ارشيف من :أخبار لبنانية

للتذكير بوثيقة "وقفة حق" المسيحيين الفلسطينيين: "الاحتلال الإسرائيلي شر يجب مقاومته"

للتذكير بوثيقة "وقفة حق" المسيحيين الفلسطينيين: "الاحتلال الإسرائيلي شر يجب مقاومته"



سركيس ابو زيد - صحيفة "السفير"


بابا روما في بيروت: هل هي زيارة رعوية واحتفالية دينية، أم هي مناسبة جدية من أجل إعلان إرشاد رسولي رائد وشجاع، سيذيعه البابا بنديكتوس السادس عشر بصيغته الرسمية في كاتدرائية القديس بولس في حريصا. كانت دوائر الفاتيكان قد عملت على إعداد الصياغة النهائية للإرشاد الرسولي للكنيسة الكاثوليكية في الشرق الاوسط، وحتى الآن، لا يمكن معرفة مضمون الإرشاد. لكن من المتوقع أن يعبر عن تحولات منطقة الشرق الأوسط وان يحمل نداء مفاده «دعوة المسيحيين والمسلمين واليهود في أرض البدايات الى الوحدة في سبيل احترام مبدأ الكرامة الانسانية». لكن كيف؟

ما سرب حتى الآن لا يشفي غليل المسيحيين المشرقيين الذين يتعطشون الى سماع كلمة حق وقول فاصل في المسألة المفصلية في الشرق الاوسط، وهي فلسطين.
من التوصيات التي نشرت مؤخرا للنص غير الرسمي فقرتان تتحدثان بشكل وعظي وعام حول الحوار مع اليهودية والإسلام. وقد جاء في الاولى: «إننا نشجع مبادرات الحوار والتعاون القائمة مع اليهود، لكي نعمق القيم الإنسانية والدينية، والحرية، والعدالة، والسلام، والأخوة. إن قراءة العهد القديم، والتعمق في التقاليد اليهودية، يساعدان على معرفة أكبر لهذه الديانة، وإننا نرفض العداء للسامية والعداء لليهودية، مميزين بين الدين والسياسة».
وتضمنت الثانية توصية الحوار مع الإسلام جاء فيها: «يتشارك المسيحيون والمسلمون في الشرق الاوسط في الحياة والمصير. ومعا يبنون المجتمع. لذلك من المهم تعزيز مفهوم المواطنة، وكرامة الشخص البشري، والمساواة في الحقوق والواجبات، والحرية الدينية التي تتضمن حرية العبادة وحرية الضمير. على المسيحيين في الشرق الاوسط أن يثابروا على حوار الحياة المثمر مع المسلمين. ولذلك ينظرون اليهم نظرة تقدير ومحبة، رافضين كل أحكام سلبية مسبقة ضدهم. وإنهم مدعوون الى أن يكتشفوا معاً القيم الدينية عند بعضهم البعض، وهكذا يقدمون للعالم صورة عن اللقاء الايجابيّ وعن التعاون المثمر بين مؤمني هاتين الديانتين من خلال مناهضتهم المشتركة لكل أنواع الأصولية والعنف باسم الدين».
من الواضح حتى الآن أن الإعلام والمهتمين يركزون على زيارة البابا وأهميتها وحشد المستقبلين وتنوع انتماءاتهم المذهبية والسياسية فضلا عن السباق بين 8 و14 آذار لإظهار اهتمامهم بالزيارة ومظاهر الاستعدادات بالاحتفالات. ومن النتائج الايجابية حتى الآن تأجيل الضجيج الإعلامي المعبر عن أزمات سياسية حامية قد تنفجر في أي لحظة على وقع الخلافات الحادة في المنطقة وتداعياتها غير السارة على الواقع اللبناني. فكانت زيارة البابا حجر عثرة في استمرارها. فتم أرجاء التصعيد الى ما بعد انتهائها.

ولان حضور البابا في لبنان هو منصة موجهة الى كل الشرق الاوسط، ولأنها أكثر من زيارة عادية، للفولكلور هامش جانبي، والأهم هو مضمون الرسالة التي يحملها. وحتى لا يبقى الارشاد أسير الشعارات والعموميات أذكر أهل السينودوس بمقررات سبق ان اتخذها في بيت لحم بتاريخ 13/12/2009 رجال دين مسيحيون حول فلسطين، وهي وثيقة بعنوان «وقفة حق»، وقد جاء فيها:
«تطالب الوثيقة المجتمع الدولي بوقفة حقّ تجاه ما يواجهه الشعب الفلسطينيّ من ظلم وتشريد ومعاناة وتمييز عنصريّ واضح منذ أكثر من ستة عقود. وهي معاناة مستمرّة تمرّ تحت سمع وبصر المجتمع الدوليّ الصامت والخجول في نقده لدولة الاحتلال - إسرائيل...
«نعلن نحن الفلسطينيين المسيحيّين في هذه الوثيقة التاريخيّة أنّ الاحتلال العسكريّ لأرضنا هو خطيئة ضدّ الله والإنسان، وأنّ اللاهوت الذي يبرّر هذا الاحتلال، هو لاهوت تحريفيّ، وبعيد جدًّا عن التعاليم المسيحيّة، حيث إنّ اللاهوت المسيحيّ الحقّ، هو لاهوت محبّة وتضامن مع المظلوم ودعوة إلى إحقاق العدل والمساواة بين الشعوب».

وتضمنت الوثيقة توصيات حول المقاومة جاء فيها:
«الظلم الواقع على الشعب الفلسطينيّ، أي الاحتلال الإسرائيليّ، هو شرّ يجب مقاومته. هو شرٌّ وخطيئة يجب مقاومتها وإزالتها. تقع هذه المسؤوليّة أولاً على الفلسطينيّين أنفسهم الواقعين تحت الاحتلال. فالمحبّة المسيحيّة تدعو إلى المقاومة، إلا أنّ المحبّة تضع حدًّا للشرّ بسلوكها طرق العدل...
«إنّ خيارنا المسيحيّ في وجه الاحتلال الإسرائيليّ هو المقاومة. فالمقاومة حقّ وواجب على المسيحيّ. ولكنّها المقاومة بحسب منطق المحبّة، فهي مقاومة مبدعة، أي أنّها تجد الطرق الإنسانيّة التي تخاطب إنسانيّة العدوّ نفسه. وإنّ رؤية صورة الله في وجه العدوّ نفسه واتّخاذ مواقف المقاومة في ضوء هذه الرؤية هي الطريقة الفعّالة لوقف الظلم وإجبار الظالم على وضع حدٍّ لاعتدائه، وللوصول إلى الهدف المنشود، أي استرداد الأرض والحريّة والكرامة والاستقلال...

«إنّنا نكنّ كلّ احترام وتقدير لكلّ من بذل حياته حتى اليوم في سبيل الوطن. ونقول إنّ كلّ مواطن يجب أن يكون مستعدًّا للدفاع عن حياته وحريّته وأرضه...».
هذه بعض التوصيات التي أقرها رجال دين مسيحيون على اختلاف مذاهبهم، بمن فيهم أساقفة كاثوليك. ونضعها أمام وجدان وضمير الدوائر الفاتيكانية على أمل أن يأخذ بها قداسة البابا في الصيغة الرسمية للارشاد الرسولي ليكون موقفه قاطعا واضحا فاصلا لا لبس فيه ولا التباس. عندها تكون الزيارة تاريخية ومصيرية، وإلا تبقى حبرا على ورق كما حصل في زمن الارشاد الرسولي من أجل لبنان الذي طوّب «لبنان الرسالة» وبقي شعارا بلا تطبيق، فدخل لبنان في الفوضى وعصت القيادات على الإصلاح والتنفيذ.

هل يتخذ البابا موقفا تاريخيا كما توقع أحد البطاركة فيعترف بدولة فلسطين وحق المقاومة، أم سيكتفي بتكرار زيارة سلفه فيفوز ببهرجة الاحتفال ويخسر قضية الحق. قال المسيح: الحق يحرركم. فهل يتخذ البابا «وقفة حق» ليتحرر المسيحي الشرقي من الخوف والانعزال والتبعية والضياع؟ فيصبح شاهدا للحق ورسول محبة وفداء.

كاتب سياسي ـ لبنان





2012-09-14