ارشيف من :ترجمات ودراسات
نصر الله هو الذي يحدد طبيعة الحرب مع ايران
المصدر: "هآرتس"
" خرج الامين العام لحزب الله (السيد) حسن نصرالله يوم الاثنين من هذا الأسبوع عن عاداته حين ظهر في الاحتفال الاحتجاجي على الفيلم المسيء للنبي محمّد وأثار عاصفة غضب في العالم. ولم يكن الخطاب الذي ألقاه أمام الجمهور مفاجئاً: اتهم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بالمسؤولية عن نشر الفيلم، وحذّر الأميركيين من استمرار التظاهرات ضدّهم بشكل أقوى إذا لم يوقفوا الفيلم.
وقال نصرالله أمام الجماهير التي سارت في أحياء بيروت الجنوبية التي يسيطر عليها حزب الله: "فليعلم العالم أنّ غضبنا لن ينتهي، هذه ليست سوى بداية الاحتجاج العالمي من الأمّة الإسلامية كلّها، التي ستواصل دفاعها عن اسم النبي محمّد...عليهم أن يفهموا أنّنا جاهزون لتقديم دمنا من أجل النبي محمّد".
وبطريقة رمزية ما، اختار أمين عام حزب الله إظهار جهوزيته للتضحية بنفسه في سبيل النبي محمّد عبر حضوره المباشر في الاحتفال، بعدما امتنع في السنوات الأخيرة عن الظهورالعامّ خشية اغتياله. وبنسبة معيّنة، منذ قرّر إقامة المسيرة الاحتجاجية وإعلان "تعهّده للنبيّ"، لم يبقَ مفرّ أمام نصر الله من مغادرة نفقه، فهو يعلم أنّه لو قال تلك الكلمات من مخبئه، سيكون هدفاً لسخرية منتقديه في لبنان.
ولعلّ إحدى أكبر مشاكل نصر الله التي سيضطر لمواجهتها في السنة المقبلة: حملة اللا شرعية التي عاشها حزب الله في لبنان، منذ توليّه منصب الأمين العام في العام 1992.
تولّى نصر الله منصب الأمين العام وله من العمر اثنين وثلاثين عاماً، حين فضّله الزعيم الإيراني الأعلى، علي خامنئي، على مرشّحين آخرين في حزب الله، ليكون خلفاً لعبّاس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل. لكنّ أمين عام المنظّمة الشيعية، اصطدم في الأسابيع الأخيرة بانتقادات لم يكن تلقّاها حتى الآن في لبنان وهي تقوّض المكانة السياسية للمنظّمة كما لقائدها.
منذ العام 1992 أصبح حزب الله مصدر القوّة الأساسي والمهمّ في لبنان. ونجح نصر الله في تحويل المنظّمة بقيادته إلى جزء لا يتجزّأ من مؤسسات الدولة، وليس فقط منظّمة تمثّل الطائفة الأضعف- أي الطائفة الشيعية. واليوم يشارك هذا التنظيم الشيعي في البرلمان وفي الحكومة، يتحكّم بالتعيينات الأساسية في الجيش ويحدّد هوّية رئيس الحكومة.
وتكمن مشكلة نصر الله في كون الحليف والعرّاب الثاني من حيث الأهمية لحزب الله، الرئيس السوري بشار الأسد، قد يفقد سلطته قريباً. على أنّ تداعيات أي تحوّل في سوريات غير واضحة تماماًَ لكن يبدو منذ الآن أنّ الخوف اللبناني من سوريا ومن حزب الله يتلاشى. ويحتمل أن يختفي تماما بعد سقوط الأسد.
وتظهر دلائل ذلك وتُسمع في لبنان في هذه الأيّام: معسكر 14 آذار، على سبيل المثال، يشجّع كافة الجهات السياسية في لبنان للمطالبة بنزع سلاح حزب الله. وفي نفس الوقت يحاول 14 آذار تقديم طلب لدى الرئيس، ميشال سليمان، لطرحه أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بإرسال قوّات اليونيفيل إلى الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية، بغية قطعها. وسيكون لمبادرة من هذا النوع انعكاسات دراماتيكية على حزب الله، الذي يحصل على معظم ذخائره عبر تلك الحدود.
بيد أنّ أزمات نصر الله لا ترتبط جميعها بنظام الأسد. فأمين عام حزب الله يواجه سنة مصيرية أيضاً بسبب ارتباطه بإيران وبقائدها الخامنئي. مسؤولون إيرانيّون سارعوا للتطوّع بحزب الله لحرب مع إسرائيل، إذا ما هاجمت إيران وأكّدوا أنّ التنظيم الشيعي سيطلق صواريخه باتجاهها. في الوقت نفسه أعترف قائد حرس الثورة الإيراني، محمّد علي جعفري، بأن عناصر "فيلق القدس" يعملون على الأراضي اللبنانية. وهكذا فإنّ نصر الله، الذي حاول في العشرين سنة الأخيرة منح تنظيمه صورة لبنانية مستقلة، وجد نفسه وقد طوّق من قبل طهران. مع 50 ألف صاروخ جاهزة للإطلاق، نصر الله هو من سيحدد كيف ستبدو المواجهة بين إسرائيل وإيران.
في الواقع قد تُنزل أي هجمة إسرائيلية الهلاك والخراب بحزب الله وبزعيمه، لكن بعد الكلام الواضح من إيران وعلى ضوء ارتباطه التامّ بطهران، لن يكون أمام نصر الله من مفرّ، فهو سيضطر لمهاجمة إسرائيل إذا ما هاجمت الأخيرة إيران، خطوة قد تشكّل خطرا على نفس وجود المنظّمة، وتجرّ لبنان إلى حرب طاحنة ومطوّلة قد تودي به.
في غضون ذلك، بدا أنّ ضغط نصر الله يفعل فعله: يكثر من إلقاء الخطابات، من الظهور، من التهديد، ومن توجيه الكلام الحادّ ـ وكلّ ذلك للتأكيد على ضرورته كـ" مدافع عن الدولة" أمام الجمهور اللبناني(غير الشيعي) الذي يرى فيه منذ زمن، رسول إيران. سيكون هناك على ما يبدو، خطابات أخرى من هذا النوع في الفترة المقبلة، وسينبري نصر الله فيها "للدفاع عن النبي محمّد"، أو "لحماية لبنان"، فقط من أجل تبرير وجود تنظيمه. لكن في المدى الطويل ستتزايد الحملات الكلامية من جانب معارضي الحزب وربّما تؤدّي إلى مواجهة مسلّحة مع قوى سنيّة متطرّفة.
في الماضي، كان من بين حلول نصر الله لأزماته داخل لبنان، خلق توتر مع إسرائيل، في خطابات حماسية أو عبر عمليات عسكرية(مثل خطف الجنديين ايهود غولفاسر والداد ريغيف في تموز 2006). هذه السنة أيضاً، قد يحاول نصر الله أيضاً، بوجود أو من دون علاقة لإيران، تحويل مسار العداء الجماهيري الموجّه لحزبه في لبنان نحو "الكيان الصهيوني". وسيكون نصرالله الشخص الذي يحدد هذا العام مصير لبنان- حرباً أم هدوءًا".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018