ارشيف من :أخبار لبنانية
جـنـــــون الضـربـــــة
غازي عبد الله وزني - صحيفة "السفير"
تعيش المنطقة على ايقاع تهديدات اسرائيل وتسريباتها بضرب المنشآت النووية الايرانية، مستغلة الانهماك الاميركي بالانتخابات الرئاسية ومدفوعة بقناعتها بعدم جدوى وفعالية العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على ايران لوقف برنامجها النووي.تحمل الضربة العسكرية لايران في طياتها تبعات اقتصادية واجتماعية وبنيوية، مباشرة وغير مباشرة، على اسرائيل، في المديين القريب والبعيد وذلك برغم محاولات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو التقليل من اهميتها وتقليص حجمها مستنداً الى المعطيات التالية:أولا، قوة الاقتصاد الاسرائيلي وقدرته على استيعاب اضرار الضربة: يبدي نتنياهو ثقة في متانة الاقتصاد الاسرائيلي (حجمه 235,5 مليار دولار) الذي استطاع في السنوات الاخيرة ان يتجاوز الازمة المالية العالمية لعام 2008 وازمة الديون السيادية لمنطقة اليورو (40 في المئة من الصادرات الاسرائيلية) وان يسجل نمواً متصاعداً وصل الـــى 4,7 في المئة العام 2011، وتراجعاً لافتا للانتباه في نسبة البطالة (5,4 في المئة من القوى العاملــــة) وتضاعفاً لثلاث مرات لاحتياطات المصرف المركزي بالعمــلات الاجنبيــــة والذهـــب (79 مليار دولار) وانخفاضاً ملحوظاً في عجز المالية العامة (3 في المئة من الناتج المحلـــي) وتقلصاً للدين العام الخارجي (26,5 مليار دولار اي 11,2 في المئة من الناتج المحلي منها 12 مليار دولار مغطاة ومضمونة من الخزانة الاميركية)، وارتفاعاً ملموساً للحركة السياحية التي تعتبر مصدراً رئيسياً للدخل (3,45 مليون سائح) وتزايدا في الحركة الاستثمارية الاجنبية (اكثر من 10 مليارات دولار)، واحتواء لحجم اجمالي الدين العــــام (74 في المئة من الناتج المحلي).ثانيا، خلق اجواء اطمئنان وارتياح لدى المواطنين والهيئات الاقتصادية في اسرائيل على محدودية تأثيرات الضربة اجتماعيا وامنيا واقتصاديا: خسارة ما بين 300 الى 500 شخص، المدة الزمنية للضربة حوالي الشهر وتدور على ثلاث جبهات (ايران لبنان غزة)...في الوقت عينه، اتخذت الحكومة الاسرائيلية اجراءات استباقية لمواجهة تداعيات الضربة منها اعلان خطة طوارئ اقتصادية لتحصين الجبهة الداخلية عبر خطوات لاحتواء هبوط البورصة، وزعزعة استقرار العملة الوطنية، وارتفاع معدلات الفوائد، وخروج الاموال، وتوقف الصادرات، وارتفاع اسعار السلع، والتعدي على انظمة المعلوماتية في المصارف وشركات التأمين، علما أن نتنياهو حاول مؤخراً تعديل محفظته المالية في البورصة خوفا من تداعيات الضربة عليها!كذلك أعدت الحكومة خطة طوارئ امنية واجتماعية عن طريق تأمين الملاجئ العامة والخاصة لاستيعاب مئات الآلاف من الاسرائيليين وتأمين اقنعة الغاز ووسائل الاتصالات والغذاء والطعام والكهرباء الخ... ثالثا، كلفة مقبولة ومعقولة للحرب: تقدمت شركة ابحاث فرنسية اسرائيلية متخصصة بتقدير المخاطر الاقتصادية والتجارية تسمى BDI COFACE Israel بدراسة حول الكلفة الاقتصادية للحرب الاسرائيلية على ايران وتوصلت الى النتائج التالية:- تبلغ الكلفة الاجمالية حوالي 42 مليار دولار اي 18 في المئة من الاقتصاد موزعة بين اضرار مباشرة قيمتها 12 مليار دولار اي 5,4 في المئة من الناتج المحلي تطال البنية التحتية (مياه غاز كهرباء طرق...) والأملاك العامة والخاصة، واضرار غير مباشرة على الاقتصاد تبلغ سنوياً حوالي 6 مليارات دولار خلال فترة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات نتيجة انهيار حوالي 10 في المئة من المؤسسات التجارية الصغيرة جراء تباطؤ الاقتصاد وتراجع الطلب الداخلي، ونقص السيولة...
- استندت الدراسة إلى أرقام الكلفة الاقتصادية لحرب لبنان الثانية في العام 2006 على مدى 33 يوماً والتي تسببت بأضرار اقتصادية على اسرائيل بلغت 1,8 في المئة من الناتج المحلي (حوالي 4 مليارات دولار) نتيجة خسارة الاقتصاد نسبة 0,5 في المئة من نموه واصابة البنية التحتية بأضرار مباشرة بلغت 1,3 في المئة من الناتج المحلي.- اعتمدت الدراسة ايضاً على انحسار الاضرار الاقتصادية في شمال إسرائيل الذي يمثل 20 في المئة من النشاط الاقتصادي، بينما الحرب على ايران ستصيب بشكل رئيسي وسط اسرائيل الذي ينتج 70 في المئة من الاقتصاد.وفي مقابل التهديدات المتواصلة لنتنياهو بالهجوم على إيران، برز موقف حاكم المصرف المركزي الاسرائيلي المحذر «من تداعيات بالغة وجدية على الاقتصاد» (الإسرائيلي)، ويعود القلق إلى الاسباب التالية:1- تراجع المؤشرات الاقتصادية في النصف الاول من العام الحالي بسبب اجواء القلق وعدم اليقين عند المستثمرين والمواطنين: فقد تباطأ الاقتصاد الاسرائيلي وانخفضت تقديرات النمو من 4,7 في المئة في العام 2011 الى اقل من 2,8 في المئة في العام الحالي، وانعكست معدلات البطالة صعوداً (7 في المئة من القوى العاملة) وتباطأت الحركة الاستثمارية والاستهلاكية، وكذلك اضطرت الحكومة الى اتخاذ إجراءات تقشفية لخفض العجز في المالية العامة وتمويل إنفاقها الامني من خلال فرض ضرائب اضافية برغم الاحتجاجات الاجتماعية...في الوقت عينه، تعمّق الضربة الاسرائيلية المشكلات الاقتصادية القائمة المتعلقة بانعدام العدالة الاجتماعية، البطالة المرتفعة لدى الشباب (15 في المئة)، أزمة الاسكان، التفاوت في المداخيل، خروج الاستثمارات، توقف عمل عدد كبير من الشركات التكنولوجية العملاقة، هروب الاموال، كما انها تؤثر على الصادرات بسبب تعطيل النقل البحري الأجنبي ومطالبة شركات التأمين بعلاوة مخاطر مرتفعة (90 في المئة من الصادرات الاسرائيلية تعبر بحراً وقيمتها حوالي 56 مليار دولار).2- الكلفة الاقتصادية على اسرائيل عالية وصعبة التقدير: إن الرّد الصاروخي الايراني على اسرائيل قد يكون مدّمراً ومتسبباً بكوارث في البنية التحتية (المياه الغاز الكهرباء) وقد يؤدي الى سقوط آلاف الاشخاص وليس المئات، حسب وزير الدفاع ايهود باراك كما انه قد يصيب جميع المناطق من دون استثناء متسبباً بأضرار بالغة في قطاعات حيوية ورئيسيــة (القطاع الصناعي الذي يمثل 31 في المئة من الاقتصاد وينتج معدات التكنولوجيا العالية، قطاع النفط، قطاع الغاز الطبيعي الذي تراهن اسرائيل عليه لتحويل اقتصادها والمقدر مخزونه 240 مليار دولار والقطاع السياحي)، كما انها قد تدفع اسرائيل في السنوات المقبلة الى زيادة نفقاتها العسكرية والامنية وانفاقها الصحي الى مستويات قياسية على حساب الانفاق الاجتماعي والانمائي (تمثل النفقات العسكرية نسبة 8 في المئة من الناتج المحلي اي حوالي 19 مليار دولار في العام 2011) فضلاً عن اعتماد سياسة ضرائبية متشددة لزيادة وارداتها.
من هذا المنطلق فإن تقديرات مكتب BDI COFACE -Israel لكلفة الحرب على ايران تصل الى حوالي 42 مليار دولار وهي تقديرات منخفضة وغير واقعية وتكفي مقارنتها بمعطيات «حرب لبنان الثانية» (2006) لكي تعتبر مبسطة وغير منطقية.3- ارتفاع جنوني في اسعار النفط عالمياً وتهديد للاقتصاد العالمي: ان الضربة العسكرية لايران قد تتسبب بتجاوز سعر برميل النفط 200 دولار بسبب علاوة الخوف والاضطرابات في الاسواق النفطية العالمية (ارتفعت اسعار النفط بنسبة 73 في المئة العام 1993 عند الضربة الاميركية للعراق) فضلاً عن انها تهدد الاستقرار والامن في منطقة تختــزن ثلثي المخزون النفطي العالمي وتنتج حوالي 28 مليون برميل يومياً (32 في المئة من الاستهلاك العالمي) وقد تؤدي الى احتمال اغلاق مضيق هرمز حيث يمر عبره يومياً 20 في المئة من النفط العالمي، اي حوالي 17 مليون برميل و40 في المئة من التجارة العالمية.ان الارتفاع الجنوني لاسعار النفط يهدد الاقتصاد العالمي الهش ويعيد الركود اليه، خاصة ان الاقتصاد الاميركي يشهد في العام الحالي تباطؤاً والاوروبي نموا سلبيا والصيني تراجعا كما انه يتسبب بارتفاعات قياسية لاسعار السلع الرئيسية والمواد الاولية والنقل.4- تأثيرات على الهجرة: تجعل آلاف اليهود في العالم يلغون هجرتهم الى اسرائيل، كما قد تدفع آلافاً آخرين الى القيام بهجرة معاكسة نتيجة عدم الاستقرار.قال شاوول موفاز «ان الضربة لإيران قد تجـرّ البلاد الى كارثة لانها لن تحقق اهدافها بل تؤخرها لسنة»، كما صرح وزير خارجية فرنسا لـوران فابيـوس «ان الضربة لإيران ستنقلب على إسرائيل». يمكن القول إن هذه الضربة هي ضرب من الجنون، لان كلفتها الاقتصادية والامنية والبشرية على اسرائيل ستكون باهظة ويصعب تقديرها او التكهن بها.
([) خبير اقتصادي ومالي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018