ارشيف من :ترجمات ودراسات
الواقع الدموي للحرب غير الأهلية في سوريا
29 آب/ أغسطس 2012
روبرت فيسك/ الاندبندت
عن موقع mécanoblog الإلكتروني
الذين يحاولون الإطاحة بالأسد فاجأوا الجيش السوري بما يمتلكونه من قوة النيران وبتكتيكاتهم الوحشية. بعد ساعات من بداية الهجمات الشرسة التي شنها "الجيش السوري الحر" في دمشق الشهر الماضي، صاح وزير الإعلام السوري الجديد عمران الزعبي بالصحافيين المتواجدين في العاصمة قائلاً: "ماذا تفعلون هنا في دمشق؟ عليكم أن تكونوا خارج العاصمة مع جنودنا".
وفي غضون يوم واحد، جرى استبدال صور الرئيس بشار الأسد بابتسامته المقتضبة والجنود السوريين وهم يعانقون أطفالاً وسط أجواء الفرح، جرى استبدال ذلك بمشاهد فظة ولكن حقيقية عن الأحداث على الأرض يظهر فيها رجال كومندوس وهم يشقون طريقهم في شارع بغداد تحت نيران معارضي النظام. كانوا يركضون من زاوية شارع إلى زاوية شارع آخر ويطلقون النار من خلف الجدران والشرفات. أحد الجنود ـ كان متعباً وغاضباً ـ قال: "لقد قمنا بتنظيف هذه الناحية. والآن سنتولى أمر بقية هؤلاء الأوغاد". لم يسبق مطلقاً للناس في سوريا، حتى خلال حرب العام 1973، عندما قام الجيش السوري باقتحام قمة الأوبسرفاتوار في هضبة الجولان، لم يسبق لهم أن شاهدوا أموراً بكل هذه الواقعية على شاشات التلفزة.
وبالرغم من القصص المختلقة عن وجود الفرقة الرابعة المعروفة بشدتها والتي يقودها ماهر الأسد في كل قرية مدمرة، فإن المعركة من أجل دمشق قد خاضتها تلك الفرقة فعلاً. وعلى ما يقوله شخص سوري على معرفة ممتازة بالجيش، فإن جنود هذه الفرقة الموالين لشقيق الرئيس بشار لم يرحموا أحداً. ويضيف: "كان ذلك مجزرة بالفعل. جثث كثيرة كانت قد انتفخت في غضون ساعات، ولكن يمكن القول إن بعض القتلى لم يكونوا سوريين. كان هنالك أردنيون وفلسطينيون ومصريون وسودانيون وتركي واحد...". كما يضيف بأنه أحصى في أحد الأمكنة 70 جثة بينها 42 تعود لمقاتلين من غير العرب. وقد أعلن "الجيش السوري الحر" بأنه لم يفقد غير 20 من مقاتليه، وبأن الحكومة السورية ركزت على عدد "المقاتلين الأجانب" الذين عثر على جثثهم بين الجثث الأخرى. وشرح الشخص السوري المذكور بأن الجنود السوريين لا يحبذون فكرة أنهم يطلقون النار على مواطنيهم. يكونون أكثر ارتياحاً عندما يعتقدون بأنهم يطلقون النار على مقاتلين أجانب".
الإحصائيات المتعلقة بالحرب في سوريا ستكون على الدوام موضع خلاف. فكل فريق يقلل من خسائره في ظروف استمرار المعارك، لكنه يبالغ في رفع أعداد شهدائه بعد انتهاء الصراع. كما أننا لن نعرف العدد الحقيقي للقتلى المدنيين، ولا هوية من قام بقتلهم. ورغم تمكننا الأسبوع الماضي من الفوز غير المسبوق بمقابلة ضباط في الجيش برتبة لواء وعقيد، أي من أولئك الذين يوجه إليهم الغرب تهم ارتكاب جرائم الحرب، فإنني لم أجد غير ضابط واحد اعترف جزئياً بوجود الشبيحة، أي أولئك المسلحين الدمويين الذين تنسب إليهم فظائع ترتكب على الأعم الأغلب في المدن والقرى السنية. "لا وجود للشبيحة، قال ذلك الضابط مضيفاً بأنهم من منتجات الخيال، وبأن من يسمون بالشبيحة هم "مدافعون" قرويون يقومون بحراسة بعض القطاعات".
وهذا بالتأكيد هو بالضبط ما يقوله الشبيحة عن أنفسهم عندما يزعمون بأنهم مدنيون سوريون يحمون بيوتهم من أعداء الحكومة. وكان مثل هؤلاء معروفين في الجزائر خلال الصراع الهمجي الذي نشب في التسعينيات بين النظام الديكتاتوري والمتمردين الإسلاميين. كانوا يحمون أسرهم ويرتكبون فظاعات في المدن والقرى المنظور إليها على أنها تستخدم من قبل الأعداء "الإرهابيين" الإسلاميين أو تتعاطف معهم.
وفي الجزائر أيضاً، كان ينظر إلى معارضي النظام على أنهم مقاتلون أجانب ممن قاتلوا الروس في أفغانستان ثم عادوا ليواصلوا جهادهم ضد النظام "العلماني" في المستعمرة الفرنسية السابقة. أما الآن فإننا بصدد مستعمرة فرنسية سابقة أخرى و"علمانية" وإن كان يسيطر عليها العلويون. فالسلطة تقول بأنها تكافح رجالاً قدموا من أفغانستان دونما تمييز بين كتائب الوحدة والإخوان المسلمين والسلفيين وحتى "الجيش السوري الحر". ولن يفاجأ أحد إذا ما علم بأن علاقات وثيقة جداً كانت قائمة على الدوام بين الاستخبارات العسكرية السورية والجزائرية.
إلا أن معركة الجيش الحكومي ضد خصومه السوريين والأجانب لم تكن خالية على الدوام من التعقيدات على ما يحاول النظام تقديمه للعالم. فعلى الرغم من الرواية السائدة حالياً في الغرب حول الأحداث في سوريا، كان هنالك مسلحون في المدن والقرى منذ الأيام الأولى للحراك قبل 18 شهراً. صحيح أن الربيع العربي قد أخذ في البداية شكل تظاهرات سلمية تضم عشرات الألوف من الأشخاص غير المسلحين في المدن السورية الكبرى. غير أن مصوري قناة الجزيرة تمكنوا من التقاط أشرطة لمسلحين وهم يهاجمون جنودا سوريين بالقرب من قرية (wadi Khallak) في أيار/ مايو 2011. وفي الشهر نفسه، حصل التلفزيون السوري على وصلة مصورة لرجال يحملون بنادق كلاشنكوف قرب مجموعة من المتظاهرين السوريين غير المسلحين في درعا التي انطلقت منها الثورة بعد أن قام عناصر من البوليس السري بتعذيب فتى عمره 13 عاماً حتى الموت.
ومع هذا، يبدو أن الجنود والضباط السوريين الذين دخلوا درعا للمرة الأولى كانوا لا يظنون بأنهم سيجدون أنفسهم في مواجهة مع معارضين مسلحين. يقول أحد الجنود الذين يعرفون تلك العملية عن كثب: "أعدنا الأمن إلى 60 بالمئة من المدينة في يوم واحد. لم نرسل إلى هناك غير 1100 جندي، وهذا ما لا يمكن أن يحدث الآن، لأننا لم نكن نعتقد بوجود جماعات مسلحة في المدينة. ولكن، وبعد الأيام الخمسة التي تطلبتها إعادة الأمن إلى بقية المدينة، خسرنا 17 من رجالنا سقطوا جميعاً برصاص قناصين مختبئين". وكل ذلك لم يكن المفاجأة الوحيدة: فيما بعد ومع بداية المواجهات المباشرة، ذهل الجيش السوري أمام قوة نيران المعارضين.
يقول أحد السوريين ممن يمتلكون معلومات دقيقة عن العمليات في حمص بأن الجيش "كان موجوداً في أحد المباني وأن هذا المبنى سقط عليه المئات، نعم المئات، من قذائف آر بي جي. حدثت آلاف الانفجارات، وفي النهاية قام الجيش بإخلاء المبنى لأنه كان قد أوشك على الانهيار. وعندما خرج منه الجنود، كان عليهم أن يفجروه قبل انهياره. صحيح أن الجيش السوري متهم بقسوته في المعارك، لكن الجنود السوريين فوجئوا أيضاً بوحشية من كانوا يقاتلونهم.
في عندان، كان هنالك حاجز للجيش بدفاعات قوية. أبيد نهاية العام الماضي من قبل "لواء التوحيد" الذي هاجم الموقع وقتل جنوده الـ 75 وضباطه الـ 4 عن آخرهم. وفي كمين آخر نصب في الشغور قتل 120 جندياً. وتفيد مصادر الجيش بأن 9 من رجال الشرطة قتلوا في مركزهم بريف حماة، وبأن ثمانية آخرين قتلوا في موقع آخر في ريف حماة أيضاً. وفي سلخين، وهي مدينة أخرى قريبة من حماة، تعرض سائق شاحنات سابق كان يعمل في مجال تنقلات الجنود للاعتداء من قبل جمهرة من المدنيين. اتهموا الرجل، واسمه عبد الله فتاح عمر بأنه من الشبيحة ثم قاموا بتعريته من ثيابه وشنقوه قبل أن يقطعوا رأسه ويرموه بالأحذية.
وفي دوما، قال أحد أئمة المساجد للمصلين: "يوجد بيننا واحد من الخونة". فضرب الرجل حتى الموت. وهو مسجل تحت اسم "أبو أحمد عقيرة". وعندما أتبع "الجيش السوري الحر" هجومه على دمشق بهجوم على حلب، اعتبرت السلطات أن الهدف الأول للمسلحين هو ضرب مدرسة المدفعية. وتمكن أكثر من 70 من الجنود من المقاومة بانتظار وصول الإمدادات. وقد تم على جناح السرعة سحب جميع العاملين في حلب في مجال بطاريات صواريخ أرض جو لتجنب وقوعهم في الأسر ولضمان المحافظة على قدرات الدفاع التكتيكي في حال تعرض سوريا لهجوم من قبل "إسرائيل" أو الناتو.
من الممكن للجنود السوريين الذين قاموا هذا الأسبوع باقتحام الأزقة المتداخلة والمتعرجة في حلب القديمة أن يتذكروا ذلك الطالب المصري الشاب الذي أمضى شهوراً في حلب في فترة التسعينيات بهدف العمل على أطروحة في مجال تنظيم الأبنية في المدن. وكان المكان الذي قام بدراسته ذلك الطالب، وهو تحديداً محمد عطا قائد مختطفي الطائرات في 11 أيلول/ سبتمر في الولايات المتحدة... هو بالضبط المكان الذي تدور فيه رحى المعارك الحالية. إن بعض الهجمات التي تشن على رسميين سوريين كان مخططا لها بعناية فائقة. فقد قتل عدد من العلماء الذين يعملون في مركز البحث العلمي القريب من دمشق. وقبل زمن طويل من أول عملية جوية ينفذها الطيران السوري، قام المتمردون في حزيران/يونيو من العام الماضي بقتل 7 طيارين. ويؤكد الجيش أنه لم يبدأ باستخدام المدفعية إلى في شباط/ فبراير الماضي للرد على المتمردين الذين كانوا قد بدأوا باستخدام مدافع الهاون.
سيكون المستقبل صعباً بالنسبة للحكومة. فالجيش يعتقد أن إدلب التي يشار إليها بأنها معقل لتنظيم القاعدة ستشهد واحدة من أكبر المعارك الفاصلة في الحرب. ونحن نمتلك شهادات لجنود مرعوبين تم أسرهم في حافلة مدنية في سوريا الوسطى وتم تخييرهم بين أن تدفع أسرهم مبلغ 450 ألف ليرة عن كل منهم للجيش الحر، وبين أن ينضموا إلى المتمردين. وفي قرية ربلة القريبة من القصير، هنالك حوالى 12 ألف شخص معظمهم من المسيحيين يتم استخدامهم كدروع بشرية، ما يشير فيما يبدو إلى أن الجيش قد قرر أن مهاجمة القرية ستكون مكلفة جداً.
إن نظام بشار الأسد يواجه عدواً شرساً ويمتلك قدرات كبيرة. والإسلاميون يحصلون على المساعدة من قبل الغرب، تماماً كما كان عليه شأن المجاهدين الذين كان الغرب يقوم بتسليحهم لمقاتلة الروس في الثمانينيات. هناك 50 ألف جندي سوري تحت السلاح (يضم الجيش السوري 300 ألف جندي)، وهنالك ربما 4000 دبابة مقاتلة. وعلى هذا لا يمكن للجيش السوري أن يخسر. ولكن هل يربح؟
ترجمة: عقيل الشيخ حسين
روبرت فيسك/ الاندبندت
عن موقع mécanoblog الإلكتروني
الذين يحاولون الإطاحة بالأسد فاجأوا الجيش السوري بما يمتلكونه من قوة النيران وبتكتيكاتهم الوحشية. بعد ساعات من بداية الهجمات الشرسة التي شنها "الجيش السوري الحر" في دمشق الشهر الماضي، صاح وزير الإعلام السوري الجديد عمران الزعبي بالصحافيين المتواجدين في العاصمة قائلاً: "ماذا تفعلون هنا في دمشق؟ عليكم أن تكونوا خارج العاصمة مع جنودنا".
وفي غضون يوم واحد، جرى استبدال صور الرئيس بشار الأسد بابتسامته المقتضبة والجنود السوريين وهم يعانقون أطفالاً وسط أجواء الفرح، جرى استبدال ذلك بمشاهد فظة ولكن حقيقية عن الأحداث على الأرض يظهر فيها رجال كومندوس وهم يشقون طريقهم في شارع بغداد تحت نيران معارضي النظام. كانوا يركضون من زاوية شارع إلى زاوية شارع آخر ويطلقون النار من خلف الجدران والشرفات. أحد الجنود ـ كان متعباً وغاضباً ـ قال: "لقد قمنا بتنظيف هذه الناحية. والآن سنتولى أمر بقية هؤلاء الأوغاد". لم يسبق مطلقاً للناس في سوريا، حتى خلال حرب العام 1973، عندما قام الجيش السوري باقتحام قمة الأوبسرفاتوار في هضبة الجولان، لم يسبق لهم أن شاهدوا أموراً بكل هذه الواقعية على شاشات التلفزة.
وبالرغم من القصص المختلقة عن وجود الفرقة الرابعة المعروفة بشدتها والتي يقودها ماهر الأسد في كل قرية مدمرة، فإن المعركة من أجل دمشق قد خاضتها تلك الفرقة فعلاً. وعلى ما يقوله شخص سوري على معرفة ممتازة بالجيش، فإن جنود هذه الفرقة الموالين لشقيق الرئيس بشار لم يرحموا أحداً. ويضيف: "كان ذلك مجزرة بالفعل. جثث كثيرة كانت قد انتفخت في غضون ساعات، ولكن يمكن القول إن بعض القتلى لم يكونوا سوريين. كان هنالك أردنيون وفلسطينيون ومصريون وسودانيون وتركي واحد...". كما يضيف بأنه أحصى في أحد الأمكنة 70 جثة بينها 42 تعود لمقاتلين من غير العرب. وقد أعلن "الجيش السوري الحر" بأنه لم يفقد غير 20 من مقاتليه، وبأن الحكومة السورية ركزت على عدد "المقاتلين الأجانب" الذين عثر على جثثهم بين الجثث الأخرى. وشرح الشخص السوري المذكور بأن الجنود السوريين لا يحبذون فكرة أنهم يطلقون النار على مواطنيهم. يكونون أكثر ارتياحاً عندما يعتقدون بأنهم يطلقون النار على مقاتلين أجانب".
الإحصائيات المتعلقة بالحرب في سوريا ستكون على الدوام موضع خلاف. فكل فريق يقلل من خسائره في ظروف استمرار المعارك، لكنه يبالغ في رفع أعداد شهدائه بعد انتهاء الصراع. كما أننا لن نعرف العدد الحقيقي للقتلى المدنيين، ولا هوية من قام بقتلهم. ورغم تمكننا الأسبوع الماضي من الفوز غير المسبوق بمقابلة ضباط في الجيش برتبة لواء وعقيد، أي من أولئك الذين يوجه إليهم الغرب تهم ارتكاب جرائم الحرب، فإنني لم أجد غير ضابط واحد اعترف جزئياً بوجود الشبيحة، أي أولئك المسلحين الدمويين الذين تنسب إليهم فظائع ترتكب على الأعم الأغلب في المدن والقرى السنية. "لا وجود للشبيحة، قال ذلك الضابط مضيفاً بأنهم من منتجات الخيال، وبأن من يسمون بالشبيحة هم "مدافعون" قرويون يقومون بحراسة بعض القطاعات".
وهذا بالتأكيد هو بالضبط ما يقوله الشبيحة عن أنفسهم عندما يزعمون بأنهم مدنيون سوريون يحمون بيوتهم من أعداء الحكومة. وكان مثل هؤلاء معروفين في الجزائر خلال الصراع الهمجي الذي نشب في التسعينيات بين النظام الديكتاتوري والمتمردين الإسلاميين. كانوا يحمون أسرهم ويرتكبون فظاعات في المدن والقرى المنظور إليها على أنها تستخدم من قبل الأعداء "الإرهابيين" الإسلاميين أو تتعاطف معهم.
وفي الجزائر أيضاً، كان ينظر إلى معارضي النظام على أنهم مقاتلون أجانب ممن قاتلوا الروس في أفغانستان ثم عادوا ليواصلوا جهادهم ضد النظام "العلماني" في المستعمرة الفرنسية السابقة. أما الآن فإننا بصدد مستعمرة فرنسية سابقة أخرى و"علمانية" وإن كان يسيطر عليها العلويون. فالسلطة تقول بأنها تكافح رجالاً قدموا من أفغانستان دونما تمييز بين كتائب الوحدة والإخوان المسلمين والسلفيين وحتى "الجيش السوري الحر". ولن يفاجأ أحد إذا ما علم بأن علاقات وثيقة جداً كانت قائمة على الدوام بين الاستخبارات العسكرية السورية والجزائرية.
إلا أن معركة الجيش الحكومي ضد خصومه السوريين والأجانب لم تكن خالية على الدوام من التعقيدات على ما يحاول النظام تقديمه للعالم. فعلى الرغم من الرواية السائدة حالياً في الغرب حول الأحداث في سوريا، كان هنالك مسلحون في المدن والقرى منذ الأيام الأولى للحراك قبل 18 شهراً. صحيح أن الربيع العربي قد أخذ في البداية شكل تظاهرات سلمية تضم عشرات الألوف من الأشخاص غير المسلحين في المدن السورية الكبرى. غير أن مصوري قناة الجزيرة تمكنوا من التقاط أشرطة لمسلحين وهم يهاجمون جنودا سوريين بالقرب من قرية (wadi Khallak) في أيار/ مايو 2011. وفي الشهر نفسه، حصل التلفزيون السوري على وصلة مصورة لرجال يحملون بنادق كلاشنكوف قرب مجموعة من المتظاهرين السوريين غير المسلحين في درعا التي انطلقت منها الثورة بعد أن قام عناصر من البوليس السري بتعذيب فتى عمره 13 عاماً حتى الموت.
ومع هذا، يبدو أن الجنود والضباط السوريين الذين دخلوا درعا للمرة الأولى كانوا لا يظنون بأنهم سيجدون أنفسهم في مواجهة مع معارضين مسلحين. يقول أحد الجنود الذين يعرفون تلك العملية عن كثب: "أعدنا الأمن إلى 60 بالمئة من المدينة في يوم واحد. لم نرسل إلى هناك غير 1100 جندي، وهذا ما لا يمكن أن يحدث الآن، لأننا لم نكن نعتقد بوجود جماعات مسلحة في المدينة. ولكن، وبعد الأيام الخمسة التي تطلبتها إعادة الأمن إلى بقية المدينة، خسرنا 17 من رجالنا سقطوا جميعاً برصاص قناصين مختبئين". وكل ذلك لم يكن المفاجأة الوحيدة: فيما بعد ومع بداية المواجهات المباشرة، ذهل الجيش السوري أمام قوة نيران المعارضين.
يقول أحد السوريين ممن يمتلكون معلومات دقيقة عن العمليات في حمص بأن الجيش "كان موجوداً في أحد المباني وأن هذا المبنى سقط عليه المئات، نعم المئات، من قذائف آر بي جي. حدثت آلاف الانفجارات، وفي النهاية قام الجيش بإخلاء المبنى لأنه كان قد أوشك على الانهيار. وعندما خرج منه الجنود، كان عليهم أن يفجروه قبل انهياره. صحيح أن الجيش السوري متهم بقسوته في المعارك، لكن الجنود السوريين فوجئوا أيضاً بوحشية من كانوا يقاتلونهم.
في عندان، كان هنالك حاجز للجيش بدفاعات قوية. أبيد نهاية العام الماضي من قبل "لواء التوحيد" الذي هاجم الموقع وقتل جنوده الـ 75 وضباطه الـ 4 عن آخرهم. وفي كمين آخر نصب في الشغور قتل 120 جندياً. وتفيد مصادر الجيش بأن 9 من رجال الشرطة قتلوا في مركزهم بريف حماة، وبأن ثمانية آخرين قتلوا في موقع آخر في ريف حماة أيضاً. وفي سلخين، وهي مدينة أخرى قريبة من حماة، تعرض سائق شاحنات سابق كان يعمل في مجال تنقلات الجنود للاعتداء من قبل جمهرة من المدنيين. اتهموا الرجل، واسمه عبد الله فتاح عمر بأنه من الشبيحة ثم قاموا بتعريته من ثيابه وشنقوه قبل أن يقطعوا رأسه ويرموه بالأحذية.
وفي دوما، قال أحد أئمة المساجد للمصلين: "يوجد بيننا واحد من الخونة". فضرب الرجل حتى الموت. وهو مسجل تحت اسم "أبو أحمد عقيرة". وعندما أتبع "الجيش السوري الحر" هجومه على دمشق بهجوم على حلب، اعتبرت السلطات أن الهدف الأول للمسلحين هو ضرب مدرسة المدفعية. وتمكن أكثر من 70 من الجنود من المقاومة بانتظار وصول الإمدادات. وقد تم على جناح السرعة سحب جميع العاملين في حلب في مجال بطاريات صواريخ أرض جو لتجنب وقوعهم في الأسر ولضمان المحافظة على قدرات الدفاع التكتيكي في حال تعرض سوريا لهجوم من قبل "إسرائيل" أو الناتو.
من الممكن للجنود السوريين الذين قاموا هذا الأسبوع باقتحام الأزقة المتداخلة والمتعرجة في حلب القديمة أن يتذكروا ذلك الطالب المصري الشاب الذي أمضى شهوراً في حلب في فترة التسعينيات بهدف العمل على أطروحة في مجال تنظيم الأبنية في المدن. وكان المكان الذي قام بدراسته ذلك الطالب، وهو تحديداً محمد عطا قائد مختطفي الطائرات في 11 أيلول/ سبتمر في الولايات المتحدة... هو بالضبط المكان الذي تدور فيه رحى المعارك الحالية. إن بعض الهجمات التي تشن على رسميين سوريين كان مخططا لها بعناية فائقة. فقد قتل عدد من العلماء الذين يعملون في مركز البحث العلمي القريب من دمشق. وقبل زمن طويل من أول عملية جوية ينفذها الطيران السوري، قام المتمردون في حزيران/يونيو من العام الماضي بقتل 7 طيارين. ويؤكد الجيش أنه لم يبدأ باستخدام المدفعية إلى في شباط/ فبراير الماضي للرد على المتمردين الذين كانوا قد بدأوا باستخدام مدافع الهاون.
سيكون المستقبل صعباً بالنسبة للحكومة. فالجيش يعتقد أن إدلب التي يشار إليها بأنها معقل لتنظيم القاعدة ستشهد واحدة من أكبر المعارك الفاصلة في الحرب. ونحن نمتلك شهادات لجنود مرعوبين تم أسرهم في حافلة مدنية في سوريا الوسطى وتم تخييرهم بين أن تدفع أسرهم مبلغ 450 ألف ليرة عن كل منهم للجيش الحر، وبين أن ينضموا إلى المتمردين. وفي قرية ربلة القريبة من القصير، هنالك حوالى 12 ألف شخص معظمهم من المسيحيين يتم استخدامهم كدروع بشرية، ما يشير فيما يبدو إلى أن الجيش قد قرر أن مهاجمة القرية ستكون مكلفة جداً.
إن نظام بشار الأسد يواجه عدواً شرساً ويمتلك قدرات كبيرة. والإسلاميون يحصلون على المساعدة من قبل الغرب، تماماً كما كان عليه شأن المجاهدين الذين كان الغرب يقوم بتسليحهم لمقاتلة الروس في الثمانينيات. هناك 50 ألف جندي سوري تحت السلاح (يضم الجيش السوري 300 ألف جندي)، وهنالك ربما 4000 دبابة مقاتلة. وعلى هذا لا يمكن للجيش السوري أن يخسر. ولكن هل يربح؟
ترجمة: عقيل الشيخ حسين
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018