ارشيف من :أخبار عالمية

تونس على أبواب "أزمة شرعية"

تونس على أبواب "أزمة شرعية"
تونس ـ روعة قاسم

مخاض عسير ذلك الذي تعيشه تونس في هذه الفترة لكتابة الدستور الجديد وتشكيل المؤسسات الدائمة والخروج من حالة الشرعية المؤقتة التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر الماضي، والتي سبقها اتفاق الأحزاب السياسية الكبرى على أن لا تتجاوز المرحلة الانتقالية السنة الواحدة.

ويتم بعد هذه السنة إجراء انتخابات جديدة بعد أن يحدد الدستور الجديد شكل النظام السياسي، الذي تريده النهضة برلمانياً، فيما ترغب باقي الأطياف في عمومها في النظام الرئاسي المعدل الذي يحد من صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الحكومة من دون أن يجعله ضعيفاً مجرداً من الصلاحيات على غرار ما يحصل في الأنظمة البرلمانية. لكن ما يتفق حوله الجميع هو ضرورة القطع نهائياً مع النظام السياسي الذي يجعل الرئيس قوياً يجمع بيديه جميع الصلاحيات لأن الأمر جرب وقاد إلى الاستبداد.

إشكالية 23 أكتوبر

تصر المعارضة في تونس على أن موعد 23 أكتوبر القادم هو موعد نهاية الشرعية للمجلس التأسيسي وللحكومة المنبثقة عنه. ففي هذا التاريخ تكون قد مرّت سنة بالتمام والكمال على إجراء انتخابات المجلس التأسيسي. وبما أنّ حركة النهضة قد تعهّدت بعدم تجاوز السنة لكتابة الدستور فإنه يكون لزاماً عليها وعلى حلفائها التخلي طوعاً عن ممارسة الحكم والبحث عن شرعية توافقية جديدة بين جميع الأطياف السياسية حتى لا يحصل الفراغ.

تونس على أبواب "أزمة شرعية"

وتصر المعارضة على أن تباطؤ المجلس التأسيسي في كتابة الدستور ليس شأنها، فقد أضاع الكثير من الوقت والجهد دون أن ينهي أعماله. كما أن حركة النهضة وحلفاءها انشغلوا بتقاسم الحقائب الوزارية لفترة طويلة على حساب كتابة الدستور فكانت المعضلة وهي حلول أجل نهاية الشرعية المؤقتة دون أن يتم الفراغ من المهمة المنوطة بعهدة النواب وهو ما سيعيد البلاد إلى المربع الأول أي إلى الفترة الانتقالية الأولى التي تلت هروب بن علي وانهيار مؤسسات الدولة وسبقت الانتخابات حيث قادت البلاد في تلك المرحلة الشرعية التوافقية بين جميع مكونات المشهد السياسي.

وتهدد المعارضة بالنزول إلى الشارع لإجبار الحكومة والمجلس التأسيسي على الالتزام بتعهداتهم وترك السلطة والبحث عن مخرج توافقي من الأزمة التي ستعيشها البلاد بحلول هذا التاريخ الذي يحبس الجميع في تونس أنفاسهم بنتظار حلوله خاصة وأن تهديدات المعارضة جدية وهي تستعد بالفعل للنزول إلى الشارع.

إصرار

الفريق الحاكم يصر على أن شرعيته لا تنتهي بحلول هذا التاريخ، فبحسب هؤلاء المجلس التأسيسي هو سيد نفسه وهو صاحب القرار الأول والأخير في هذا المجال وسيدعو إلى إجراء انتخابات جديدة بمجرد الانتهاء من كتابة الدستور ولا أحد يمكنه تقييده بآجال. وهو في حل من التزامات الأحزاب السياسية التي حددت مدة عمله قبيل الانتخابات بسنة.

ومثلما تهدد المعارضة بالتصعيد تهدد النهضة وأنصارها بالتصعيد أيضاً والخروج إلى الشارع في مظاهرات لدعم الشرعية، وتعتبر ما تقوم به المعارضة يدخل في إطار الثورة المضادة والالتفاف على نتائج الانتخابات وعلى إرادة الشعب التي فوضت إلى هذا الفريق إدارة شؤونه إلى حين. وهي على حد تعبير أنصارها ماضية قدماً في الدفاع عن أهداف الثورة وعن الناخبين الذين منحوها أصواتهم.
ويتعرض حزب نداء تونس الذي يقوده رئيس الحكومة السابق الباجي قائد السبسي إلى هجوم عنيف من قبل حركة النهضة وأنصارها ويعتبرونه أصل الداء، بما أنه أول من دعا الفريق الحاكم إلى وضع خارطة طريق وموعيد محددة للتفرغ من كتابة الدستور وإجراء الانتخابات وإلا فإن شرعيتهم توضع على المحك. ثم أضاف لاحقاً أن موعد 23 أكتوبر هو موعد انتهاء شرعية الفريق الحاكم.

الشرعية الأخلاقية

وأمام هذه المعضلة التي تهدد بحصول أزمة قريبة جداً في تونس كان لا بد من الاستنجاد بخبراء القانون الدستوري الذين أصر أغلبهم على أن الشرعية القانونية تبقى قائمة بحلول هذا التاريخ بما أن المجلس التأسيسي هو سيد نفسه، لكن الشرعيتين السياسية والأخلاقية تنعدمان بما أن حركة النهضة على وجه الخصوص لم تحترم تعهداتها خاصة وأن كتابة دستور لا تتطلب كل هذه المدة وبالإمكان الفراغ منه وعرضه على الاستفتاء في فترة لا تتجاوز بضعة أشهر دون أن نكون بحاجة إلى إثارة المعارضة وإدخال البلاد في أزمة.

تونس على أبواب "أزمة شرعية"

وللتونسيين تجربة مريرة تجعلهم يتوجسون من طول عمل المجلس التأسيسي. فقد انتخب الشعب سنة 1956 مجلساً تأسيسياً لصياغة دستور جديد للبلاد لم يتم الفراغ من كتابته إلا في بداية حزيران من سنة 1959 وقام بأشياء كثيرة خلال هذه الفترة ومنها عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه وهو التأسيس لملكية دستورية على النمط البريطاني يجرد فيها الملك من صلاحياته بالكامل لتمنح إلى رئيس الحكومة ويحافظ في المقابل على عرشه. لكن المجلس التأسيسي يومها انقلب على الملك محمد الأمين آخر ملوك العائلة الحسينية التي حكمت تونس قرابة الأربعة قرون وأعلن الجمهورية ونصب الحبيب بورقيبة رئيساً لها وكتب دستوراً يعطي صلاحيات مطلقة للرئيس أوصلت البلاد إلى الاستبداد.

ويخشى أن يسير هذا المجلس على خطى سابقه فلا يلتزم بتعهداته ويتجاوز صلاحياته وينفذ من خلاله الفريق الحاكم أجنداته للبقاء في الحكم إلى أبد الآبدين. لقد فعلها الدستوريون من قبل ولا شيء يمنع أن تفعلها النهضة اليوم على حد تعبير أحد الخبراء في القانون الدستوري.
2012-09-07