ارشيف من :أخبار لبنانية

ألمانيا ومشاريع التطبيع

ألمانيا ومشاريع التطبيع

صباح أيوب - "الأخبار"


العزيز فرانك،

أما وقد تمّت الموافقة الفوريّة على شطبي من بين الحاصلين على منحتكم الألمانية ــ الشرق أوسطية، أودّ أن أروي كامل قصتي مع مشروع صحافي ألماني ــ عربي مشترك وتجربتي الأولى مع... الديموقراطية الأوروبية.


… منذ أسبوعين فقط، لم تكن ألمانيا قريبة إلى هذا الحدّ من منزلي المتني. درجة حماستي للذهاب إلى ألمانيا ومكوثي هناك مدّة شهرين كاملين مدفوعي التكاليف بلغت حدّها الأقصى. أقنعت نفسي بأمور غريبة عن أطباعي، فقلت مثلاً لمن يعرف كرهي لفصل الشتاء: «برد برلين أخفّ بكثير من برد موسكو... سأتحمّله»!

كل شيء بدأ يبشّر بشهرين «تاريخيين» في البلد الذي حفظتُ بعض فصول تاريخه وتماهيت مع «شرقيته وغربيته» وتابعت روايات جداره وقرأت عن أجهزة استخباراته وتربّيت على موسيقاه الكلاسيكية ووثقت بحاضره من بين الدول الأوروبية الأخرى وامتدحت كل ما دمغ بعبارة «صنع في ألمانيا». في منزلي مذياع «صنع في ألمانيا» لن أفرّط به، السنة الماضية اشتريت حذاءً باهظ الثمن، لكن «صنع في ألمانيا»، أمي تحتفظ بألعاب «صنع في ألمانيا» منذ طفولتي لتورثها للأحفاد.

«غوتن تاغ» Guten Tag، هكذا سألقي التحية على سائق التاكسي الذي سيقلّني من المطار، وعلى صاحبة أول دكّان أدخل إليه، وعلى «زملائي» الألمان الذين «يتوقون للقائي» في أول محاضرة مشتركة، كما قالوا لي في مراسلاتهم الإلكترونية. المحاضرة الأولى حيث سيكون اللقاء الأول في برلين بين جميع المشتركين في المنحة، هنا بدأت القصة وهنا انتهت.

منذ أشهر أرسلت السفارة الألمانية دعوة إلى الصحافيين اللبنانيين للمشاركة في مشروع تبادل صحافي بين ألمانيا ودول الشرق الاوسط.

المشروع بعنوان «منحة الشرق الأوسط» من تنظيم مؤسسة «برامج الصحافيين الدوليين» International Journalists Programmes) IJP) يخوّل المشتركين العمل في مؤسسة إعلامية ألمانية لمدة شهرين مؤمنة التكاليف. ملأتُ الاستمارة بتشجيع وتسهيل من المسؤولين في «الأخبار» التي أعمل فيها ووعدتهم بأن أكتب «مواضيع جميلة» من برلين وعنها. جدّدت سيرتي الذاتية وأرفقتها بصورة شمسية باسمة، وقبل أن أرسل الملف تصفّحت الموقع الإلكتروني للمشروع. هناك، اكتشفت أن «منحة الشرق الأوسط» تضمّ مشاركين من لبنان وسوريا ومصر والاردن وفلسطين المحتلة، وأنها تحتوي في شقّ منفصل منها على منحة مخصصة للإسرائيليين تدعى «منحة كريمر كوليك». تلك المعلومة دفعتني إلى أن أرفق استمارتي بنصّ صغير يشرح للمعنيين أني كلبنانية «لا أستطيع أن أقوم بأي اتصال مباشر مع أي مشترك إسرائيلي». على أساسه، اتصل بي هاتفياً مسؤول التواصل في المشروع فرانك دييتر فريلينغ واستوضح مني النقطة المتعلقة بالمشاركين الإسرائيليين. شرحت لفرانك مجدداً، بكل وضوح، أن «القانون اللبناني يمنعني من العمل والتواصل بأي شكل من الأشكال مع الإسرائيليين» وانتهى الحديث الهاتفي بودّ «على أمل أن نلتقي قريباً».

«حلم برلين» استمرّ، لكن هذه المرة مع خشية أن يؤثر الموضوع الإسرائيلي على معايير الاختيار من قبل المنظمين الألمان. لكني سرعان ما أقنعت نفسي بأن من سيختار المشتركين هم ألمان، ديموقراطيون حازمون، سيحترمون حقوقي كإنسانة ومعاييرهم ستكون مهنية بامتياز. والاهمّ، أنهم، كألمان، من أكثر الشعوب الأوروبية اطلاعاً على الصراع العربي الإسرائيلي. لذا، فهم لن يستغربوا طلبي ذاك.

بعد شهر جاء الجواب الأول عبر رسالة إلكترونية من فرانك. «لقد تمّ قبولك ضمن مجموعة من 9 أشخاص، على أن نختار من بينهم 5 فقط للمرحلة النهائية». غبطة وسرور من جديد. «غوغل»، ما هو معدّل الحرارة في ألمانيا خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول؟ انتبهت فجأة إلى أني لا أملك حذاءً يناسب الطقس المثلج والجليدي.

بعد أسابيع جاءت الرسالة التي طال انتظارها: «لقد تمّ قبولك من بين المشتركين الخمسة لمنحة عام 2012»! قلتُ لكم إن الألمان «غير شكل» و«شغلهم مزبوط»!

يبقى فقط، حسبما قال فرانك في إيميله الأخير، أن أرسل له اقتراحات المواضيع التي أودّ أن أكتبها عندما أصل إلى ألمانيا. أمر سهل، مئات المواضيع متراكمة في ذهني وتنتظر فقط أن أعبر بوابة مطار برلين لتبصر النور . «العزيز فرانك، أرغب بزيارة مركز أرشيف «شتازي» لكتابة موضوع عنه، كذلك أرغب في كتابة تحقيق عن صناعة سيارات المرسيدس وأن أرصد كيف يحلل الصحافيون الألمان تطورات المنطقة وأحداثها»، كتبت لفرانك، دائماً مع التحية والشكر. «غوغل»، ما أسعار الشقق المتوافرة في برلين الشرقية؟

لكن فرانك أرسل لاحقاً ترحيباً رسمياً بالمختارين الخمسة (واسمي من بينهم)، عارضاً برنامج اليومين الأولين من الرحلة. فرانك، شرح أنه سيكون هناك محاضرة مشتركة في برلين لكل الوافدين والمشاركين في المنح، أي المشاركين الألمان، واللبنانية، والمصري والإسرائيليين الثلاثة. هنا، عدت لأذكّر فرانك، بوضعي الخاص وبإمكانية اتخاذ تدابير معينة لتجنّب اختلاطي بالإسرائيليين والكلام معهم. قلت له بوضوح: «لا يمكنني أن أتحدّث معهم، أو أن أشاركهم الطاولة نفسها، أو أن آخذ صوراً إلى جانبهم».

لكن المفاجأة جاءت في ردّ فرانك السريع، إذ قال لي: «يجب أن تتفاعلي مع جميع الزملاء، وهذا شرط مسبق من شروط المشروع»! عندها ذكّرته بكلامنا السابق وبتوضيحاتي بشأن القوانين اللبنانية وعن الشق الأخلاقي الشخصي الذي «يمنعني من إجراء محادثة ودّية مع عدوّي. بكل بساطة». فإذا به يرسل لي عظة أخلاقية في اللياقات الاجتماعية في «ما نسمّيه المجاملات بين البشر في اجتماعات كهذه» وأنه «لا أحد يطلب منك أن تعانقيهم»، موضحاً أن «القوانين اللبنانية لا تنطبق على الاراضي الالمانية». فرانك أضاف أنه إذا أصررتُ على موقفي فهم سيقبلون استقالتي من المنحة.

«العزيز فرانك، الأمر لا يتعلق فقط بالقوانين، بل بالأخلاق والكرامة. أبلغكم استقالتي من مشروع منحة الشرق الأوسط لعام 2012».
2012-09-07