواصل حسب مقتضيات العالم الراهن واحتياجاته، فالحاجة متواصلة لاستمرار الحركة وذلك مع تطور أدوات الهيمنة واتساعها"، واضاف "يجب التمكن من تشكيل وتأمين مشاركة ديمقراطية عالمية على صعيد الادارة الدولية. وتضامننا هو من الضروريات لبلورة نظام عالمي جديد".
الامام الخامنئي الذي لفت إلى أن الإدارة الأميركية تتزعم اليوم قوى الهيمنة في العالم، أشار إلى أن الأهداف الأساسية للحركة تتمثل بمكافحة الإستعمار وتحقيق الإستقلال وعدم التبعية ورفع مستوى التضامن بين الدول، ودعا قوى العالم لعدم الخضوع لديكتاتورية بعض الدول الغربية، ولا سيما أن الفرصة متاحة اليوم أمام الحركة لكي يكون لها تأثير كبير على مستوى العالم.

وفيما أكد أن حركة عدم الانحياز تستطيع أن تقوم بدور جديد، خصوصاً أن الارادة الجماعية تبعث على الأمل في مواجهة تيار الهيمنة، رأى أن افق التطورات العالمية يبشر بنظام متعدد الوجوه في ظل تراجع اقطاب القوة التقليدية، وشدد على أن مجلس الأمن الدولي يقوم على آليات غير منطقية وغير عادلة وغير ديمقراطية،
وتحدث سماحته عن إزدواجية المعايير التي تمارسها أميركا وأعوانها بحق الشعوب في المنطقة والعالم، مشدداً على أن الدول التي تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية ليس لها الإرادة للتخلي عن هذه الأسلحة الخطرة، ولفت إلى أن نزع أسلحة الدمار الشامل بات ضرورة ملحة اليوم، مؤكداً أن إيران رفعت شعار شرق أوسط خال من الأسلحة النووي وهي ملتزمة به، لكن معارضتنا للسلاح النووي لا يعني التخلي عن حق الإستفادة السلمية من الطاقة النووية.
وأضاف "من حق الجميع استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية من أجل شعوبهم وبلدانهم"، مذكّراً بأن أميركا تمتلك أكبر ترسانة نووية واستخدمت هذا السلاح، ولفت إلى أن الإدارة الأميركية والغرب زرعوا الكيان الصهيوني الغاصب وزودوه بالاسلحة النووية والمضحك المبكي أنهم يتحدثون عن عدم انتشار السلاح النووي.
وركز الامام الخامنئي في كلمته على القضية الفلسطينية، فقال "مأساة القضية الفلسطينية هي اهم قضايا المجتمع الانساني، فبعد 65 عاماً لاتزال الذئاب الصهيونية ترتكب الجرائم بحق الفلسطينيين ويعرضون المنطقة لأزمات جديدة، فالكيان الصهيوني مارس الإرهاب على الشعب الفلسطيني ويطلق على الشعب الفلسطيني صفة الإرهاب"، مؤكداً أن مقاومة شعب متحد وذي عزيمة راسخة بوسعها التغلب على كل الهجمات المعاندة، وشدد على أن فلسطين ملك للفلسطينيين واستمرار احتلالها ظلم كبير وخطر على السلم الدولي.
وجدد الامام الخامنئي مقترح الإستفتاء حول تقرير المصير في فلسطين، موضحاً أن مقترح الإستفتاء مشروط بعودة الفلسطينيين من الشتات إلى ديارهم، ولفت في الختام إلى أن انعقاد مؤتمر حركة عدم الإنحياز في طهران له دلالاته وينبغي أن يؤخذ بالحسبان، ويجب أن نرسخ عزيمتنا ونكون أوفياء لأهداف حركة عدم الإنحياز، داعياً إلى صياغة ورقة فعالة لحركة عدم الانحياز وتشكيل امانة عامة لتنفيذ هذه الورقة.
وفي ما يلي النص الحرفي لخطاب الامام الخامنئي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأعظم الأمين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء و المرسلين.
نرحب بکم أيها الضيوف الأعزاء الرؤساء و الوفود الممثلة لبلدان حرکة عدم الانحياز، وسائر المشارکين في هذا المؤتمر الدولي الکبير.
لقد اجتمعنا هنا لنواصل بعون الله وهدايته، وحسب مقتضيات العالم الراهن واحتياجاته، المسيرة والتيار الذي تأسّس قبل ستة عقود بفضل وعي وشجاعة عدد من القادة السياسيين المخلصين ذوي الشعور بالمسؤولية و تشخيصهم للظروف، بل ونبثّ فيه روحاً وحرکة جديدتين.
لقد اجتمع ضيوفنا هنا من مناطق بعيدة و قريبة جغرافياً، وهم ينتمون لشعوب وأعراق متنوعة و ذات ميول عقيدية وثقافية وتاريخية و تراثية شتى، ولکن کما قال «أحمد سوکارنو» أحد مؤسسي هذه الحرکة في مؤتمر باندونغ المعروف سنة 1955 م فإن أساس تشکيل عدم الانحياز ليس الوحدة الجغرافية ولا العرقية ولا الدينية، بل وحدة الحاجة. في ذلك اليوم کانت البلدان الأعضاء في حرکة عدم الانحياز بحاجة إلى أواصر تستطيع أن تحميها من هيمنة الشبکات المقتدرة والمستکبرة والجشعة. واليوم فإن هذه الحاجة لا تزال قائمة مع تطوّر أدوات الهيمنة و اتساعها.
وأريد أن أثير حقيقة أخرى..
لقد علّمنا الإسلام أن للبشر رغم تنوّعهم العرقي واللغوي والثقافي فطرة واحدة تدعوهم للطهر والعدالة والإحسان والتعاطف والتعاون، وهذه الطبيعة المشترکة هي التي إن افلتت بسلام من الدوافع المُضلّلة فستهدي البشر إلى التوحيد و معرفة ذات الله تعالى.
إن هذه الحقيقة الساطعة لها القدرة على أن تکون رصيداً وسنداً لتأسيس مجتمعات حرّة شامخة تتمتّع بالتقدّم والعدالة إلى جانب بعضهما، وتنشر إشعاعات الروح المعنوية على کل الأنشطة المادية والدنيوية للبشر، وتوفّر لهم جنّة دنيوية قبل الجنّة الأخروية الموعودة في الأديان الإلهية. ونفس هذه الحقيقة المشترکة العامة هي التي يمکنها أن تُرسي دعائم حالات من التعاون الأخوي بين شعوب لا شبه في ما بينها من حيث الشکل الظاهري والسوابق التاريخية والإقليمية الجغرافية.
متى ما قام التعاون الدولي على مثل هذا الأساس فسوف تشيّد الدول العلاقات في ما بينها لا على رکائز الخوف والتهديد، أو الجشع و المصالح الأحادية الجانب، أو سمسرة الخونة و البائعين لأنفسهم، بل على أساس المصالح السليمة والمشترکة، وفوق ذلك المصالح الإنسانية، ويُريحوا بذلك ضمائرهم اليقظة وبالَ شعوبهم من الهموم.
هذا النظام المبدئي يقف على الضدّ من نظام الهيمنة الذي اطلقته القوى الغربية المتسلّطة في القرون الأخيرة، وروّجت له وکانت السبّاقة إليه، وتفعل ذلك في الوقت الحاضر الحکومة الأمريکية المعتدية المتعسّفة.
أيها الضيوف الأعزاء...
لا تزال المبادئ و الأهداف الأصلية لحرکة عدم الانحياز اليوم قائمة حيّة رغم مرور ستة عقود.. مبادئ مثل مکافحة الاستعمار، والاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي، وعدم الالتزام لأقطاب القوة في العالم، ورفع مستوى التضامن والتعاون بين البلدن الأعضاء. والواقع في العالم اليوم ليس بالقريب من هذه المبادئ والأهداف، لکن الإرادة الجمعية والمساعي الشاملة لتجاوز هذا الواقع والوصول إلى المبادئ والأهداف تبعث على الأمل والنتائج الإيجابية رغم ما يحفّها من التحديات.
لقد شهدنا في الماضي القريب انهيار سياسات فترة الحرب الباردة، وما تلا ذلك من الأحادية القطبية. والعالم باستلهامه العبر من هذه التجربة التاريخية يمرّ بفترة انتقالية إلى نظام دولي جديد، وبمقدور حرکة عدم الانحياز ويجب عليها أن تمارس دوراً جديداً. ينبغي أن يقوم هذا النظام على أساس المشارکة العامة و المساواة في الحقوق بين الشعوب، وتضامننا نحن البلدان الأعضاء في هذه الحرکة من الضروريات البارزة في الوقت الراهن لأجل انبثاق هذا النظام الجديد.
لحسن الحظ فإن أفق التطورات العالمية يبشّر بنظام متعد[د الوجوه تترك فيه أقطاب القوة التقليدية مکانها لمجموعة من البلدان والثقافات والحضارات المتنوعة ذات المنابت الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المختلفة. الأحداث المذهلة التي شهدناها طوال العقود الثلاثة الأخيرة تشير بوضوح إلى أن انبثاق القوى الجديدة کان مصحوباً بضعف القوى القديمة. وهذا التغيّر التدريجي في القوة يمنح بلدان عدم الانحياز الفرصة لتتولى دوراً مؤثراً و مناسباً في الساحة العالمية، وتوفّر الأرضية لإدارة عادلة ومشترکة حقاً للعالم. لقد استطعنا نحن البلدان الأعضاء في هذه الحرکة الحفاظ على تضامننا وأواصرنا في إطار المبادئ والأهداف المشترکة لفترة طويلة من الزمن على الرغم من تنوّع الميول والتصوّرات، وهذا ليس بالمکسب الصغير أو البسيط. هذه الأواصر بوسعها أن تکون الرصيد للانتقال إلى نظام إنساني عادل.
الظروف الراهنة في العالم فرصة قد لا تتکرّر لحرکة عدم الانحياز. ما نقوله هو أن غرفة عمليات العالم يجب أن لا تُدار بدکتاتورية عدة بلدان غربية. ينبغي التمکّن من تشکيل و تأمين مشارکة ديمقراطية عالمية على صعيد الإدارة الدولية. هذه هي حاجة کل البلدان التي تضرّرت وتتضرّر بشکل مباشر وغير مباشر من تطاول عدة بلدان تسلطية متعسّفة.
مجلس الأمن الدولي ذو بنية و آليات غير منطقة و غير عادلة و غير ديمقراطية بالمرّة. هذه دکتاتورية علنية و وضع قديم منسوخ انقضى تاريخ استهلاکه. و قد استغلت أمريکا و أعوانها هذه الآليات المغلوطة فاستطاعت فرض تعسّفها على العالم بلبوس المفاهيم النبيلة. إنهم يقولون «حقوق الإنسان» و يقصدون المصالح الغربية، و يقولون «الديمقراطية» و يضعون محلّها التدخل العسکري في البلدان، و يقولون «محاربة الإرهاب» و يستهدفون بقنابلهم و أسلحتهم الناس العزّل في القرى و المدن. البشر من وجهة نظرهم ينقسمون إلى مواطنين من الدرجة الأولى والثانية والثالثة. أرواح البشر في آسيا و أفريقيا و أمريکا اللاتينية رخيصة، و في أمريکا و غرب أوربا غالية. والأمن الأمريکي والأوربي مهم، و أمن باقي البشر لا أهمية له. والتعذيب والاغتيالات إذا جاءت على يد الأمريکان و الصهاينة و عملائهم فهي جائزة و ممکن غضّ الطرف عنها تماماً. و لا تؤلم ضمائرهم سجونهم السريّة التي تشهد في مناطق متعددة من العالم في شتى القارات أقبحَ و أبشعَ السلوکيات مع السجناء العزّل الذين لا محام لهم ولا محاکمات. الحسن والسيئ أمور انتقائیة تماماً وذات تعاريف أحادية الجانب. يفرضون مصالحهم على الشعوب باسم القوانين الدولية، و کلامَهم التعسّفي غير القانوني باسم المجتمع العالمي، و يستخدمون شبکاتهم الإعلامية الاحتکارية المنظمة ليظهروا أکاذيبهم حقيقة، وباطلهم حقاً، وظلمهم عدالة، وفي المقابل يسمّون أي کلام حق يفضح مخادعاتهم کذباً، وأية مطاليب حقة تمرداً.
أيها الأصدقاء.. هذا الواقع المعيب البالغ الأضرار مما لا يمکن مواصلته. الکلّ تعبوا من هذه الهندسة الدولية الخاطئة. نهضة التسعة و التسعين بالمائة في أمريکا المناهضة لمراکز الثروة والقوة في ذلك البلد، والاعتراضات العامة في بلدان أوربا الغربية على السياسات الاقتصادية لحکوماتهم تدلّ على نفاد صبر الشعوب من هذا الوضع. يجب معالجة هذا الوضع غير المعقول.
الأواصر المتينة والمنطقية والشاملة للبلدان الأعضاء في حرکة عدم الانحياز يمکنها أن تترك تأثيرات عميقة في العثور على طريق العلاج و السير فيه.
أيها الحضور المحترمون..
السلام و الأمن الدوليان من القضايا المُحرجة في عالمنا اليوم، ونزع أسلحة الدمار الشامل المُفجعة ضرورة فورية ومطلب عام. الأمن في عالم اليوم ظاهرة مشترکة لا يمکن التمييز فيها. الذين يخزنون الأسلحة اللاإنسانية في ترساناتهم لا يحقّ لهم أن يعتبروا أنفسهم حملة رايات الأمن العالمي. فهذا لن يستطيع بلا شك توفير الأمن حتى لهم. يُلاحظ اليوم للأسف الشديد أن البلدان المالکة لأکثر مقدار من الأسلحة النووية لا تحمل إرادة جادّة وحقيقية لإلغاء هذه الأدوات الإبادية من مبادئها العسکرية، ولا تزال تعتبرها عاملاً لصدّ التهديدات و مؤشراً مهماً في تعريف مکانتها السياسية والدولية. وهذه رؤية مرفوضة تماماً.
السلاح النووي لا يضمن الأمن ولا يحقق تکريس السلطة السياسية، إنما هو تهديد لکلا هذين الأمرين. لقد أثبتت أحداث عقد التسعينات من القرن العشرين أن امتلاك هذه الأسلحة لا يمکنه صيانة نظام مثل النظام السوفيتي السابق. واليوم أيضاً نعرف بلداناً تمتلك القنبلة الذرية و تتعرّض لأعنف العواصف الأمنیة.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر استخدام الأسلحة النووية والکيمياوية وأمثالها ذنباً کبيراً لا يغتفر. لقد اطلقنا شعار «شرق أوسط خال من السلاح النووي» و نلتزم بهذا الشعار. وهذا لا يعني غضّ الطرف عن حق الاستفادة السلمية من الطاقة النووية وإنتاج الوقود النووي. الاستخدام السلمي لهذه الطاقة حقّ لکل البلدان حسب القوانين الدولية. يجب أن يستطيع الجميع استخدام هذه الطاقة السليمة في شتى مجالات الحياة لبلدانهم و شعوبهم، ولا يکونوا تابعين للآخرين في تمتّعهم بهذا الحق. لكن بعض البلدان الغربية التي تمتلك هي السلاح النووي و ترتکب هذا العمل غير القانوني ترغب في أن تحتکر القدرة على إنتاج الوقود النووي. ثمة تحرّك غامض مُريب راح يتکوّن لتکريس و استمرار احتکار إنتاج و بيع الوقود النووي داخل مراکز تُسمّى دولية، لکنها في الواقع في قبضة بضعة بلدان غربية.
و السخرية المرّة في عصرنا هي أن الحکومة الأمريکية التي تمتلك أکبر مقدار من الأسلحة النووية و غيرها من أسلحة الدمار الشامل و أکثرها فتکاً، و هي الوحيدة التي ارتکبت جريمة استخدام هذه الأسلحة، تريد اليوم أن تكون حاملة راية معارضة الانتشار النووي! هم و شرکاؤهم الغربيون زوّدوا الکيان الصهيوني الغاصب بالأسلحة النووية و خلقوا تهديداً کبيراً لهذه المنطقة الحسّاسة، لکن نفس هذه الجماعة المخادعة لا تطيق الاستخدام السلمي للطاقة النووية من قبل البلدان المستقلة، بل و يعارضون بکل قدراتهم إنتاج الوقود النووي لغرض الأدوية و سائر الاستهلاکات السلمية الإنسانية، و ذريعتهم الکاذبة الخوف من إنتاج سلاح نووي. و بخصوص الجمهورية الإسلامية الإيرانية فهم أنفسهم يعلمون أنهم يکذبون، لکن الممارسات السياسية حينما لا يکون فيها أدنى أثر للمعنوية، تُجيز الکذب أیضاً. و الذي لا يستحي في القرن الحادي و العشرين من إطلاق لسانه بالتهديدات النووية هل تراه يتحاشى و يستحي من الکذب؟!
إنني أؤکد أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى أبداً للتسلح النووي، کما لن تغضّ الطرف أبداً عن حق شعبها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. شعارنا هو «الطاقة النووية للجميع، و السلاح النووي ممنوع على الجميع». و سوف نصرّ على هذين القولين، و نعلم أن کسر احتکار عدة بلدان غربية لإنتاج الطاقة النووية في إطار معاهدة حظر الانتشار هو لصالح کل البلدان المستقلة بما في ذلك البلدان الأعضاء في حرکة عدم الانحياز.
تجربة ثلاثة عقود من الصمود الناجح حيال التعسّفات و الضغوط الشاملة لأمريکا وحلفائها أوصلت الجمهورية الإسلامية إلى قناعة حاسمة فحواها أن مقاومة شعب متّحد وذي عزيمة راسخة بوسعها التغلب على کل الهجمات المخاصمة المعاندة، وفتح طريق الفخر نحو الأهداف العليا. التقدم الشامل لبلادنا في غضون العقدين الأخيرين حقيقة تنتصب أمام أعين الجميع، وقد اعترف بها المراقبون الرسميون الدوليون مراراً، وقد حصل کل هذا في ظروف الحظر والضغوط الاقتصادية والهجمات الإعلامية للشبکات التابعة لأمريکا والصهيونية. حالات الحظر التي سمّاها الهاذرون باعثة على الشلل لم تبعث على شللنا و لن تبعث عليه، و ليس هذا و حسب بل و رسّخت خُطانا، وعلّت من هممنا، وعمّقت ثقتنا بصحة تحليلاتنا و بالقدرات الداخلية لشعبنا. لقد رأينا بأعيننا مرّات و مرّات معونة الله على هذه التحدّيات.
أيها الضيوف الأعزاء...
أرى من الضروري هنا التطرّق إلى قضية جد مهمة. و مع أنها قضية تتعلق بمنطقتنا لکن أبعادها الواسعة تجاوزت هذه المنطقة و ترکت تأثيراتها على السياسات العالمية طوال عدة عقود، ألا و هي قضية فلسطين المؤلمة. خلاصة هذه القضية هي أن بلداً مستقلاً ذا هوية تاريخية واضحة اسمه فلسطين اغتصب من شعبه في إطار مؤامرة غربية مُرعبة بزعامة بريطانيا في عقد الأربعينيات من القرن العشرين، و مُنِح بقوة السلاح و المذابح و المخادعات لجماعةٍ هُجّر معظمهم من البلدان الأوربية. هذا الاغتصاب الکبير الذي رافقته في بداياته عمليات تقتيل جماعية للناس العزّل في المدن و القرى، و تهجيرهم من بيوتهم و ديارهم إلى البلدان المجاورة، تواصل طوال أکثر من ستة عقود على نفس الوتيرة من الجرائم، و لا يزال مستمراً اليوم أيضاً. هذه إحدى أهم قضايا المجتمع الإنساني. و لم يتورّع الزعماء السياسيون و العسکريون للکيان الصهيوني الغاصب طوال هذه الفترة عن ارتکاب أية جريمة بدءاً من تقتيل الناس و هدم بيوتهم و تدمير مزارعهم، و اعتقال و تعذيب رجالهم و نسائهم و حتى أطفالهم، إلى الإهانات و الإذلال الذي مارسوه ضد کرامة هذا الشعب، و السعي لسحقه و هضمه في معدة الکيان الصهيوني المولعة بالحرام، و إلى الهجوم على مخيّماتهم التي تضمّ ملايين المشرّدين في فلسطين نفسها و البلدان المجاورة. أسماء مثل «صبرا» و «شاتيلا» و «قانا» و «دير ياسين» مسجّلة في تاريخ منطقتنا بدماء الشعب الفلسطيني المظلوم. و الآن أيضاً، و بعد مرور خمسة و ستين عاماً، تتواصل نفس هذه الجرائم في سلوکيات الذئاب الصهيونية الضارية بالبقاء في الأراضي المحتلة. إنهم يرتکبون الجرائم الجديدة تباعاً و يخلقون أزمات جديدة للمنطقة. قلّ ما يمرّ يوم لا تبث فيه أنباء عن قتل و إصابة و سجن الشباب الناهضين للدفاع عن وطنهم و کرامتهم و المعترضين على تدمير مزارعهم و بيوتهم. الکيان الصهيوني الذي أطلق الحروب الکارثية، و قتل الناس، و احتلّ الأراضي العربية، و نظّم إرهاب الدولة في المنطقة و العالم، و راح يُمارس الإرهاب و الاغتيالات و الحروب و الشرور لعشرات الأعوام، يُسمّي أبناء الشعب الفلسطيني الثائر المناضل من أجل إحقاق حقوقه إرهابيين، و الشبکات الإعلامية التابعة للصهيونية و الکثير من وسائل الإعلام الغربية و المرتزقة تکرّر هذه الکذبة الکبرى ساحقة بذلك التزامها الأخلاقي و الإعلامي. و الزعماء السياسيون المتشدّقون بحقوق الإنسان يغضّون الأنظار عن کل هذه الجرائم، و يدعمون دون خوف أو خجل ذلك الکيان الصانع للکوارث، و يظهرون في هيئة المحامي المدافع عنه.
ما نقوله هو أن فلسطين للفلسطينيين، والاستمرار في احتلالها ظلم کبير لا يطاق، وخطر أساسي على السلام والأمن العالميين. کل السبل التي اقترحها وسار فيها الغربيون و أتباعهم لـ «حلّ القضية الفلسطينية» خاطئة وغير ناجحة، وکذلك سيکون الأمر في المستقبل أيضاً. وقد اقترحنا سبيل حلّ عادل وديمقراطي تماماً. يشارك کل الفلسطينيين، من مسلمين ومسيحيين و يهود، سواء الذين يسکنون حالياً في فلسطين أو الذين شرّدوا إلى بلدان أخرى واحتفظوا بهويتهم الفلسطينية، يشاركون في استفتاء عام بإشراف دقيق وموثوق، فينتخبون البنية السياسية لهذا البلد، ويعود کل الفلسطينيين الذين تحمّلوا لسنوات طويلة آلام التشرّد إلى بلدهم فيشارکوا في هذا الاستفتاء، ثم تدوين الدستور والانتخابات. وعندها سيعمّ السلام.
وأودّ هنا أن أقدّم نصيحة خيّرة للساسة الأمريکان الذين ظهروا دوماً کمدافعين عن الکيان الصهيوني وداعمين له. لقد سبّب لکم هذا الکيان لحد الآن الکثير من المتاعب، وجعلکم وجهاً کريهاً بين شعوب المنطقة، وشريکاً لجرائم الصهاينة الغاصبين في أعين هذه الشعوب. والتکاليف المادية والمعنوية التي فرضت على الحکومة والشعب في أمريکا طوال هذه الأعوام المتمادية تکاليف باهضة، وإذا استمر هذا النهج في المستقبل فمن المحتمل أن تکون التکاليف التي تتحمّلونها أکبر. فتعالوا و فکّروا في اقتراح الجمهورية الإسلامية بشأن الاستفتاء، واتخذوا قراراً شجاعاً تنقذون به أنفسکم من هذه العقدة المستعصية. ولا شك أن شعوب المنطقة وکل الأحرار في العالم سيرحّبون بهذه الخطوة.
أيها الضيوف المحترمون...
أعود إلى کلامي الأول فأقول إن ظروف العالم حسّاسة، و العالم يمرّ بمنعطف تاريخي جد مهم. ومن المتوقع أن يکون ثمة نظام جديد في طريقه إلى الولادة و الظهور. ومجموعة بلدان عدم الانحياز تضمّ نحو ثلثي أعضاء المجتمع العالمي، وبوسعها ممارسة دور کبير في صياغة المستقبل و رسمه. وتشکيل هذا المؤتمر الکبير في طهران له بدوره معنى عميق ينبغي أن يُؤخذ بنظر الاعتبار في الحسابات. نحن أعضاء هذه الحرکة نستطيع عبر تظافر إمکانياتنا و طاقاتنا الواسعة ممارسة دور تاريخي باق من أجل إنقاذ العالم من الحروب و الهيمنة و انعدام الأمن.
وهذا الهدف لا يتحقق إلا بالتعاون الشامل في ما بيننا. ليست قليلة بيننا البلدان الثرية جداً و البلدان ذات نفوذ دولي. ومعالجة المشکلات بالتعاون الاقتصادي والإعلامي و تبادل التجارب التقدمية أمور متاحة تماماً. يجب أن نرسّخ عزيمتنا ونکون أوفياء للأهداف، ولا نخشى سخط القوى العاتية، ولا نفرح و نطمئن لابتساماتها، ويجب أن نعتبر الإرادة الإلهية و قوانين الخلقة دعامة لنا، و ننظر بعين العِبرة لانهيار تجربة المعسکر الشيوعي قبل عقدين، وانهيار سياسات ما يسمّى بالليبرالية الديمقراطية الغربية في الوقت الحاضر، والذي يرى الجميع مؤشراته في شوارع البلدان الغربية والأمريکية والعقد المستعصية في اقتصاد هذه البلدان. وبالتالي لنعتبر سقوط المستبدين التابعين لأمريکا والمتعاونين مع الکيان الصهيوني في شمال أفريقيا، والصحوة الإسلامية في بلدان المنطقة، لنعتبرها فرصة کبيرة. بإمکاننا أن نفکّر برفع مستوى الفائدة السياسية لحرکة عدم الانحياز في إدارة العالم، وبمقدورنا إعداد وثيقة تاريخية لإيجاد تحوّل في هذه الإدارة، وتوفير الأدوات التنفيذية لها.. بوسعنا التخطيط لحالات تعاون اقتصادي، وإيضاح نماذج التواصل الثقافي بيننا. ولا ريب أن تأسيس أمانة عامة ناشطة و متحفزة لهذه المنظومة ستستطيع المساعدة على تحقيق هذه الأهداف بصورة کبيرة و مؤثرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018