ارشيف من :أخبار لبنانية

ما خلفيات موقف قهوجي في مواجهة السياسيين؟

ما خلفيات موقف قهوجي في مواجهة السياسيين؟

نبيل هيثم - صحيفة السفير


في العرف المعهود في المؤسسة العسكرية أن قائد الجيش، إن اراد تظهير موقف ما، أو إطلاق إشارة ما، يلجأ إلى ما يسمى «أمر اليوم»، أو إلى نشرة توجيهية للعسكريين، أو إلى بيانات صادرة عن مديرية التوجيه، ولكن أن يقرر قائد الجيش خرق هذا العرف، وان يطل شخصيا، ومن على منبر خطابي، فهذا معناه أن الأمر ملحٌّ، ويستوجب أن يقال بالصوت والصورة.

الواضح من إطلالة العماد جان قهوجي في احتفال تكريم الضباط المتقاعدين، والكلام السياسي الذي أطلقه، بالإضافة الى طريقة تظهير هذا الكلام، أن الجيش قرر أن يخلع قفازاته، في ما بات يوصف بـ«زمن العقم السياسي»، في مواجهة سياسيين يديرون لعبة الإشكالات السياسية والأمنية والتحريضية في البلد، ولا يريدون الجيش سوى كيس ملاكمة لهم او عصا في يدهم، وفي أحسن الأحوال شرطي سير لا حول له ولا قوة الا على إحصاء مسلح هنا، او مخل بالأمن هناك، من دون القدرة حتى على تنظيم محضر ضبط بحق أي من المخلين، مهما بلغ جرمه، لتمتعه بالغطاء السياسي والطائفي والمذهبي.

ومن يتمعِّن في مضمون خطاب العماد قهوجي، يخرج بانطباع أن الجيش بلغ الحد الأعلى من الضيق، وكأنه أراد القول: «ايها السياسيون اعلموا إننا نكاد نكفر بكم». ومن هنا كان لا بد من هذه المواجهة مع السياسيين، و«بق البحصة» في وجه من يعنيهم الأمر، وبالتالي التأكيد على ضبط حركة الجيش على إيقاع المؤسسة العسكرية، كمؤسسة جامعة عابرة للطوائف والمذاهب والانقسامات السياسية، وليس على إيقاع سياسيين منخرطين في التوتير السياسي والامني.

على أن الموقف الذي ذهبت إليه قيادة الجيش، كما يتبدى في مضمون خطاب قهوجي، والذي اتبعه بجولته التفقدية للوحدات العسكرية في طرابلس، هو بمثابة إعلان عن دخول قوي الى الساحة الوطنية بشكل عام، كما يقول مطلعون على أجواء القيادة العسكرية، وضرب لكل التشكيك في الجيش ودوره، الذي تمظهر في الأشهر الأخيرة، لاسيما بعد مقتل الشيخين عبد الواحد والمرعب، حينما تجلت محاولات قام بها البعض لإخراج المؤسسة العسكرية من معادلة الشمال بشكل خاص، ومعادلة الداخل بشكل عام، وبالتالي فإن موقف قائد الجيش هدف الى إسقاط فكرة تطويق الجيش ومحاولة جعله مشلولاً او عاجزاً عن فعل أي شيء، ليس في الشمال فقط بل في اية بقعة من لبنان.

إذن، الأساس في خطاب قهوجي هو ارتكازه على قاعدة ان مظلة الجيش عالية، وهي تبقى بدورها تحت مظلة القرار السياسي، كما يقول المطلعون على أجواء المؤسسة العسكرية، وإن كانت الضرورات الأمنية والتطورات التي تشهدها الساحة الداخلية، خاصة تلك التي تقع على تماس مع الحدث السوري، تتطلّب تحصين هذا القرار بكلّ ما يحول دون سقوطه أمام أي من المطبات السياسية أو الأمنية التي قد تحصل هنا وهناك.

على انه في الجانب الآخر من خطاب قهوجي، فإنه وكما ينضح بالأمن، ينضح بالسياسة أيضا، ومن السياسيين من يقول إن إطلالة كهذه لقائد الجيش تعني ما تعنيه في هذا الزمن السياسي، وأهميتها فرضت مقاربتها على مستويات سياسية، ولاسيما لناحية مضمونها والجرأة التي أبداها قائد الجيش في مواجهة السياسيين، والتعابير التي خاطبهم بها، وتحميلهم كامل المسؤولية عن التردي السياسي ورعاية المخلين بالأمن والمحرّضين على القتال. وطبعاً من السياسيين من أثنى على كلام قهوجي، ومنهم من امتعض، ومنهم ما زال يبحث عن كيفية فك «شيفرة» الإطلالة ودوافعها في هذا التوقيت. وربطاً بذلك تسجل بعض القراءات السياسية لخطاب قهوجي الملاحظات الآتية:


ـ سعى قهوجي بكل وضوح إلى النأي بالمؤسسة العسكرية عما يسمّيها العسكريون «موبقات السياسة»، وتقديمها كما هي مؤسسة عابرة لكل الطوائف والانقسامات، ونقطة الجمع والربط بين كل الفرقاء، لا تراعي أي اعتبار سياسي او طائفي او مذهبي لهذا الفريق او ذاك.
ـ إن إطلالة قهوجي ستترك آثارها واضحة على «الموزاييك» السياسي الداخلي، وهذا ما سيتكشف في الآتي من الأيام.
ـ ان مضمون الخطاب يثير تساؤلات في شأن الدور الذي ينتظر الجيش في المرحلة المقبلة، والمعطيات التي دفعت قائد الجيش الى قول ما قاله، و خلفيات الإطلالة، وما اذا كانت تمهد لأدوار كبرى تنتظر قائد الجيش في المرحلة المقبلة.
ـ بعض القراءات السياسية تعتبر أن قائد الجيش يخفي خلف هذه الإطلالة رغبات رئاسية، علماً أن ثمة كثراً يطرحون هذا الموضوع على قائد الجيش، لكن جوابه، وكما ينقل عنه، يأتي بما حرفيته: «.. ما هذا الكلام، ما أقوم به على رأس المؤسسة العسكرية هو أنني أنفذ قناعاتي ليس ربطاً بأي استحقاق، لا بل ربطاً بما تمليه مصلحة المؤسسة العسكرية ومهما كان الثمن، ومن دون مراعاة أي اعتبار لأي كان، وسنكمل على المنوال ذاته. هناك كلام كثير في البلد، وليقولوا ما يقولونه، ثم إن جاءت (الرئاسة) أهلاً وسهلاً، فأنا أقوم بمهمتي، ولست طامحاً ولأنني لا أسعى إلى أي منصب، «مش فارقة معي».
ـ يقدم قهوجي مقاربة للحدث السوري، من زاوية عدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان، وعدم جعل لبنان ممراً للفتنة منه وإليه، وبدا قهوجي في كلامه شديد الحزم والثقة بالقدرة على التنفيذ والمنع، وهناك من يسأل من السياسيين: هل إطلاق موقف بهذه الأهمية وبهذا الحسم والحزم يرتكز إلى معطيات معيّنة حول المشهد السوري وما سيؤول إليه في الآتي من الأيام؟

2012-09-03