ارشيف من :أخبار لبنانية
أربع ساعات تهز العالم!
سمير كرم - صحيفة "السفير"
مع بداية الأيام الأولى للثورة البلشفية (ثورة اكتوبر 1917) الروسية، كان الصحافي اليساري البريطاني جون ريد مسؤولا عن تغطية الأحداث. قام الرجل بواجبه على أكمل وجه، وعندما انتهت مهمته ضمّن كتاباته عنها في كتاب، واختار لهذا الكتاب عنوان «عشرة أيام هزت العالم». وقدر لهذا الكتاب ان يصبح لسنوات طويلة احد اهم المراجع عن تلك الثورة.
من وقتها اصبح هذا العنوان الفريد مثالا يحتذى لعناوين كتب عديدة، انما طبعاً اختلفت المدة.
لهذا تراود المرء فكرة هذا العــنوان «اربع ساعــات تهز العالم»، على الرغم من ان الأيام العــشرة التي هزت العالم، عندما وقعت الثورة الروسية ـ وقد عاشت لنحو سبعين عاماً ـ كانت حقيقية، وكان لها تأثيرها المحلي والإقليمي والعالمي. اما المقصود بعنوان الساعات الأربع، فهو ما رافق إعلان مصر ان الرئيس المصري محمد مرسي أضاف الى برنامج زيارته للصين أربع ساعات يقضيها في طهران حيث يحضر افتتاح قمة الدول غير المنحازة.
لقد أحدث هذا الإعلان سلاسل من ردود الأفعــال المؤيدة والمناهضة والمتسائلة تبرر هذا العنوان للمقال. بصفة خاصة فإن المخاوف احتلت تصريحات المـسؤولين والقادة الأميركيين والإسرائيليين. بل لقد تبين حتى الساعات الأخيرة التي سبقت بداية قمة عـدم الانحياز ان اسرائيل راودها امل في ان يلغي مرسي زيارة الساعات الاربع لإيران نزولا عند طلبها وطلب اميركا (...).
وصلت الضجة، التي احدثها الاعلان عن زيارة مرسي القصيرة لطهران من اجل تسليم رئاسة جبهة عدم الانحياز من مصر الى ايران، الى حد ان وصفت الزيارة بأنها يمكن ان تكون بمثابة «انقلاب مصري ـ إيراني على الاوضاع الدولية»، وبأنها «مؤامرة إيرانية مصرية على النظام العالمي».
أربع ساعات يتخللها وتنهيها إجراءات تسليم الرئاسة وإلقاء كلمة (ربما كان تعبير كلمة في هذا السياق هو أفضل استخدام ممكن) كفيلة بأن تقلب النظام العالمي. وأي نظام عالمي هذا الذي يمكن ان تقضي عليه اربع ساعات لا يتخللها سوى الكلمات والإجراءات الديبلوماسية، فلا قنابل ولا صواريخ ولا اسلحة دمار شامل او غير شامل؟ وتهز الســاعات الأربع العالم الى هذا الحد؟ ام ان تحديد هذا الوقت لزيارة رسمية يقوم بها رئيس دولة لحضـور مؤتمر يضم اكثر من مئة وثلاثين بلداً، ويحضره اكثر من خمسـين رئيـس دولة قـصد به بالاتفاق والــتراضي مع معارضي هـذه الزيــارة ان يكون ضـماناً أكيداً بأن لا تستخــدم الزيارة لاستعـادة العلاقات الضـرورية بين مصر وإيران في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة؟
يبدو ان معارضي الزيارة في مراكز القرار في واشنطن وتل ابيب لا يدركون ان اليوم سيأتي يقيناً حين تقرر مصر وإيران علناً، وبلا تردد، استعادة العلاقات بينهما، المقطوعة منذ اكثر من ثلاثين عاماً مهما كانت ضغوط الدولتين الصهيونيتين اميركا واسرائيل.
ويبدو ان معارضي الزيارة ـ حتى على الرغم من تقليص مدتها الى اربع ساعات ـ سيدركون في وقت لن يطول، ان القاهرة ستقتنع بالأسباب التي من أجلها أيدت طهران، وتؤيد سوريا ضد التدخل الخارجي الذي يطلق عليه وصف الثورة.
ويبدو ان معارضي الزيارة يريدون الاستمرار في تجاهل حقيقة ان دول الخليج التي تناصب ايران وسياساتها العداء تقيم مع ايران نفسها علاقات دبلوماسية كاملة، فضلا عن العلاقات التجارية والاقتصادية. وبالتالي ان انضمام مصر مستقبلا، وبالتأكيد، الى كل دول العالم التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إيران سيكون خطوة في الاتجـاه الطبـيعي والصحيح والسوي بين دولتين لكل منهما مكانتها العالية في المنطقة والعالم. بل انها خطوة تترقبها باهتمام كل دول الجبهة غير المنحازة. والدليل على ذلك ان دولا تحتل مكانة تاريخية رفيعة في هذه الكتلة مثل الهند، قاومت ضغوطاً اميركية - اسرائيلية للتدخل لدى ايران ومصر لمنع تجدد الاتصالات بينهما، باعتبار ذلك امراً ضرورياً بالنسبة للسلام في المنطقة والعالم.
ربما ترتاح الدولتان الصهيونيتان الى استمرار حالة انعدام الشفافية من جانب الحكومة المصرية والرئيس مرسي، في ما يتعلق بمستقبل العلاقات بين مصر وإيران. ولكنهما في هذا تتعمدان إغفال رد الفعل الشعبي والجماهيري المصري إزاء العلاقات مع إيران. إنهما تغفلان عن عمد وجود دعم وتأييد قوي لدى الجماهير الشعبية المصرية لضرورة استئـناف العلاقات مع إيران، لما في ذلك من الآثار الإيجـابية المؤكدة على موقف الدولتين المصرية والايرانية من كافة النواحي السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية.
ان ايران تعرف اهمية مركز مصر في الاقليم والعالم. وبالمثل تعرف مصر مركز ايران في الاقليم والعالم. وتعرف ايران العقبات التي تضعها اسرائيل واميركا امام مصر للحيلولة دون الاتجاه نحو التطور الطبيعي للعلاقات الايرانية - المصرية، وتعرف ايران ايضا ان مصر بطبيعة دورها ومكانتها ـ وبعد ثورة 25 يناير 2011 بوجه خاص، لن ترضخ طويلا للضغوط الصهيونية التي تفرض عليها علاقة الانفصام غير المبرر مع الجمهورية الاسلامية الايرانية. بل لعلنا نضيف ان ايران تدرك الآن اكثر من اي وقت مضى، ان النظام المصري الذي يستمد الآن تأييده من حزب الحرية والعدالة الخارج من قلب جماعة «الإخوان المسلمين» لم يضع في اعتباره ان الجماهير المصرية توقعت ان يكون هذا النظام ـ الذي يطلق عليه وصف «اخواني» في مصر ـ ليس اكثر استعدادا من نظام مدني ديموقراطي للذهاب في الطريق السليم والطبيعي لاستعادة العلاقات مع ايران. لقد ظنت الجماهير المصرية ان ثمة تشابهاً او تقارباً مع نظام الجمهورية الاسلامية في ايران يحتم ان تتم بسرعة وحماسة عملية استعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين. وتدرك الجماهير المصرية مدى استعداد ايران الذي عبرت عنه رسمياً في تصريحات مسؤوليها وقادتها، لاستعادة العلاقات كاملة مع مصر. لكن استمرار استجابة القاهرة ـ تحت هذا النظام «الإخواني» ـ لضغوط القوى الرسمية وغير الرسمية للصهيونية العالمية يقف حجر عثرة امام استئناف هذه العلاقات.
ويعرف الرأي العام المصري بوضوح كاف ان الولايات المتحدة واسرائيل وضعتا شروطا على حضور مصر القمة غير المنحازة. وهي شروط تحد من دور مصر ومن الموافقة المصرية على القرارات التي ستصدرها هذه القمة، بل وعلى بيانها الختامي الذي سيصدر، بعد ان يكون الرئيس مرسي قد غادر طهران في نهاية الساعات الاربع المحددة لزمن الزيارة. ولعل هذا هو بالتحديد المعنى الذي قصدته «مصادر قاهرية مطلعة» (حسب صحيفة «الشروق» القاهرية في 26/8/2012) حين «استبعدت ان يتم رفع مستوى العلاقات بين مصر وإيران خلال زيارة الرئيس محمد مرسي لطهران يوم الخميس المقبل». وأوضحت المصادر للصحيفة نفسها انه «لن يحدث تطور في العلاقة التي قطعتها ايران العام 1980 عقب الثورة الاسلامية واحتجاجاً على توقيع اتفاقية كامب ديفيد، للحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج الداعمة لمصر في ازمتها الاقتصادية، مع الأخذ في الاعتبار ان هناك محادثات تجريها مصر مع صندوق النقد الدولي بشأن الحصول على قرض، وأنها لن تضحي به مقابل دعم ايراني محدود وقصير لا يمكن الرهان عليه».
وليس خافياً على احد ان هذا التوصيف من جانب المصادر المصرية انما يعبر عن وجهة الـنظر التــي عبرت عنها الولايات المتحدة خلال الاتصـالات المتعددة مع المسؤولين المصريين خلال الفترة الاخيرة. وليس خافياً ايضاً ان ضغوطاً داخلية من جانب بعض التنظيمات والجماعات الاسلامية المصرية قد مورست على الرئيس مرسي وحكومـته وتضمـنت شروطاً أسميت «إسلامية» لاستعادة العلاقـات بين مصر وايران. وتتعلق هذه الشروط بضرورة الاستمرار من جانب نظام مرسي في تأييد التنظـيمات الاســلامية التي تقاتل ضد النظام السوري. وتضـمنت هذه الشروط ايضا ضرورة تخلي ايران عن تأيـيد نظـام بشار الأسد قبل اي تفكـير في استئـناف العـلاقات معها (...).
هذا كله فضلا عن تأجيج الشعلة المسماة «خطر الشيعة» والنزوع الشيعي الى الهيمنة في بلــدان عربية مسلمة سنية. وهو خطر كثر الحـديث عنه في الفترة الاخيرة من دون ان يصاحب هذا الحديث دليل واحد على صحته. وقد حرص المتحدثون عن هذا «الخطر الشيعي» على ان يعلنوا رفضهم الصــريح لمجرد قيام مرسي بزيارة ايران، ولو كان ذلك محدوداً زمنياً بأربع ساعات، ومحدوداً من حيث الموضوع والهدف بتسلم ايران من مصر رئاسة حركة عدم الانحياز.
وقد اغفلت الجماعات والتنظيمات المصرية المعارضة لزيارة مرسي السريعة لايران حقيقة انها اتخذت موقفا يتفق تماما مع موقف اسرائيل من هذه الزيارة، بل حتى ضد حضور مرسي قمة عدم الانحياز في طهران. لقد عبرت وسائل الاعلام الاسرائيلية عن «غضب قادة الدولة العبرية من قرار الرئيس المصري، وانتقدت مشاركة مرسي في ظل تهديدات إيران لإسرائيل ودول المنطقة». بل ان الاعلام الاسرائيلي تساءل عن «موقف مصر في حالة هجوم اسرائيلي على إيران وهل ستقف مصر صامتة ام سيؤثر هذا على مستقبل العلاقات بين البلدين؟».
وليس خافياً ايضاً ان اسرائيل شددت حملتها الدبلوماسية على ايران في العواصم العالمية بهدف التأثير على نتائج مؤتمر قمة عدم الانحياز. وذكرت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية ان وزارة الخارجية الاسرائيلية ارسلت برقيات الى كل البعثات الدبلوماسية الاسرائيلية في الخارج تحمل تعليمات بمحاولة عرقلة مشاركة دول اساسية في اوروبا وأميركا الجنوبية في قمة عدم الانحياز. وتشيع اسرائيل ـ حسب «معاريف» ان «هدف هذه القمة هو اخراج ايران من العزلة الدولية التي فرضت عليها جراء إصرارها على مواصلة مشروعها النووي».
اما اجهزة الديبلوماسية الاميركية فقد ابدت ـ حسب صحيفة «نيويورك تايمز»ـ قلقها من نجاح الدبلوماسية الايرانية في التأكيد على حضور اكبر عدد ممكن من الدول هذه القمة، ومن جهود ايران لتوثيق علاقاتها مع كافة هذه الدول، وبالأخص دول منطقة الشرق الاوسط ومن بينها مصر». وتتوقع الدبلوماسية الاميركية بالتالي ان «يصبح الرئيس الايراني احمدي نجاد كرئيس لحركة عدم الانحياز خلال السنوات الثلاث القادمة اكثر الرؤساء نشاطاً وتأثيراً في الاجتماعات الدولية العديدة المقبلة، بما فيها اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول /سبتمبر المقبل. الامر الذي سيمكن ايران من الحصول على اكبر دعم دولي لمواقفها السياسية لا سيما في المجال النووي».
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» ـ التي تعد قريبة للغاية من وجهة النظر الرسمية الاميركية ـ «ان زيارة مرسي لإيران ترسل اشارة واضحة الى ان مصر تتخذ مسارا جديدا من خلال اتصالها مع دولة (ايران) ذات تأثير قوي في المنطقة، على الرغم من عدم وجود اشارة مصرية الى اعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين... وبغض النظر عن الهدف من الزيارة فإنها تعد خطوة معادية لإسرائيل».
لا تعدو المقتطفات التي اوردناها من الاعلام الاميركي والاسرائيلي ان تكون عينة ضئيلة مما ورد فيهما وما انتشر من خلالهما في العالم ككل. ولكن هذه الأمثلة في حد ذاتها كافية لأن تبرر العنوان الذي بدأنا به وهو «أربع ساعات تهز العالم».
إن قمة عدم الانحياز في طهران ـ بزيارة الرئيس المصري او بدونها ـ اكتسبت اهمية حقيقية في ظل الظروف الدولية والاقليمية الراهنة. الامر الذي يجعل متابعة نتائجها خلال الفترة الطويلة القادمة ذا اهمية خاصة تتجاوز الساعات الأربع (...)
كاتب سياسي ـ مصر
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018