ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان بين انتخاب على أساس أكثري وطموح لتجربة النسبية
برز قانون النسبية الانتخابي في لبنان وكأنه اكتشاف لمادة جديدة في كون السياسة المحلية، حيث كثرت التأويلات والاجتهادات بين من يعتبره نافذة لتأمين الاستقرار الوطني في البلد، وطرف يراه كسراً لوجوده السياسي داخل معادلة التوازنات القائمة، وثالث محتار بين حجم دوائر الاقتراع وتوزيع المكاسب والأرباح الانتخابية.
الوزير السابق ألبير منصور شدد على أن "النظام الأكثري كان الأفضل للبنان في الماضي، حيث كانت الانقسامات السياسية عابرة للطوائف"، مستدركاً بأن "سيطرة المال السياسي من جهة، وتفشي الحال الطائفية والمذهبية من جهة ثانية، أثرا بشكل كبير في مسار العمل الانتخابي في لبنان"، ويشير منصور إلى وجود "تقارب بين قانون الانتخاب المقترح من الحكومة واتفاق الطائف لناحية التمثيل النسبي"، ويخلص السياسي المخضرم إلى أن "القانون المقدم، أفضل الممكن حالياً، وهو يؤمن نوعاً من التحول في هذا البلد"، وهو الأمر الذي خالفه فيه عضو كتلة "المستقبل" النائب عاطف مجدلاني الذي يعتبر العمل وفق النسبية "مستحيلاً"، رابطاً بين تطبيقها و"الظروف الحالية التي يمر بها لبنان والمنطقة".
رئيس مركز بيروت للأبحاث والمعلومات عبدو سعد استغرب مقولة إن "لبنان لا يستطيع تطبيق النسبية من الناحية الواقعية"، وتساءل عن "الأسباب التي تمنع تطبيق الأفضل في هذا البلد"، وأشار سعد إلى أن "العالم يطبق النسبية باعتبارها الأفضل من بين القوانين الانتخابية، وبالتالي فإن ذلك يجعل من النسبية واقعاً من الممكن تطبيقه"، وذكَّر بأن مركز بيروت للأبحاث والمعلومات "قام بطرح النسبية في العام 1997، فكانت ردود الناس وكأننا نتكلم في كوكب آخر"، وأضاف إن "النسبية ليست أمراً جديداً، فهي موجودة ومطبقة منذ العام 1899، وأول ما طبقت في بلجيكا"، ولفت إلى أن "لبنان شهد طرحاً للنسبية في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ولكن لم تكن هناك آلية لتطبيقها"، وتطرق سعد إلى "مساهمته الكبيرة بإيجاد آلية لتطبيق النسبية، لتتلائم مع الواقع اللبناني، نظراً لأن البلد يتميز بفرادة من ناحية تركيبته، وما هو موجود في لبنان لا نجد مثله في وطن آخر".
| الاشتراكي: الانقسام العمودي السياسي في لبنان يمنع تطبيق النسبية |
ويذكَّر عضو جبهة النضال الوطني النائب علاء الدين ترو بأن الحزب التقدمي الاشتراكي كان "أول من طرح قانون النسبية في لبنان"، مبرراً موقف الحزب الرافض للنسبية بـ"التأزم السياسي والانقسام العمودي الذي يتخبط فيه لبنان، ما يتطلب الحفاظ على التنوع والتعدد والتمايز في البلد"، واعتبر أن "على الجميع قطع الطريق أمام أي فتنة طائفية أو مذهبية"، وإذ يوافق ترو على أن "الحكومة، التي شارك فيها الاشتراكي، تعهدت في بيانها الوزاري بإصلاح قانون الانتخاب ودراسة نظام التمثيل النسبي"، إلا أنه شدد على أن "الوضع الحالي غير مناسب لطرح قانون انتخاب جديد".
ويعزو الاستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية وسيم منصوري رفض جهات محددة لبعض القوانين في وقت ما، والقبول بها في أزمنة أخرى، إلى أن "أي سياسي لن يعمد إلى اختيار قانون انتخاب لمصلحة لشعب"، ويؤكد أن "السياسي يهدف فعلياً إلى إيجاد قانون انتخابي يؤمّن بقاءه في السلطة، ويحسن وضعه كقوة سياسية في البرلمان"، ويضيف منصوري إن "التوازنات السياسية ولعبة الموالاة والمعارضة هي فقط ما قد يدفع إلى إيجاد إصلاحات، وبالتالي يصبح المواطن مستفيداً من تعديل قانون الإنتخاب بالصدفة".
ويرفض منصور الربط بالظروف الحالية في لبنان والمنطقة معللاً الأمر بـ"وجود قوى سياسية تخاف من النسبية فحزب "المستقبل" يصادر رأي الأقلية داخل الطائفة السنية عبر قانون الأكثرية، وكذلك يفعل النائب وليد جنبلاط عبر مصادرة التمثيل المسيحي في الجبل"، ويدعو منصور إلى "قيام أحزاب وطنية، غير طائفية، وفقاً لما تشترطه النسبية، وأن يتم تعديل قانون الأحزاب السياسية على هذا الأساس"، وحذر من أن "الانتخابات النيابية قد تؤجل في حال لم حصول توترات أمنية، أو أسباباً قاهرة وفعلية تمنع قيامها"، وذكَّر بزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركي السابق، ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان إلى لبنان مؤخراً، حيث "أصر على البقاء على قانون العام 1960"، ونبَّه منصور إلى أن ذلك "تشجيع على مصادرة تمثيل جزء كبير من اللبنانيين في الكثير من المناطق".
| سعد: الانتخابات لن تجري على أساس أكثري و"القوات" هي المستفيد الأكبر من النسبية |
وشدد سعد على أن قانون النسبية "مطروح بشكل جدي، وله فرصة جدية في لبنان"، وأكد أن "الانتخابات لن تجري في لبنان على أساس القانون الأكثري"، واستند سعد إلى ذلك "من خلال معرفته بالقوى السياسية الرئيسية في لبنان، وخصوصاً المسيحية منها"، وكشف أن القوى التي ترفض النسبية "تفعل ذلك لأسباب تتعلق بمصلحتها الانتخابية"، وقال إن "العدالة الانتخابية في البلد تتجسد بتطبيق النسبية مع اعتماد لبنان دائرة واحدة"، ونبَّه إلى أن "حزب المستقبل والنائب وليد جنبلاط متضرران في حال تطبيق النسبية"، وأوضح بأن "لدى المستقبل 17 مقعد مسيحي "أسير" لـ"الأكثرية السنية"، وهناك 7 مقاعد "أسرى" للحزب التقدمي الاشتراكي"، وأردف قائلاً إن "النسبية تحرر مقاعد الأقلية من هيمنة الأكثرية، ولذلك نرى ردة الفعل القاسية من المستقبل والاشتراكي".
| منصوري: النسبية ديمقراطية حقيقية والنظام الأكثري يؤدي إلى حكم واحد |
ويؤيد منصوري الأمر، موضحاً أن "النظام الأكثري يؤدي عادة إلى حكومة من لون سياسي واحد، وبالتالي فإن قراراتها تمثّل سياسة واحدة"، ويضيف أن "الأمر مختلف فيما يتعلق بنظام الإقتراع النسبي"، حيث أن "نسبة المقترعين في الدول التي تعتمد النظام النسبي تصل إلى 70 % أو 80 %، وتتحوّل الخلافات السياسية والاجتماعية من الشارع إلى البرلمان"، ويعيب الاستاذ الجامعي على قانون النسبية بأنه "يعرّض العمل الحكومي إلى صعوبات كبيرة لأنها محكومة بالتوافق بين كتل سياسية عدة منبثقة من البرلمان، فنظام الإقتراع النسبي أكثر ديمقراطية لكنه ليس بمنأى عن التقلبات السياسية".
أوساط مقربة من دائرة القرار في حزب الكتائب أبدت "رفضها خوض الانتخابات القادمة على أساس قانون الستين"، مؤكدة أن قيادة الحزب "مع قانون النسبية بشكل واضح"، وتؤكد الأوساط نفسها أن "قانون النسبية هو الأكثر إنصافاً للمسيحيين في لبنان"، في المقابل يستغرب منصور انجرار حزبي الكتائب والقوات وراء القرار المستقبلي ويعتبر "موقف كل من حزبي "الكتائب" و"القوات" من القانون المقترح عبر الحكومة تفويتاً للممكن حالياً نظراً لأن النسبية تعطي هذين الحزبين حقهما في التمثيل المسيحي".
ويشدد سعد على أن "المستفيد الأول من قانون النسبية هو لبنان من دون أدنى شك، وعلى مستوى الطوائف فإن المستفيد هي الطائفة المسيحية، وعلى مستوى الأحزاب والقوى السياسية فإن القوات اللبنانية هي المستفيد الأكبر بشكل خاص، وكل القوى المسيحية الأخرى"، وأعاد سعد التذكير بأن "اللجنة الرباعية (القوات الوطني الحر، المردة، الكتائب) اتفقت في بكركي على رفض العمل وفقاً لقانون العام 1960، بشكل واضح، وكان النقاش يدور حول عدد الدوائر التي سيجري على أساسها الانتخاب".
| المستقبل: من المستحيل تطبيق النسبية في ظروف لبنان والمنطقة |
وبدا مجدلاني متحسساً لمقدار أهمية النسبية لتمثيل المسيحيين على الأقل، حيث أقر بأن النسبية هي "القانون الأفضل"، وفقاً لـ"رأي شخصي لا يلزم الكتلة"، لكنه بدلاً من تفنيد كيفية منع ظروف المنطقة لتطبيق النسبية، وجه مجدلاني سهامه نحو سلاح المقاومة الذي رأى فيه "العقبة" أمام تطبيق النسبية، على قاعدة أن "لا نسبية في ظل السلاح".
غير أن مصادر متابعة للملف الانتخابي في لبنان كشفت عن أن "عدم اتفاق الفرقاء على قانون الانتخابات، يعني الاتجاه نحو إرجاء الانتخابات لا إلغائها، وسيتم التذرع بأسباب تتعلق بالأمن والاستقرار"، وأضافت المصادر نفسها، إن "إحراق بعض الإطارات في تلك المنطقة أو قطع طرقات في أخرى، يكفي لكي تسارع الجهات الرسمية إلى قرار يؤجل هذا الاستحقاق الهام إلى موعد لاحق".
| منصور: المال السياسي والطائفية يؤثران على العمل الانتخابي في لبنان |
ويشير منصوري إلى أن "العلاقة بين الناخب والمرشح تحكمها الدوائر الإنتخابية"، ويوضح الأمر قائلاً: "إذا كانت الدائرة الإنتخابية ضيقة (نائب أو نائبين)، فهذا يعني أن العلاقة ما بين الطرفين وثيقة ووطيدة، أما إذا كانت الدائرة الإنتخابية موسّعة، فالعلاقة تكون بين المواطن والمشروع السياسي للجهة السياسية، لأن الناخب لا يعرف المرشّح مباشرة"، ويعتبر منصوري أن "للنظام السياسي اللبناني خصوصية يتميّز بها عن كل دول العالم الأخرى. فالتمثيل في لبنان هو أساساً تمثيل نسبي بغضّ النظر عن نظام الإقتراع، وهذا ما يفسّر طبيعة الحكم والحكومة الخاصة عندنا ووجوب التزامها الدائم بالتوافق"، وخلص منصوري إلى أن "اختيار نظام اقتراع للبنان يجب أن ينسجم مع طبيعته هذا البلد الخاصة من جهة، وضرورة تجاوز المرحلة الطائفية في لبنان من جهة أخرى".
| الكتائب: مع النسبية لكن ليس وفقاً للقانون المقدم من قبل الحكومة |
وينتقد سعد ابتعاد بعض القوى عن اعتماد "لبنان دائرة واحدة" التي يرى فيها "مصلحة للجميع في البلد"، وإذ يقر بأنه "لن يتم العمل بها"، يرجع ذلك إلى أن "هناك حاجزاً نفسياً في عملية تقسيم الدوائر الانتخابية، تتعلق بإرضاء فلان أو غيره من الزعامات السياسية، كما حصل في الجبل والشوف، على سبيل المثال خلال تطبيق القانون الأكثري"، وتساءل سعد قائلاً: "من قال إن القيام بتطبيق النسبية وفقاً لذلك هو لمصلحة هذا الزعيم أو ذاك؟"، ورأى أن "ذلك بالعكس قد يكون مقتلاً له في الانتخابات على أساس النسبية، بينما إن كان لبنان دائرة واحدة على أساس القانون الجديد فإنك بذلك تعطيه فرصة، من خلال فرقاء آخرين، وقوى محلية أخرى غير محسوبة على 8 أو 14 آذار".
ويبدو أن سلوك الناخبين والمرشحين وفقاً لقانون النسبية سيتغير كلياً عن الناخبين والمرشحين طبقاً للقانون الأكثري، فالناخبون، وفقاً قانون الستين وأمثاله كانوا يرون أن أصواتهم كانت تذهب هدراً في الانتخابات السابقة، فهل من الممكن أن ينجح لبنان في الدخول إلى العصر من البوابة الانتخابية؟
تقرير: عبد الناصر فقيه
تصوير: عصام قبيسي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018