ارشيف من :ترجمات ودراسات
الأضرار الجانبية: الوجه الخفي لإرهاب الدولة
غويوم دو روفيل
4 أيلول/ سبتمبر 2012
عن موقع "Mondialisation ca" الإلكتروني - كندا.
الموضوع : 11 أيلول / سبتمبر الحرب على الإرهاب، حرب الولايات المتحدة وحلف الناتو
خلال الحروب التي شنتها الولايات المتحدة، مدفوعة بفكرة عن قوتها، منذ سقوط جدار برلين، ظهر مفهوم "الأضرار الجانبية" الذي استخدم من قبل هيئات العلاقات العامة في البنتاغون من أجل أن تبرر أمام الرأي العام الغربي أعمالاً حربية تؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين، وكذلك من أجل أن تحوز على رضا الرأي العام بهذه الأعمال. وتزعم الجهات العسكرية أنها لا ترغب بحصول تلك الأضرار الجانبية وتعزوها إلى أخطاء ذات نتائج مأساوية ناجمة عن معلومات غير صحيحة أو عن أعطال تكنولوجية.
لكن الواقع أننا نلاحظ، عندما ننظر في الموضوع عن ذي كثب، أن معظم الأعمال الحربية التي أودت بحياة عشرات الألوف من البشر في أفغانستان والعراق وليبيا خلال السنوات الأخيرة (1) لم تكن ناجمة عن أخطاء، كما لم تكن عبارة عن أضرار جانبية تسببت بها مؤسسة عسكرية لا تستهدف غير جنود يرتدون اللباس العسكري وينتمون إلى الفريق المعادي، بل كانت أعمالاً مقصودة تهدف إلى قتل نساء وأطفال ورجال بلا قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
وهنا يمكننا أن نتساءل عن الأهداف التي ارتكبت من أجلها تلك الفظائع. ويأتينا الجواب من العقيدة العسكرية ليقول بأن الهدف هو إشاعة الرعب الذي يشكل أساس الطاعة.
لكنكم ما زلتم تشكون وتعتقدون بأن مثل هذه الوسائل لا تفعل غير دفع عناصر من غير المقاتلين إلى امتشاق السلاح والانضمام إلى الجيش الخفي (2). إن الجنود في العالم أجمع يعلمون جيداً ويجيبون بكل وضوح بأن ضحايا الرعب لا يثأرون لأنفسهم، بل يتألمون بصمت ولا يحلمون بغير السلام لكي يدفنوا أمواتهم ويقيموا مراسم العزاء. بل أكثر من ذلك:الضحايا الأبرياء ينتهي بهم الأمر في الغالب إلى طلب الحماية من جلاديهم. بفعل الإنهاك، وبفعل هبوط معنوياتهم نتيجة الآلام وما يمارس بحقهم من عنف، يصافحون اليد التي يمدها إليهم عدوهم من وراء فوهة البندقية.
لقد حدث خلال حرب الجزائر أن قام عسكريون فرنسيون (الكولونيل ترينكييه - Trinquier- والكولونيل لاشيروا -Lacheroy- ، بشكل رئيسي) بصياغة عقيدة تضع السكان المدنيين في قلب الصراعات المسلحة. (كان البريطانيون قد اعتمدوا هذا الأسلوب في كينيا في أوائل خمسينات القرن الماضي وفتكوا عن قصد بقرى بأكملها وكل سكانها من غير المقاتلين. لكن البريطانيين لم يخطر ببالهم أن يجعلوا من ذلك عقيدة جديرة بأن يتم تدريسها في المدارس الحربية).
لم يعد السكان المدنيون أهدافاً يتم ضربها عن غير قصد في حرب غير إنسانية، بل أصبحوا أهدافاً عسكرية يجب ضربها وتدميرها باسم أغراض إنسانية ومغرقة في الإنسانية. فالتعذيب والإعدامات الكيفية وقصف المدنيين، كل ذلك لم يعد جرائم حرب، بل وسائل عسكرية تخدم قضية سياسية. وقد صدر الكولونيل ترينكييه والكولونيل لاشيروا هذه العقيدة إلى المدارس الحربية الأميركية حيث استخدمها الأميركيون في أميركا اللاتينية، وخصوصاً في أميركا الوسطى وذلك خلال السنوات الخمسين التي أعقبت حرب الجزائر.
إن الفيالق الأطلسية التي قامت تحت لواء حلف الناتو بغزو يوغوسلافيا وأفغانستان وليبيا لجأت أيضاً إلى هذه الطريقة في محاولة منها لفرض نمط العيش الأميركي والليبرالية الصاعدة على سكان البلدان غير المطيعة. فعقيدة "الصدمة والرعب" التي طبقتها الولايات المتحدة خلال غزو العراق عام 2003 ليست غير تنشيط لهذا النهج من قبل منظرين حريصين على إنعاش السجل العقائدي العسكري للولايات المتحدة. فهارلان أولمان –Harlan Ullman- وجايمس واد –James Wad- ، وهما من قاما بتجديد هذه العقيدة، يستخدمان أمثلة من نوع قيام الولايات المتحدة بقصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية في آب / أغسطس 1945، ويقولون بلا غموض أن هذا القصف أعطى ثماره: أي أن المقصود به هو إحداث دمار شامل يطال البشر والخيرات المادية، بغض النظر عن ضرب أهداف عسكرية صرفة بشكل مباشر، وذلك للتأثير على مجتمع معين بالمعنى الذي يريده من يقوم بتطبيق عقيدة "الصدمة والرعب".
وعلى هذا يتبين أن مفهوم "الأضرار الجانبية" هو غطاء في الواقع لإرهاب الدولة (7)، وهو إرهاب شامل، وإرهاب غربي تتكيف معه وسائل الإعلام الغربية بكل يسر لأنه من صنع أسيادها في الناتو. لا بل إنها تفعل أكثر من التكيف معه: إنها ترتكب جريمة إعلامية عندما تستخدم تعبير "الأضرار الجانبية" للتغطية على الأعمال الإرهابية التي يقوم بها القادة الغربيون بأيديهم الوسخة.
وإنه لمن المهم أن نلاحظ أن إرهاب الدولة الغربي هذا هو، بشكل إجمالي، أكثر دموية من إرهاب إسلامي (لم يعد مبرراً بنظرنا) يمكن أن يكون كما هو الشأن في ليبيا وسوريا امتداداً ثميناً لتفيذ الأهداف الجيوستراتيجية للغربيين ونخبهم.
من هنا، يظهر أن الإرهاب هو في قلب العقيدة والاستراتيجيات العسكرية عند الديموقراطيين الغربيين. فمن أجل المكافحة الناجعة للإرهاب، وهو الأمر الذي يزعم قادتنا الغربيون أنهم يستميتون من أجله، لا بد من أن تتوفر الجرأة على توظيف كل حميتنا القتالية ضد أنفسنا، وإلا فإن موت الديموقراطية (إذا لم تكن الديموقراطية قد ماتت بالفعل) يصبح الضرر الجانبي لخبثنا ونفاقنا.
هوامش
1ـ نذكر كأمثلة إضافية ما حدث في فييتنام وكمبوديا وأميركا الوسطى ويوغوسلافيا.
2ـ "الجيش الخفي" هو عنوان رواية لجوزيف كيسل (Joseph Kessel) حول المقاومة. وقد استخدمنا هذا التعبير للدلالة على أشكال المقاومة الأهلية المختلفة في وجه الاضطهاد.
3ـ الإرهاب بما هو استخدام وسائل عنيفة بهدف بث الرعب في صفوف الأهالي لتحقيق أغراض سياسية.
ترجمة :عقيل الشيخ حسين
4 أيلول/ سبتمبر 2012
عن موقع "Mondialisation ca" الإلكتروني - كندا.
الموضوع : 11 أيلول / سبتمبر الحرب على الإرهاب، حرب الولايات المتحدة وحلف الناتو
خلال الحروب التي شنتها الولايات المتحدة، مدفوعة بفكرة عن قوتها، منذ سقوط جدار برلين، ظهر مفهوم "الأضرار الجانبية" الذي استخدم من قبل هيئات العلاقات العامة في البنتاغون من أجل أن تبرر أمام الرأي العام الغربي أعمالاً حربية تؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين، وكذلك من أجل أن تحوز على رضا الرأي العام بهذه الأعمال. وتزعم الجهات العسكرية أنها لا ترغب بحصول تلك الأضرار الجانبية وتعزوها إلى أخطاء ذات نتائج مأساوية ناجمة عن معلومات غير صحيحة أو عن أعطال تكنولوجية.
لكن الواقع أننا نلاحظ، عندما ننظر في الموضوع عن ذي كثب، أن معظم الأعمال الحربية التي أودت بحياة عشرات الألوف من البشر في أفغانستان والعراق وليبيا خلال السنوات الأخيرة (1) لم تكن ناجمة عن أخطاء، كما لم تكن عبارة عن أضرار جانبية تسببت بها مؤسسة عسكرية لا تستهدف غير جنود يرتدون اللباس العسكري وينتمون إلى الفريق المعادي، بل كانت أعمالاً مقصودة تهدف إلى قتل نساء وأطفال ورجال بلا قدرة على الدفاع عن أنفسهم.
وهنا يمكننا أن نتساءل عن الأهداف التي ارتكبت من أجلها تلك الفظائع. ويأتينا الجواب من العقيدة العسكرية ليقول بأن الهدف هو إشاعة الرعب الذي يشكل أساس الطاعة.
لكنكم ما زلتم تشكون وتعتقدون بأن مثل هذه الوسائل لا تفعل غير دفع عناصر من غير المقاتلين إلى امتشاق السلاح والانضمام إلى الجيش الخفي (2). إن الجنود في العالم أجمع يعلمون جيداً ويجيبون بكل وضوح بأن ضحايا الرعب لا يثأرون لأنفسهم، بل يتألمون بصمت ولا يحلمون بغير السلام لكي يدفنوا أمواتهم ويقيموا مراسم العزاء. بل أكثر من ذلك:الضحايا الأبرياء ينتهي بهم الأمر في الغالب إلى طلب الحماية من جلاديهم. بفعل الإنهاك، وبفعل هبوط معنوياتهم نتيجة الآلام وما يمارس بحقهم من عنف، يصافحون اليد التي يمدها إليهم عدوهم من وراء فوهة البندقية.
لقد حدث خلال حرب الجزائر أن قام عسكريون فرنسيون (الكولونيل ترينكييه - Trinquier- والكولونيل لاشيروا -Lacheroy- ، بشكل رئيسي) بصياغة عقيدة تضع السكان المدنيين في قلب الصراعات المسلحة. (كان البريطانيون قد اعتمدوا هذا الأسلوب في كينيا في أوائل خمسينات القرن الماضي وفتكوا عن قصد بقرى بأكملها وكل سكانها من غير المقاتلين. لكن البريطانيين لم يخطر ببالهم أن يجعلوا من ذلك عقيدة جديرة بأن يتم تدريسها في المدارس الحربية).
لم يعد السكان المدنيون أهدافاً يتم ضربها عن غير قصد في حرب غير إنسانية، بل أصبحوا أهدافاً عسكرية يجب ضربها وتدميرها باسم أغراض إنسانية ومغرقة في الإنسانية. فالتعذيب والإعدامات الكيفية وقصف المدنيين، كل ذلك لم يعد جرائم حرب، بل وسائل عسكرية تخدم قضية سياسية. وقد صدر الكولونيل ترينكييه والكولونيل لاشيروا هذه العقيدة إلى المدارس الحربية الأميركية حيث استخدمها الأميركيون في أميركا اللاتينية، وخصوصاً في أميركا الوسطى وذلك خلال السنوات الخمسين التي أعقبت حرب الجزائر.
إن الفيالق الأطلسية التي قامت تحت لواء حلف الناتو بغزو يوغوسلافيا وأفغانستان وليبيا لجأت أيضاً إلى هذه الطريقة في محاولة منها لفرض نمط العيش الأميركي والليبرالية الصاعدة على سكان البلدان غير المطيعة. فعقيدة "الصدمة والرعب" التي طبقتها الولايات المتحدة خلال غزو العراق عام 2003 ليست غير تنشيط لهذا النهج من قبل منظرين حريصين على إنعاش السجل العقائدي العسكري للولايات المتحدة. فهارلان أولمان –Harlan Ullman- وجايمس واد –James Wad- ، وهما من قاما بتجديد هذه العقيدة، يستخدمان أمثلة من نوع قيام الولايات المتحدة بقصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية في آب / أغسطس 1945، ويقولون بلا غموض أن هذا القصف أعطى ثماره: أي أن المقصود به هو إحداث دمار شامل يطال البشر والخيرات المادية، بغض النظر عن ضرب أهداف عسكرية صرفة بشكل مباشر، وذلك للتأثير على مجتمع معين بالمعنى الذي يريده من يقوم بتطبيق عقيدة "الصدمة والرعب".
وعلى هذا يتبين أن مفهوم "الأضرار الجانبية" هو غطاء في الواقع لإرهاب الدولة (7)، وهو إرهاب شامل، وإرهاب غربي تتكيف معه وسائل الإعلام الغربية بكل يسر لأنه من صنع أسيادها في الناتو. لا بل إنها تفعل أكثر من التكيف معه: إنها ترتكب جريمة إعلامية عندما تستخدم تعبير "الأضرار الجانبية" للتغطية على الأعمال الإرهابية التي يقوم بها القادة الغربيون بأيديهم الوسخة.
وإنه لمن المهم أن نلاحظ أن إرهاب الدولة الغربي هذا هو، بشكل إجمالي، أكثر دموية من إرهاب إسلامي (لم يعد مبرراً بنظرنا) يمكن أن يكون كما هو الشأن في ليبيا وسوريا امتداداً ثميناً لتفيذ الأهداف الجيوستراتيجية للغربيين ونخبهم.
من هنا، يظهر أن الإرهاب هو في قلب العقيدة والاستراتيجيات العسكرية عند الديموقراطيين الغربيين. فمن أجل المكافحة الناجعة للإرهاب، وهو الأمر الذي يزعم قادتنا الغربيون أنهم يستميتون من أجله، لا بد من أن تتوفر الجرأة على توظيف كل حميتنا القتالية ضد أنفسنا، وإلا فإن موت الديموقراطية (إذا لم تكن الديموقراطية قد ماتت بالفعل) يصبح الضرر الجانبي لخبثنا ونفاقنا.
هوامش
1ـ نذكر كأمثلة إضافية ما حدث في فييتنام وكمبوديا وأميركا الوسطى ويوغوسلافيا.
2ـ "الجيش الخفي" هو عنوان رواية لجوزيف كيسل (Joseph Kessel) حول المقاومة. وقد استخدمنا هذا التعبير للدلالة على أشكال المقاومة الأهلية المختلفة في وجه الاضطهاد.
3ـ الإرهاب بما هو استخدام وسائل عنيفة بهدف بث الرعب في صفوف الأهالي لتحقيق أغراض سياسية.
ترجمة :عقيل الشيخ حسين
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018