ارشيف من :أخبار لبنانية

تصريحـات الحريـري وعلـوش تفتـح جروحـاً وملفـات باب التبانة تواجه «المستقبل»: تجاهلتم تاريخاً من التضحيات


 تصريحـات الحريـري وعلـوش تفتـح جروحـاً وملفـات
باب التبانة تواجه «المستقبل»: تجاهلتم تاريخاً من التضحيات
  
   
غسان ريفي - "السفير"


أمّا وقد وضعت المواجهات المسلحة أوزارها في التبانة، منهية بذلك جولة العنف رقم 12، وفاتحة الباب أمام سلسلة معالجات سياسية وأمنية تجنباً لاندلاع الجولة رقم 13. فقد فتحت تصريحات أمين عام «تيار المستقبل» أحمد الحريري، ومنسق التيار في طرابلس مصطفى علوش بحق أبناء التبانة واتهامهم بالتسلح وبفتح المعركة لأسباب سياسية ومالية وتوصيفهم بأنهم مجموعات غير منضبطة، الباب أمام مواجهة من نوع آخر، بين الخزان الشعبي في طرابلس وبين «التيار الأزرق» الذي أعطته التبانة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري ما لم تعطه لأي تيار سياسي على مدار تاريخها السياسي والعسكري.

ثمة عتب الى حدود الغضب في التبانة على التيار، وهو ليس وليد المرحلة الراهنة، بل بدأ يتنامى منذ ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2009 عندما أغلقت قيادة التيار «حنفية» المساعدات والخدمات تحت عنوان الأزمة المالية، تاركة التبانة لمواجهة مصيرها بمفردها وذلك بعد كل التضحيات التي قدمتها هذه المنطقة دفاعاً عن «التيار الأزرق» وعن توجهاته السياسية، حتى بات أبناؤها على قناعة بأنهم شركاء مع التيار في الغرم فقط وليس لهم من الغنم أي نصيب.

ويمكن القول إن أغلبية أبناء التبانة عضّوا على جرحهم طيلة الفترة الماضية وفاء للشهيد رفيق الحريري ولم يبدلوا من مواقفهم تجاه التيار وإن على مضض.

وجاءت تصريحات الحريري وبعدها مواقف المنسق مصطفى علوش بحق أبناء التبانة بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، حيث فتحت جرحاً بليغاً قد تصعب معالجته في المرحلة الراهنة، خصوصاً أنها تنكرت لتاريخ طويل من تضحيات أبناء المنطقة أمام التيار.

وإذا كان القيادي الميداني سعد المصري قد خرج عن صمته ورد على أحمد الحريري معبراً عن رفضه الكامل لهذه الاتهامات، فإن ما لم يقله المصري يسري على ألسنة عموم أبناء التبانة الذين يرون أن «المستقبل» يحاول اليوم أن يتنصل من مجموعات التبانة بعد أن استغلها واستفاد منها في أكثرية مشاريعه على مدار السنوات الماضية، وبدل أن يكافئها على ما قدمت، يمعن في استهدافها وفي تشويه صورتها وإظهارها بأنها مرتهنة ومتطرفة وخارجة عن القانون.

وأدى هذا الخطأ للحريري وعلوش الى قيام كثير من أبناء المنطقة بفتح جملة ملفات تتعلق باستخدام تيار المستقبل للتبانة ومن ثم التقصير بحقها وصولا الى التخلي عنها.

يقول قياديون في التبانة إن المنطقة حافظت على استقرارها الأمني بعد خروج القوات السورية من لبنان غداة استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وإن شرارة تجدد المواجهات المسلحة مع «الحزب العربي الديموقراطي» جاءت دفاعاً عن «تيار المستقبل» في أعقاب 7 أيار 2008، ومن ثم انطلقت عبر جولات عنف متقطعة وبعناوين مختلفة أبرزها اتهام الرئيس سعد الحريري للنظام السوري باغتيال والده، وما تلى ذلك من تجاذبات حول إقرار المحكمة الدولية، ودفاعاً عن الرئيس فؤاد السنيورة وعن حكومته البتراء، ورفض محاصرة السرايا الكبيرة.

ويرى القياديون أن ما دفعته التبانة من دماء ودمار ومزيد من الأزمات الاجتماعية والإنسانية لم يدفع «المستقبل» الى إنصاف هذه المنطقة بالرغم من تسلمه مقاليد السلطة، بل على العكس تماماً، حيث يسجل في محاضر مجلس الوزراء أن الوزير محمد الصفدي طلب من الرئيس السنيورة خلال إحدى الجلسات تخصيص تعويضات للتبانة وإدراجها في بنود الموازنة، فرد السنيورة أن الحكومة ليست شركة تأمين، رافضاً الاقتراح من أساسه ما دفع الصفدي الى الخروج من الجلسة احتجاجاً.

وكذلك (وبحسب القياديين) فإن المصالحة التي عقدت في منزل المفتي مالك الشعار جاءت على حساب أبناء التبانة ولم تراع مشاعرهم، خصوصاً لجهة اعتراف الرئيس سعد الحريري بالنائب السابق علي عيد كممثل شرعي ووحيد للعلويين وكتابة ذلك بقلمه الخاص على وثيقة المصالحة. فضلا عن عدم تطبيق بنود المصالحة لجهة التعويض عن كل الأضرار التي لحقت بالمنطقة منذ الثمانينيات ولغاية العام 2010 بشرياً ومادياً، وعدم ترجمة إقرار صرف عشرة مليارات ليرة لها لمسح مظاهر الحرب لا سيما في شارع سوريا الذي اقتصر العمل فيه على مشروع الصندوق الكويتي الذي تم تلزيمه أيضاً الى «مقاول أزرق» لم ينفذه بالمواصفات المطلوبة.

ويأخذ القياديون على الرئيس سعد الحريري أنه عندما زار سوريا تحت عنوان توافق السين ـ سين ضرب عرض الحائط كل التضحيات التي قدمتها التبانة وأهلها الذين خاضوا سلسلة معارك تحت عنوان خصومته للرئيس بشار الأسد واتهامه السياسي للقيادة السورية باغتيال والده، وهو لم يطرح حينها مع الأسد أي تسوية تتعلق بشباب التبانة الذين تحولوا الى مطلوبين للنظام.

كما لم تقم حكومة الوحدة الوطنية التي ترأسها الحريري عقب الانتخابات التي منحته فيها طرابلس، والتبانة تحديداً، الأكثرية، بأي مبادرة إيجابية تجاه المنطقة عرفاناً بجميلها في الدفاع عنه، ولم يقر لها المشاريع التي من شأنها أن تخفف من وطأة الظروف الصعبة التي يعيشها أهلها، لتبقى المنطقة تعاني من الحرمان والتهميش المزمنين.

ويرى القياديون أن «تيار المستقبل» لم يتوان عن استخدام التبانة لاستهداف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعد إسقاط حكومة الوحدة الوطنية، سواء في يوم الغضب الشهير أو في جولات العنف التي كانت تشهدها المنطقة عند كل استحقاق للحكومة في طرابلس، مع التذكير بمواقف كثير من «النواب الزرق» الذين أعلنوا أن إسقاط حكومة ميقاتي سيبدأ من طرابلس، ورغم ذلك استمر التجاهل حتى وصل الى الاستهداف المباشر من قبل الحريري وعلوش خلال جولة العنف الأخيرة.

وتشير المعطيات الى أن التيار يشعر منذ فترة أن تعاطيه السلبي في طرابلس ومع التبانة تحديداً، يؤدي به الى خسائر في الشارع السني في المدينة لمصلحة بعض الفرق الدينية، لا سيما السلفية منها، وأنه لم يعد قادراً على مواجهة التنامي الاسلامي الذي بدأ يأخذ دوره، ويتجه لأن يقوده بعدما كان «التيار الأزرق» يستخدم الاسلاميين كفزاعة في وجه خصومه السياسيين. لذلك وجد أن الطريقة الفضلى للخروج من هذا المأزق هو التنصل من كل الحالة القائمة في طرابلس وفي مقدمتها التبانة، هرباً من تحميله مسؤولية عدم قدرته على قيادة المدينة بالطريقة الصحيحة وإيصالها الى ما وصلت إليه خصوصاً أنه كان بمثابة الآمر والناهي فيها منذ انتخابات العام 2005.

كما أيقن التيار أن استهداف حكومة ميقاتي في طرابلس لم يعد بالأمر السهل، لأن أي محاولة من هذا النوع، وعملا بالتجارب السابقة، من شأنها أن تسقط الجميع في المدينة، وعندما تتقدم التيارات السفلية الى مواقع القرار فإنها تلغي جميع الأطراف الأخرى.

وتقول المعلومات إن عدداً من القياديين الميدانيين في التيار وجهوا لوماً الى الحريري وعلوش على المواقف التي أطلقاها بحق أبناء التبانة، مؤكدين أن التراجع السياسي الحاصل لا يجوز أن يترجم تنصلاً أو استهدافاً لتلك المجموعات الناشطة في التبانة التي كانت تسير مع «تيار المستقبل» بالموقف السياسي، لا سيما فيما يتعلق بالثورة السورية، بغض النظر عن المساعدات والخدمات، قبل أن تحولهم هذه التصريحات الى خصوم سياسيين من دون أن يتخلوا عن دعمهم للثورة السورية.
2012-09-04