ارشيف من :ترجمات ودراسات

الأهمية الاقليمية لسفر مرسي إلى طهران

الأهمية الاقليمية لسفر مرسي إلى طهران
بقلم :کيهان برزگر*
عن موقع جهان نيوز

إن سفر محمد مرسي رئيس الجمهورية المصرية إلى إيران، هو أكثر من المشاركة في مؤتمر لدول عدم الانحياز في طهران، وسيكون له تأثيرات مهمة في قرب البلدين من بعضهما بعضاً لجهة حل المسائل الإقليمية، كما أنه سيزيد من الدور الاقليمي لكلا البلدين في المنطقة طبقاً لـ "المصلحة المتبادلة ". وكلا هذين البلدين وكذلك السعودية وتركيا يشكلان أربع كتل أساسية للقوة في المنطقة وكل منهم لا يدخر وسعاً في سعيه نحو زيادة دوره الإقليمي في الشرق الأوسط بعد الثورات العربية وبأساليب وطرق مختلفة.

وبين هذه القوى الأربع، أصبحت مجالات التقارب الإيراني ـ المصري في التعاطي مع المسائل السياسية والاجتماعية والأمنية في المنطقة أكثر قرباً من السابق، حيث جرب كلا البلدين في ساحته السياسية نوعاً من الثورة الإيديولوجية والتغيير الكامل في النظام، كما أنهما يريدان تقوية قوتهما وهويتهما الوطنية، وكذلك استقلالهما في العلاقات الخارجية. وكلا البلدان يعيران أهمية بالغة لقضية مكافحة التطرف وتعزيز مفاهيم الديمقراطية وتقوية الاقتصاد الوطني وغير ذلك، من خلال التعاطي المنفتح مع أزمات المنطقة.

الأهمية الاقليمية لسفر مرسي إلى طهران

إلا أن وضع قوتي كل من السعودية وتركيا مختلف قليلاً؛ حيث إن السعودية قوة نفطية ومالية وبنتيها السياسية تقتضي إيجاد حالة من التوازن بين تبعيتها لأمريكا والغرب من جهة وحالة إدارتها الوطنية المبنية على أساليب سلفية ووهابية من جهة أخرى. هذا في حين أن أحداث "الربيع العربي" دفعت السعودية كي تكون في حال تصادم مع الغرب في مواضيع من قبيل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي ودور الشباب في المجتمع، ولكن في الوقت نفسه، تمكن هذا البلد من الناحية الاستراتيجية من أن يعيد بناء علاقته مع الغرب لجهة دعمه إياه في موضوعات عدة كإرسال قوة عسكرية من أجل قمع الثورة البحرينية.

أما اللاعب التركي، وبالنظر إلى بنية قوته الداخلية، فإنه يمكن تقديمه على أنه من جملة الدول المقتدرة، فضلاً عن كونه يمتلك مؤسسات علمانية (تعارض الوجود التركي في مسائل المنطقة والعالم الإسلامي)، وخلال حقبة من الزمن (بضع سنوات) استطاعت تركيا أن تلعب دوراً في المنطقة وذلك من خلال انتهاجها سياسية "انعدام المشاكل" مع دول الجوار، ولكن بالنظر إلى تطورات المنطقة الحالية ولا سيما الأزمة السورية، فإنه من الواضح أن تركيا وعلى الرغم من أنها قوة اقتصادية ونموذج للقوة الناعمة بالنسبة لشعوب المنطقة، لن تحظى بقبول اللاعبين الآخرين كلاعب مؤثر في حل القضايا الإقليمية، فالحقيقة تقول إن أهمية تركيا كانت بسبب لعبها دوراً مكملاً مع إيران وسورية في المسائل الإقليمية إلا أنها حالياً ونظراً لكونها في حالة منافسة وخلاف مع هذين البلدين، فإنها خسرت بشكل تدريجي وزنها الاستراتيجي في المنطقة.

في هذه الظروف من المحتمل أن تكون إيران ومصر لاعبين أساسيين في المنطقة. وبعض الرؤى المتشائمة تعتقد أن العلاقات الإيرانية ـ المصرية في عهد مرسي يشوبها أيضاً بعض الخلافات المستمدة من الماضي ومن ضمنها عملية السلام بين العرب و"إسرائيل" والأزمة السورية وعلاقة السعودية وأمريكا، وهذا ما يعني أن هذه العلاقة لم يكن مصيرها التقارب في المستقبل، وبالطبع هذه الرؤية تستند إلى أساس الاختلاف الايدلوجي والسياسي.

ولا ينبغي أن ننسى أن منطق تقوية العلاقات الجديدة بين البلدين يبنى على أساس "الحاجة الاستراتيجية المتبادلة " بينهما، وعليه فإن إيران حاولت ، ومن منظور ضمان المصالح، أن تعيد تعريف علاقاتها مع مصر الجديدة، باعتبار أن مصر الجديدة بالنسبة لإيران لاعب مستقل وطني وإسلامي وذو هوية وتاريخ وصديق قوي وقد أكدت طبقاً لتطوراتها السياسية والاجتماعية الداخلية على انها مع النهج الاقليمي المتبع لحل قضايا المنطقة، حيث إن وجهات النظر الإيرانية والمصرية باتت أكثر قرباً في مسائل الشرق الاوسط بما فيها التخلي عن الأسلحة النووية وعدم التدخل العسكري الغربي في مسائل المنطقة وتقوية عرى التحالف الاقليمي من أجل السلام والأمن الجماعي والتي وضعت في جدول أعمال مؤتمر دول عدم الانحياز في طهران.

الأهمية الاقليمية لسفر مرسي إلى طهران

وإيران بالنسبة لمصر أيضاً قوة نفطية واقتصادية، ذات تاريخ عريق وحضارة وإيديولوجيا إسلامية قد تتمكن من خلال علاقة مصر مع الكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية أن توجد توازناً مع باقي بلدان العالم العربي والدول الغربية. وقرب مصر من إيران يخرجها من حقبة نظام مبارك ويجعلها ترتفع في درجة قوتها الاقليمية وإظهار مساومتها في هذه الظروف، تعتبر عودة مصر النشطة إلى الساحة السياسية الاقليمية بمثابة نقطة تحول في تقارب وجهات النظر في المنطقة بغية حل مسائلها. وكان لإيران إمكانيات متقدمة فيها متمثلة في التعاون الثنائي بين البلدين بما يمكن أن يساعد في تقديم خطة عمل مشتركة للبدء في حل الأزمة السورية. إلا أن وجهات النظر الإيرانية والمصرية فيما يتعلق بالأزمة السورية ما زالت مختلفة، حيث تريد إيران الإبقاء على بشار الأسد مع الاعتماد على الحل السياسي وعدم التدخل العسكري الغربي، في حين أن مصر تريد تنحي الأسد مع الاعتماد أيضاً على خطة عمل سياسي وعدم التدخل العسكري .

كما أن مبادرة إيرانية ـ مصرية يمكن أن تسهم في حل الأزمة السورية من خلال الدخول في عملية الانتقال السياسي كمرحلة أولى يمكن أن تساعد في حل الأزمة، وطبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة انعدام الثقة بين أطراف النزاع. لأن هذا التوافق ينبغي أن يكون من خلال استضافة مؤتمر سلام يجمع جميع الأطراف ولا سيما الدولة السورية .

في النتيجة، لربما إن العلاقات بين إيران ومصر لن تستقر بسرعة بسبب بعض الضغوط الداخلية في مصر ودور اللاعبين الإقليمين والدوليين، إلا أن النقطة الجلية في الأمر أن كل من رؤى إيران ومصر تتقارب أكثر فأكثر فيما يخص قضايا المنطقة. وقد قطعت الخطوة الأولى للتقارب بين البلدين في جلسة استثنائية لرؤساء البلدان الإسلامية حتى أن مرسي كان قد اقترح مبادرة إقليمية بمشاركة إيران ومصر والسعودية وتركيا وذلك لحل مسائل المنطقة. وهنا يتوجب .على إيران أن تستفيد من فرصة مؤتمر دول عدم الانحياز حيث إنها اتخذت خطوة جدية لحل الازمة السورية في شكل مبادرة إقليمية

*رئيس معهد الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات الاستراتيجية


ترجمة علي العبد الله ـ سورية


2012-09-04