ارشيف من :أخبار لبنانية
القوّات في المتن الشمالي: بانتظار موت الحلفاء
رولا إبراهيم ـ "الاخبار"
لحزب الكتائب اللبنانية حضور تاريخي في المتن الشمالي، فيما استطاع التيار الوطني الحرّ مقاسمة الكتائب النفوذ قبل التقدم عليه في تلك المنطقة، واضعاً نصب عينيه حصة النائب ميشال المر. أما حزب القوات اللبنانية، فيقع بين مطرقة الخصم وسندان الحليف القويّ.
في المتن الشمالي قوتان سياسيتان (باستثناء الكتلة الأرمنية) ونائب. يختصر حزب الكتائب اليوم النائب سامي الجميّل الذي يكاد يكون أقوى المرشحين في المنطقة، لولا تربّع النائب العوني إبراهيم كنعان منذ 7 سنوات على المرتبة الأولى فيها. فرغم حداثة التيار الوطني الحر الانتخابية في قرى المتن، تمكن في السنوات القليلة الماضية من خلق حالة جماهيرية كبيرة تجاوزت جمهور الكتائب والعائلات المؤيدة له. أما القوات اللبنانية، فتجد نفسها في هذه الدائرة أمام وضع غريب، فلا يمكنها القضم من صحن الكتائب ولا ابتلاع أنصار السياسيين التقليديين كما فعلت في مناطق كثيرة أخرى، بينما العصب العوني مشدود. لا يمكن القوات مسّه، في المتن كما في كل لبنان.
تحاول القوات منذ نحو سنتين تكرار تجربتها الكسروانية والزحلية في معقل الكتائبيين الذي حافظ دائماً على وفائه للرئيس أمين الجميّل الكتائبيّ بدل التفاعل مع الرئيس بشير الجميّل القواتي. ولم تجد القوات بالتالي ملاعب لها في ساحات المتن الشمالي في أكثر أيامها نفوذاً. ويكاد يستحيل المرور بكتائبي في المتن في هذا السياق من دون سماع الرواية القديمة عن تهجير قائد القوات سمير جعجع الرئيس الجميّل من المنطقة فور انقضاء ولايته الرئاسية واحتلال القوات بيوت الكتائب ومراكزهم. ويسمع المتنقل بين بعض بيوت الكتائب في ساحل المتن الشمالي كلاماً حازماً عن استقلالية الكتائبيين و«أنهم الأساس» وعن وجوب «عودة جعجع من القوات إلى الكتائب بدل أخذ المزيد من الكتائبيين إلى القوات». وتبدو مهمة القوات صعبة بحسب مسؤول كتائبي متني، «فخدماتياً لا يمكن جذب الكتائبيين، خصوصاً أن الحزب ممثل في المجلسين البلدي و النيابي، وهو أكثر تمثيلاً من القوات بكثير في مختلف الإدارات العامة. وفي بلدات المتن، يمثل الكتائب شخصية نافذة غالباً، أما القوات فمسؤولها شاب غالباً ما تسود الشائعات وجهه. فيما سياسياً، يحرص النائب سامي الجميّل على رفع سقف خطابه أكثر بكثير مما يفعل جعجع». ويستقطب بحسب الاستطلاعات التي تجريها بانتظام مؤسسة قريبة من 14 آذار، كل أصوات هذه القوى في المتن بما فيها القوات. ولا يسأل المستطلعون عن المرشح الماروني المفضل إليهم إلا ويكون الجميل الأول عند من توحي أجوبتهم الأخرى بأنهم قوات. ويضيف الكتائبي أن «آخر استطلاع أجري أشار إلى أن مرشح القوات إدي أبي اللمع لا ينال أصوات القوات بالكامل، يأخذ الجميّل منهم ما يتعدّى30%». ولا تمرّ مناسبة مشتركة إلا وتخرج الحساسية بين القوات والكتائب إلى العلن، فلم يحضر أي كتائبي مثلاً لقاء معراب أول من أمس. فضلاً عن المنافسة «اللدودة» بين إذاعتي صوت لبنان بعد انقسامهما واحدة قواتية وأخرى كتائبية. بالإضافة إلى حضور الكتائب جلسات الحوار حين تقاطع القوات وغيرها.
كما عند الكتائب، كذلك في دارة المر البتغرينية. يتباهى القوات بامتلاكهم المركز الأكبر في معقل أبو الياس وتحضيرهم لخلافته محاولين استدراج شبابه إليهم. فتحت النائبة ستريدا جعجع أبواب العمارة أمام القوات بعد قطيعة طويلة، وقطف ثمارها أبي اللمع الذي لا يزال يتودد إلى المر. كذلك، لا يترك جعجع مناسبة إلا ويغدق عليه كل أنواع الإشادات. إلا أن تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة وعدة استحقاقات أخرى بينت أن ردّ المرّ جميل القوات ليس وارداً في حساباته. في النيابة يقايضهم أصواتهم بأصواته، أما في الاستحقاقات الأخرى، فلا يبدو أبو الياس كمن نسي محاولة اغتياله يوم كان وزيراً للدفاع عام 1991، التي اتهمت القوات بها. وحتى لو حاول تناسيها، تكاد كل مناسبة اجتماعية أو زيارة تذكّره بمخلفات الانفجار، اذ يضطر إلى الاستدارة يساراً نحو المتحدّث لعطب في أذنه اليمنى. وبالأسماء، يبدو استقطاب التيار الوطني الحر والكتائب لـ«جماعة المر» أكثر بكثير من استقطاب القوات لهم. وبالرغم من ذلك، يبدو واضحاً أن حركة القوات في بتغرين أكبر بكثير منها في المراكز الأخرى؛ إذ يكاد يكون الإنجاز الوحيد الذي حققه مكتب بعبدات الذي قدمه رئيس بلديتها عماد لبكي إليهم هو تعليق علم القوات عليه. إلا أن أوساط القوات المتنية، تجزم بأن مرشحها المفترض (أبي اللمع)، بخلاف ما يتداوله «الخبثاء» يصول ويجول في المتن باستمرار من أجل التفاعل مع الأهالي ومساعدتهم... وأيضاً «تجنيد المزيد من المتنيين في صفوف الحزب». أما علاقته بحلفائه «فجيدة جداً مع النائبين الجميّل والمر اللذين يزورهما باستمرار، حتى إنه لا عداوات شخصية بينه وبين خصومه بل سياسية فقط». ويؤكد القواتيون أنهم بعديدهم الكامل «لا بعضهم فقط» اقترعوا للجميّل في الانتخابات السابقة، وذلك تحت عنوان «أصحاب القضية الواحدة». «فالقوات حتى ولو سقطت، لا تخون».
كلام القواتيين عن «نشاط» أبي اللمع يقابله حديث لرؤساء بلديات متنية عن غيابه الكلّي عن السمع مهما بذلوا والأهالي جهوداً للاتصال به، حتى باتوا يتساءلون من الأضعف في المنطقة: الحزب أم مرشحه؟ فيمكن ماجد فائق أبي اللمع «المغنّج» بإدي أن يتحدث لساعات عن الفلتان الأمني والخروق السورية على الحدود، إنما يصعب عليه ابتكار مشروع مفيد للمتن وأهله. فيما يقول آخرون إن شحّ الخيارات القواتية وضعف التمثيل القواتي في المتن، يبقي منسقهم في تلك المنطقة المرشح الأبرز والوحيد. حتى لو عجز الفنان العاشق للزهور (أبي اللمع) أن يزرع وردة واحدة في قلوب المتنيين، وأن يفرض نفسه رقماً صعباً أمام المرشحين الآخرين. ويعتب بعض الآذاريين بشدة على «مرشح ستريدا» الذي لم يكلّف نفسه عناء بناء صورة سياسية له بمعزل عن عباءة الحكيم، فيجلس رافعاً رجليه كأنه يضمن ترشحه مرة أخرى أكثر في حال بقائه «القواتي الوحيد في المتن».
يذكر أن نقاشاً حصل في القوات عشية انتخابات 2009 بين فريقين، واحد يريد اعتماد أبي اللمع مرشحاً «على علّاته»، وآخر يشجع على اتباع مخطط شبيه بالذي اعتمد في بعبدا عبر استقدام مرشحين من خارج الحزب ودعمهم لكسب أصوات أكثر. إلا أن الأكثرية أجمعت على استرضاء المناضل في القوات منذ الثمانينيات، حتى لو كانت النتائج معروفة مسبقاً، يقول نائب قواتي. أما اليوم، «فأحاديث الأروقة المغلقة تدور حول سعي جعجع إلى دخول لعبة السياسيين الآخرين في استقطاب رجال الأعمال من بوابة المتن الشمالي ما دام هناك أضعف منه في دوائر أخرى. والبداية من المرشح السابق سركيس سركيس، إذ يتبنى جعجع ترشحه ونيابته في حال فوزه، إضافة إلى آخرين على لائحة 14 آذار على الأقل».
في النهاية، مع بدء الاستعدادات المتنية لتركيب اللوائح، يقف حزب القوات بين نارين: تحالفه مع الكتائب الذي لا ينقذه من التشطيب ويحول دون تمكنه من قضم الكتائب، وعدم إمساكه بأيٍّ من مفاتيح المتن الانتخابية التي تخوله فرض شروطه على حلفائه وإظهار نفسه قوة فاعلة. فيلجأ إلى المقابر، ينتظر موت سياسي هنا أو حزب هناك لتوزيع القهوة على أنصاره وأعلام القوات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018