ارشيف من :أخبار لبنانية
البابا لإلزام رعيته أولاً بـ«الإرشاد».. قبل الآخرين
غادر البابا بنديكتوس السادس عشر لبنان ومعه الشرق الأوسط، تاركا «إرشاده» أمانة في أيدي رعيّته المشرقية، لعلها من خلاله تجد ما يدلها الى كيفية حماية الوجود المسيحي وتجذيره في لبنان والمنطقة، وهي مهمة صعبة، في ظل الوقائع التي أدت الى ازدياد النزف المسيحي في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان.
واذا كان البابا قد أطلق مع «إرشاده»، دعوة ملحة الى استئصال الاصولية الدينية التي تهدد الجميع، فإن رسالته هذه قد تجد صعوبة في أن تمخر عباب بحر إقليمي تتلاطم فيه الأمواج وترتسم على شطآنه دول ووقائع جديدة.
وتقول شخصية كنسية ان البابا، لأنه يدرك الصعوبات والعقبات، قرر المضي بزيارته الى لبنان بوصفه منصة لإطلاق رسالة بابوية أقرب ما تكون الى «المصيرية» بالنسبة الى مسيحيي الشرق، وهو قبل أن ينتظر استجابة المسلمين اللبنانيين، يضع المسيحيين أولا أمام مسؤولياتهم وواجباتهم التالية:
«اولا، ان مخاطبة البابا للمسيحيين اللبنانيين لم تفرزهم بين 8 و14 آذار، بل توجه اليهم كأبناء رعية واحدة كلما ابتعدوا بعضهم عن بعض وساد الانقسام خسروا، وكلما اقتربوا بعضهم من بعض وتلاقوا كانت مصالح المسيحيين مصانة ومحفوظة. إلا ان أرض الواقع اللبناني، والكلام للشخصية الكنسية، تبقى متأثرة بالتجارب السابقة وبالانقسامات الحادة. ومن هنا الخشية بأن يتعامل الطرفان مع الزيارة والزائر و«الإرشاد» بما يخدم وجهة نظر كل منهما سياسيا.
ثانيا، لقد وضع البابا المسيحيين اللبنانيين، من دون استثناء، أمام مسؤولية وواجب تلقف رسالته والعمل بهديها على طريق التجذر في أرضهم، وللدخول في علاقة متفاعلة قائمة على التسامح والتفاعل والتساهل والتكامل، ليس مع الشريك المسلم فحسب، بل في ما بينهم أولا وأخيرا، بما يؤكد شراكتهم الحقيقية، لا أن يكونوا مجرد «أبواق» لهذا الطرف أو ذاك!
ثالثا، ان لغة المخاوف التي أبداها البابا حيال مسيحيي الشرق، تنطوي على إقرار واضح بأن هذا الشرق ليس لونا واحدا، بل هو كناية عن مكونات مختلفة محكومة بالتفاعل والتعاون في ما بينها بما يحفظ وجودها جميعا، وتلك اللغة لا تعطي أي مبرراً لأي مسيحي لبناني لأن يتساهل مع كل ما من شأنه تفريغ المنطقة من المسيحيين، خاصة أن كل كسب آني ومؤقت قد تترتب عليه مستقبلا خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها.
رابعا، ان البابا يسلم الراية الى بكركي ويضعها أمام مسؤولية أن ينضوي الجميع تحت لوائها، بغض النظر عن التوجهات السياسية، بما ينقل المسيحيين من حال «الاستتباع» الى حال آخر يقدمهم كمسيحيين كاملي المواصفات وليس كمتأسلمين بحكم الضرورة والمصلحة الخاصة.
خامسا، عندما استحضر البابا التعايش اللبناني، وضع اللبنانيين على اختلاف مكوناتهم أمام مسؤولية إعادة البريق الى النموذج اللبناني التعددي، «وهذا لا يتم إلا من خلال إعادة البحث بالعقد الاجتماعي القائم. وهو ما دعا اليه البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومعناه إعادة بناء القواعد التي تقوم عليها علاقة اللبنانيين بعضهم ببعض وترجمة هذه القواعد بصيغة النظام السياسي. ولعل الخطوة الاولى في هذا الاتجاه تكون عبر الالتقاء على قانون انتخابي لا يغلب فئة على فئة ويؤدي الى تمثيل صحيح يعزز الوحدة الوطنية ويؤكد الشراكة الحقيقية في القرار التي انتفت مع الممارسة الخاطئة والتنفيذ الخاطئ لاتفاق الطائف».
سادسا، ان دعوة البابا الى جعل «التوازن اللبناني الشهير» نموذجا في كل الشرق، هي دعوة الى ولادة طائف في كل بلد يضم في مكوناته مسلمين ومسيحيين، من أجل حفظ الوجود المسيحي وبالتالي القيمة المضافة للشرق بوصفه أرض الديانات والتلاقي بينها تاريخيا.
سابعا، لم يعد خافيا، أن مواقف الفاتيكان والبابا تتناقض في بعض مضامينها مع سياسات دولية أدت إلى تهجير المسيحيين من الشرق، وبمجرد أن يدعو الحبر الأعظم المسيحيين الى عدم الخوف وأن يتجذروا في أرضهم، يتناقض جذريا مع كل سياسة دولية لا تأخذ في الحسبان قضية الوجود المسيحي المهدد في هذا الشرق.
ثامنا، «يجب ان يعرف المسيحيون في لبنان انه لو كانت السياسات الغربية في الشرق تؤدي الى تثبيت المسيحيين فيه لما كان البابا الحالي ولا من قبله يوحنا بولس الثاني اضطرا لزيارة هذا البلد الصغير، ولما أصدرا «إرشادا» تلو «إرشاد» والعبرة كل العبرة عند المسيحيين ولو أنهم دائما يحاولون الهرب الى الأمام بتحميل الآخرين مسؤولية ضعفهم وخوفهم وإحباطهم وقلقهم»، على حد تعبير الشخصية الكنسية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018