ارشيف من :أخبار لبنانية
أسمى من الأحقاد
علي فضل الله - صحيفة "السفير"
لم يخلُ تاريخ الإنسانيّة، في معظم حقبها، من مصلحين وقادة وعظماء، حملوا لواء الإصلاح في مجتمعاتهم، وهذه التّجارب ظلّ تأثيرها محدوداً بحدود الزّمان والمكان، والأهداف الّتي حدّدتها لنفسها. ولم يُقيَّض لها أن تصبح، في شكلٍ من الأشكال، أو في صورةٍ من الصّور، جزءاً من حركة مجتمعها المستقبليّة. وحدهم الأنبياء، من قاد مسيرة التّغيير في مصير الإنسان، وفي النّهوض به، ونقله من البشريّة إلى رحاب الإنسانيّة.
والباحث عن المعرفة الحقيقيّة، لن يتعب في الوصول إلى أسرار العظمة في حياة رسول الله محمّد، فما عليه إلا أن يبحث في سيرته وسنّته بأمانة ودقّة، ومن دون خلفيّات خبيثة، أو أحكام مسبقة، ومن دون تسييس وتحريف، إلى جانب الابتعاد عن الإسرائيليّات الّتي دسّت عن عمد الكثير الكثير من الأكاذيب في كتب التّاريخ الإسلاميّ، لتشويه صورة رسول الله ورسالته، وإذا فعل الباحث هذا، والكثير من المفكّرين والعلماء مَن فعل ذلك، فسيصل إلى نتيجةٍ مفادها أنّه ليس أمام سيرة إنسان عاديّ، بل أمام مدرسةٍ في بناء الإنسان، في الماضي والحاضر والمستقبل، وأمام دليلٍ إلى الخير والحقّ والجمال والفضيلة، والحبل الممدود ما بين الأرض وملكوت السّماء.
إنّ محمداً الّذي هزّ عروشاً، هزّها برفعة أخلاقه وسعة رحمته وعمق محبّته، قبل أن يهزّها بحربه وسلمه.
كان يجيب دعوة العبد إذا دعاه ليشاركه الطّعام، قبل أن يجيب دعوة السيّد والحرّ، كان يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين. وكان لديه مخزون لا ينضب من التّسامح والعفو، كما كان لديه من الحزم والقوّة.
محمّد كان كذلك حتّى قبل أن يُبعث بالرّسالة. محمّد كان نبيّ نفسه قبل أن يصبح رسولاً للبشريّة جمعاء.
إنّ معجزة محمّد أنّه لم يستعمل لغة المعجزة لإقناع النّاس برسالته، ونقل تلامذته من الجاهليّة المظلمة البليدة إلى رحاب المعرفة المبدعة والمؤمنة بخيريّة الإنسان وعطائه، كما فطره اللّه.
معجزة محمّد في التّبليغ قامت على مبدأ صناعة الإنسان؛ ذلك هو حجر الزّاوية في الصّرح التعليميّ الّذي شيّده.. نعم، صناعة الإنسان المتخلّق بصفات الله، كما قال هو: «تخلّقوا بأخلاق الله».
هذا منهجه الّذي سلكه، لم يسوّق نفسه، ولم يسع إلى مجد ذاتيّ شخصيّ، ولذلك لم يقبل أن يتعلّق النّاس بشخصه، بل برسالته: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...) (آل عمران: 144).
لهذا، نحن دوماً نؤكِّد رفضنا لمصطلح محمديّين الّذي أطلقه البعض. هؤلاء أرادوا أن ينزعوا من الإسلام بعده الإلهيّ المطلق.
وعلى مستوى علاقة الإنسان بالإنسان، علّم محمّد النّاس: أنّهم سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتّقوى.
لقد علّم أصحابه، وما زال يعلّم الإنسانيّة في كلّ خطوة، كيف يكون الإنسان إنساناً، بصرف النّظر عن موقعه ومركزه، فمحمّد المُضطهد في مكّة هو نفسه محمّد فاتح مكّة، هو هو المملوء رحمةً وعطفاً وحناناً ولهفةً على الإنسان ومصيره، أيّ إنسان، حتّى لو كان ممّن اضطهدوه، وهو القائل لهؤلاء بعد أن هزمهم: «اذهبوا أنتم الطّلقاء».
إنّ نبي الرحمة أرقى وأسمى وأجلّ من أن تنال من قامته هذه الأحقاد المتمثّلة ببشر، يعيشون في دولٍ تدّعي الحضارة والرّقيّ وقبول الآخر وتعايش الأفكار والحضارات.
إنّنا كما كلّ النّاس من كلّ أصحاب المبادئ والانتماءات، وككلّ من يمارَس عليهم التّمييز والعنف، يحقّ لنا أن نشعر بالانزعاج والاشمئزاز، ولكن علينا أن لا نشعر بالإهانة والإذلال.. إنّنا لا نستمدّ كرامتنا وعزّتنا من السّفهاء، إنّ الكرامة والعزّة نستمدّها من إيماننا ومن إلهنا (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/8)
وعلينا ألا نشعر بأنّ قوّتنا وعزّتنا تنتقص منها إساءات الآخرين، بل تقوّيها، لأنّه وكما الحكمة تقول: وحدها الأشجار المثمرة ترمى بالحجارة.
إنّنا، وانطلاقاً من أخلاق نبيّنا الّذي إنّما بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، لا نحمل حقداً على أحد، ولا نكره أحداً، ويحقّ لنا أن نسأل: لماذا هذه الكراهية؟ ولماذا كلّ هذا الحقد؟ هذه أسئلة نضعها برسم الغرب الّذي يتشدّق دائماً بشعارات الإنسانيّة والتّواصل والعولمة.
إنَّ مشكلتنا مع هؤلاء ليست في اختلاف الرّأي حتّى يقال حرّيّة رأي، إنَّ المشكلة بيننا هي في انعدام الأخلاق والقيم والمبادئ، ولا سيّما عندما يصل الأمر إلى قضايانا الكبرى، فمتى كانت البذاءة قيمةً والإسفاف والتّحريف قيمة، ومتى كانت صناعة الفتنة قيمة، ويتوجّب حسب المنطوق الغربيّ احترامها بحجّة الحريّة؟ هذه الحريّة هي العذر الّذي يرمى في وجهنا كلّما طالبنا بأبسط حقوقنا من احترام مشاعرنا ومقدّساتنا.
إنّ انتصارنا لرسول الله، لا ينبغي أن يقف عند حدود الصّدمة الأولى، وبإعلان الرّفض والاستنكار، رغم أهميّته وضرورته، ولكنّ نصرته لا تكتمل ولا تتجذّر ولا تتأصّل إلا بنصرة مستدامة، لا تنتظر من يوقظها فينا: في تنفيذ وصاياه، كلّ وصاياه والالتزام بها، وخاصّة عندما أوصى وهو في حجّة الوداع : «لا ترجعنّ بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وبهذا نتقوّى ونتسلّح ونكون مستعدّين لمواجهة ما يتحدّانا، وما يتحدّانا كثير وكثير.
نحن لن نفاجأ بأن يخرج إلينا، في كلّ عصر، من يحمل لؤم أبي جهل وأبي لهب، ومن يكرّر دور قطّاع الطّرق، وراشقي الحجارة، ورماة الأوساخ وواضعي الأشواك. نعم، ستظلّ تطلع علينا حكايات (أبي جهل) اللّئيمة: ساحر.. مجنون... وكما قال السيِّد (رض): «بتعابير جديدة وضلالات عنيدة، وكما اندكّت الأساليب القديمة، ستندكّ مع الفجر الأساليب الجديدة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018