ارشيف من :ترجمات ودراسات
قنبلة موقوتة بجوار "إسرائيل"
المصدر: "يديعوت أحرونوت ـ د. يارون فريدمان"
" قد يخرج الاحتجاج الاجتماعي الاقتصادي في السلطة الفلسطينية عن السيطرة إن لم يحصل تدخل خارجي بارز، وانهيار السلطة قد يؤدي إلى انتفاضة ثالثة بدعم من حماس وتجدّد العمليات الإرهابية من جهة غزّة. كيف وصلوا إلى هذا الوضع؟
قبل أكثر من أسبوع ظهر إعلان في مستهلّ الصحف في الضفة الغربية حول قرار الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور سلام فياض تخفيض سعر المنتجات، وعلى رأسها الوقود، البنزين وزيت الديزل. الوقود، على سبيل المثال انخفض إلى سعر 7.98 لليتر. إلا أنّه وقبل أن تسارعوا للتزوّد بالوقود من المناطق، من الأفضل معرفة أنّ الضفّة تشكّل اليوم قنبلة موقوتة، وأن التخفيضات في الأسعار ليست قادرة على وقف قطار "الربيع العربي" الذي وصل إلى السلطة الفلسطينية.
أعمال الشغب في الضفة آخذة بالتصاعد وتشمل محاولات الفلسطينيين إحراق أنفسهم بإلهام من بائع الخضار التونسي محمد بو عزيزي الذي أحرق نفسه وأشعل فتيل "الربيع العربي" قبل أكثر من سنة. منذ انقسام السلطة الفلسطينية إلى كيانين في العام 2007، حماس ـ غزّة وفتح ـ الضفّة، اعتدنا على سماع الأخبار عن الفجوة الاقتصادية العميقة بين الفلسطينيين في الضفة وبين إخوتهم في القطاع. في الضفة هناك ازدهار اقتصادي بينما في القطاع الاقتصاد الموحل عالق في الوحل. إذا ما كان الحال هكذا، لماذا اندلعت أعمال الشغب بالتحديد في الضفة؟
اعتماد فلسطيني تام على جهات خارجية
بنظر العالم العربي، الازدهار الاقتصادي في الضفّة لم يكن سوى تضليل مقصود هدفه نقل رسالة لسكان قطاع غزّة: في المكان الذي توجد فيه سلطة براغماتية ومؤيدة للغرب، ينعم السكان بالازدهار والرفاهية الاقتصادية. في المقابل، في المكان الذي توجد فيه سلطة إسلامية يعاني السكان من الإذلال والفقر.
إلا أنّه في الواقع، السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبو مازن) ليست قادرة على الحياة أبداً وهي معتمدة تماماً على جهات خارجية: إسرائيل تسيطر على الأرض، تجبي الضرائب وتنقلها إلى السلطة الفلسطينية، الواردات تصل بمعظمها من مساهمات مثلث ـ الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي والسعودية ودول الخليج. كون عشرات آلاف الفلسطينيين يعملون في إسرائيل، فإنّ اقتصاد الضفة معتمد تماماً على التأرجح الاقتصادي في إسرائيل ويتأثر به. إلا أنّ قدرة الامتصاص لدى الفلسطينيين، الذين يكسبون بنسبة أقل بكثير من الإسرائيلي المتوسط، أقل بكثير من قدرتنا.
نتجت الأزمة الاقتصادية التي تسببت برفع أسعار لا سابق له في الضفة وبعده بأعمال شغب، جراء أسباب عديدة، من الممكن إحصاء من بينها التباطؤ الاقتصادي في إسرائيل، الأزمة على صعيد اعتمادات السلطة بسبب ديونها المتراكمة، ارتفاع أسعار الوقود في العالم، انخفاض في مساهمات دول عربية غنية، تهرّب الكثير من الفلسطينيين من دفع الضرائب وغيرهم. بالإضافة إلى ذلك، السلطة في حالة صراع مع حماس على دعم عائلات الأسرى في السجون الإسرائيلية والشهداء (القتلى)، صراع يسلب السلطة كثيراً من المال. البطالة في الضفة تزايدت في السنة الماضية بنسبة 17 % تقريباً (في قطاع غزّة مضاعفة). كما أنّ الفلسطينيين في الضفة يقلّدون نموذج "الربيع العربي" وفق النموذج الأردني، الذي يتأثرون منه.
في الأردن، بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة، تمّ تخطي الحدود مؤخراً وتصاعدت النداءات ضدّ الأسرى المالكة. كذلك في الضفّة نادى المتظاهرون "الشعب يريد إسقاط النظام" (نظام أبو مازن) بالإضافة إلى الهجمات ضدّ رئيس الحكومة فياض. وقد اتهمت جهات في فتح حماس بتأجيج النفوس وسط المتظاهرين وفي صحيفة "الحياة" ظهرت مؤخراً مقالة وفقها عرضت حماس مالاً على عائلات كل من يحرق نفسه في الضفّة.
سقطوا في الفخ الإسرائيلي؟
المتحدث باسم حماس فوزي برهوم استغلّ الأزمة في الضفة، من أجل اتهام قيادة السلطة الفلسطينية بـ"إفلاس سياسي-اقتصادي". وفق ادعائه، الأزمة تكشف الفخ الإسرائيلي الذي علقت فيه السلطة الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو. حماس، بما يشبه بقية فروع "الإخوان المسلمين" في البلدان العربية، هاجمت القيادة الفلسطينية في الضفة، واتهمتها بالفساد وبتجاهل معاناة السكان. فقبل أسبوعين، وجّهت صحيفة فلسطينية انتباه الجمهور إلى حذاء أبو مازن باهظ الثمن، بإشارة إلى تبذير القيادة الصارخ.
إنّ السلاح الاجتماعي الذي تلوّح به قيادة حماس من شأنه أن يشكّل سيفاً ذو حدّين. اقتصاد غزّة موجود في أزمة أصعب والمساعدة التي يحصل عليها محدودة، في الظاهر من دول الخليج ومن إيران. المساعدة الإيرانية قد تتوقف طالما أنّ حماس تفصل نفسها عن إيران وحزب الله (بسبب الأزمة السورية) وتنضمّ إلى مصادرها وسط الإخوان المسلمين ومصر. وقد ورد مؤخراً أنّ مواطناً من غزّة حاول إحراق نفسه. الصحافة في القطاع موجودة تحت الرقابة وبذلك لا نحصل على تقارير حول الأزمة العميقة في القطاع.
إلا أنّ جهات في السلطة الفلسطينية والمعارضة في غزّة (بشكل أساسي من "الجبهة الشعبية") تتهم حماس بالفساد وانتهاج الإرهاب تجاه المواطنين. في السنة الماضية سُرّبت معلومات عن نفقات للقتل، عن تسيّب النظام، عن استغلال للعمال ومن بينهم الكثير من الأطفال في العمل في أنفاق إلى غزّة واختلاس للأموال المخصّصة في الظاهر لأطفال غزّة. في غزّة يُداس يومياً على حقوق الإنسان وتمنع حكومة حماس برئاسة إسماعيل هنية إجراء انتخابات ديمقراطية، خلافاً لما تقرّر في اتفاقية المصالحة في قطر في السنة الماضية.
الحرب التي تديرها مصر ضدّ المنظمات الإرهابية في شمال سيناء تضرّ بدورها باقتصاد غزّة. في الأسبوع الماضي تظاهر فلسطينيون في غزّة قرب الحدود مع مصر، بحجّة أنّ "مصر الثورة (وليس مصر حسني مبارك) بالتأكيد لا تغلق المعابر وتخنق القطاع".
قد تخرج الأزمة في الضفّة عن السيطرة إن لم يحصل تدخل خارجي بارز. إذا ما انهارت السلطة الفلسطينية ستبدأ الانتفاضة الثالثة بدعم حماس. إذا ما امتدت نيران الفوضى إلى القطاع أيضاً، سلطة حماس بدورها ستكون في خطر. من الجدير ذكر أنّه في القطاع هناك جهات إرهابية، مثل القاعدة والسلفيون، الذين ينتظرون سقوط حماس، من أجل تجديد نشاطهم ضدّ إسرائيل بنشاط أكبر".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018