ارشيف من :ترجمات ودراسات
عن الجدل الإسرائيلي بخصوص ضرب إيران
علي شهاب
يتفق الإسرائيليون على ضرورة ايقاف البرنامج النووي الإيراني وعلى انه قد حان وقت حسم الجدل القائم حول فعالية تكلفة الضربة والتعجيل بها وتأثيرها على العلاقات مع الولايات المتحدة، فيتصاعد الجدل في اسرائيل حول ما إذا كان من الأفضل شن ضربة أحادية الجانب على البرنامج النووي الإيراني المتطور ومتى سيحدث ذلك.
يدعو وزير الحرب إيهود باراك إلى القيام بعمل إسرائيلي مبكر، ويظهر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يميل إلى ذلك لكنه ما يزال متردداً، فيما يعارض الرئيس شمعون بيريز ومعظم المسؤولين الحاليين والسابقين في المؤسسة الدفاعية توجيه ضربة إسرائيلية مستقلة في المستقبل القريب، بينما ينقسم أو يتردد بقية أعضاء الحكومة والجماهير بشكل عام حول هذا الموضوع. وقد أعرب بيريز علناً في الأيام الأخيرة عن معارضته لشن هجوم على إيران ما زاد من حدة الجدل.
وفي نقاش موسع مع "آري شافيت" في صحيفة "هآرتس" تحدث "صانع سياسة" لم يذكر اسمه ـ من السهل التخمين أنه إيهود باراك ـ عن أهداف الضربة الإسرائيلية الاستباقية والأساس المنطقي لها وعرض عدداً من المبررات لخطوة كهذه من بينها: التداعيات الكارثية لقيام إيران مسلحة نووياً وعدم قدرة إسرائيل على الانتظار لفترة أطول نظراً لخطر فقدان قدرتها على وقف إيران عسكرياً، وحاجة "إسرائيل" إلى الاعتماد على نفسها ـ فيما يخص الجوانب الأكثر حساسية لأمنها القومي ـ وليس على أفضل أصدقائها وهو الولايات المتحدة، وفكرة أن احتواء إيران المسلحة نووياً على طول الطريق سوف يُعقد الأمر ويجعله مكلفاً جداً أكثر مما لو تم اللجوء الآن إلى المنع.
وفي الوقت نفسه خرجت صحيفة بارزة أخرى وهي "معاريف" باستطلاع رأي موسع حول هذه القضية. وبما يتفق مع استطلاعات سابقة عكست النتائج رأياً عاماً إسرائيلياً منقسماً ومشوشاً بدرجة ما. ورغم أن الإجابات قد أكدت أن جزءاً كبيراً نسبياً (40 بالمائة) من الشعب يثق برئيس الوزراء ووزير الدفاع حول هذا القرار الخطير إلا أن أكثرية مماثلة لا تريد للقرار السياسي أن يهيمن على الرأي الاحترافي لمؤسسة الدفاع. ورغم أن ثمة أغلبية تعتبر إيران المسلحة نووياً تهديداً وجودياً لإسرائيل إلا أن 39 بالمائة من المساهمين في الاستطلاع فضلوا أن تتصرف إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فيما عبَّر 35 بالمائة فقط بأنه ينبغي لإسرائيل أن تعمل بصورة مستقلة قبل فوات الأوان. أما بقية المشاركين فكانوا مترددين.
وحول هذا الموضوع عرض العميد المتقاعد في جيش الدفاع الإسرائيلي مايكل هيرتسوغ دراسة له تحت عنوان " الجدل الإسرائيلي بخصوص ضرب إيران" في "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" تحدث فيها عن تكلفة الضربة العسكرية الاسرائيلية لايران، فاعتبر هيرتسوغ انه "على افتراض أن ضربة إسرائيلية يمكن أن تؤجل البرنامج النووي الإيراني لبضع سنوات فإن السؤال المحوري الذي يجري الجدل حوله هو: ما هو الحراك الدولي والإقليمي والمحلي الذي سوف يتولد عن هذه الضربة على المدى القريب والبعيد؟".
اما عن المخاطر التي قد يتعرض لها الأمن القومي الإسرائيلي في حال قيام مصادمات مع إيران فسأل هيرتسوغ "هل الصعيد الداخلي الإسرائيلي جاهز لصراع قد يُسفر عن وقوع عدة مئات من القتلى المدنيين وفقاً لتقديرات عسكرية إسرائيلية؟".
وفيما يخص التوقيت رأى هيرتسوغ "رغم العقوبات المتزايدة، تستمر إيران في التقدم في برنامجها النووي بما في ذلك الجوانب المتعلقة بجيشها وبالتالي تستطيع تقصير الإطار الزمني لتحقيق الانعتاق وجعل الإجراءات الوقائية المحتملة أكثر صعوبة. وان صناع السياسة الإسرائيليين يستشهدون في العادة بقيام النظام بكامل قوته بتخصيب اليورانيوم إلى 3.5 و 20 بالمائة (ما يعزز من قدرة إيران على تحقيق الانعتاق)، ذلك البرنامج المحصن والموزّع في أنحاء مختلفة من البلاد والذي أخذ يصبح أقل عرضة للهجوم. واعتبر ان بعض المسؤولين يدعي أن اتساع "منطقة الحصانة" الإيرانية ربما يغلق نافذة العمل الأحادي من جانب إسرائيل بحلول نهاية هذا العام ما يجعل القرار مُلحاً. غير أن المعارضين يتساءلون عما إذا كانت النافذة ضيقة بالفعل لهذه الدرجة أم لا. وهم يحثون الحكومة على منح واشنطن والمجتمع الدولي المزيد من الوقت. كما يريدون أيضاً أن تتجنب إسرائيل الظهور بمظهر المتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية من خلال شن ضربة قبل تشرين الثاني/نوفمبر.
وتناولت الدراسة مدى التأثير على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة واسرائيل فاعتبر هيرتسوغ ان العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية تشكل عنصراً محورياً في الجدل العام الإسرائيلي وأن المسؤولين الإسرائيليين قد خاب أملهم من عدم وجود إطار زمني محدد للعقوبات والدبلوماسية وانعدام خارطة طريق واضحة حول العمل الذي ستقوم به الولايات المتحدة لو فشلت هذه التدابير، ويعتقدون بأن حوارهم الحميم مع المسؤولين الأمريكيين قد فشل في التأثير على الأمريكيين في تحديد الخطوط الحمراء التي يتم بموجبها القيام بعمل العسكري ضد إيران.
واضاف هيرتسوغ ان "تأجيل العمل العسكري من منظور إسرائيل إلى أن تبدأ طهران في التحرك باتجاه الحصول على القنبلة هو أمر شديد الخطورة. فإيران كانت قادرة على الوصول إلى هذه العتبة منذ سنوات من خلال تطوير قدراتها، وتحصينها ضد أي هجوم خارجي، فإسرائيل تريد حرمان طهران من تحقيق أي انعتاق وتشكك في التطمينات الأمريكية بـ "أننا سوف نعرف" عندما تتحرك إيران لتسليح نفسها بأسلحة نووية". واعتبر ان الإسرائيليين يدركون جيداً ويُثمنون الأهمية الخاصة لعلاقتهم مع الولايات المتحدة، ولحقيقة اعتمادهم على دعم واشنطن في اليوم الذي يلي هذا الهجوم الاستباقي مباشرة، لا سيما في قيادة حملة دولية بارزة لمنع إيران من إعادة تأسيس قدراتها النووية. ويظهر هذا الإدراك بالتفصيل وبشكل ثابت في كلام صناع السياسة كما ينعكس في استطلاعات الرأي التي تشير إلى تفضيل الشعب لعمل تنسيقي مع الولايات المتحدة.
وفي موضوع زيارة المسؤوليين الامركيين لاسرائيل اعتبر "أن العدد الكبير من الزيارات الأخيرة والحوار الوثيق جداً بين الحكومتين كان غير كافٍ لإقناع صناع السياسة الإسرائيليين بالنيّات الأمريكية وفي المقابل غلق الفجوات بين الجانبين".
وختم هيرتسوغ دراسته بالقول إن "الجدل الجماهيري الكثيف في إسرائيل، بحقيقة أن البلاد على وشك اتخاذ قرار بشأن إيران، وربما في الأسابيع المقبلة قد يأتي أيضاً بتكلفة غير مقصودة وهي إقناع طهران أن بإمكانها أن تخرج من حساباتها من دون خطورة احتمال وقوع عمل عسكري سواء أكان إسرائيلياً أم أمريكياً. وقد يُعقد من جهود نتنياهو في كسب الموافقة المطلوبة لمثل هذا العمل داخل مجلس وزرائه المنقسم، وقد يضمن الأصوات الضرورية لتوجيه الضربة.
وتابع قائلاً "ان الغموض بين إسرائيل وواشنطن بشأن هذه القضية الخطيرة هو أمر سيئ للطرفين وهو بالتأكيد ضار بجهودهم الرامية لردع إيران. ورغم أن النافذة تأخذ شيئاً فشيئاً في الانغلاق إلا أن الوقت لم ينفد لجَسْر الفجوات. يجب على الطرفين أن يبذلا جهداً للقيام بذلك، ويقللا في الوقت نفسه من إظهار خلافاتهما على العلن. ولو شاءت واشنطن التأثير على صناعة القرار الإسرائيلي فيجب عليها الوصول إلى حليفتها عبر أرفع المستويات سواء سراً أم علناً، وأن تقدم خارطة طريق أكثر وضوحاً تعالج بجدية مخاوف إسرائيل من خلال الأفعال وليس بالكلام فقط حيث لا يمكن الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018