ارشيف من :أخبار لبنانية
ضابط إسرائيلي: «يسعكم الآن إفناء بعضكم بعضاً»
في الوقت الذي كان فيه وزير دفاع إسرائيل موشيه أرينز، وبحضور ديفيد كيمحي ولوبراني، يودع فادي أفرام وجوزف أبو خليل المبعوثين من أمين الجميل لإبلاغه باقتناع الجميل بالخيار الاسرائيلي، كان ميشال سماحة موفداً من أمين الجميل لتأمين موعد مع حافظ الأسد لاقتناع أمين بالخيار السوري، مع الاشارة الى أن مهمة أرينز بتصديق الخبر كانت أكثر صعوبة، فهو سيطلب من الحاخام الأكبر إذناً للطوافة الاسرائيلية، كي تنقل المبعوثين أفرام وأبو خليل يوم السبت وجهاراً الى بلدة الذوق.
هذان المبعوثان اللذان غمرتهما «سعادة لا توصف» بخيار أمين، صدمهما عند لقائه التنكر لهذا الخيار» فكاد بو خليل ان يجهش بالبكاء». أما الذين كاد أن يغمى عليهم من شدة «كذب» رئيس البلاد أمين الجميل فهم إيلي سالم وجان عبيد وسيمون قسيس وميشال سماحة، لأن الرئيس أنكر تعهده أمام الرئيس حافظ الأسد وبحضورهم بأنه سيلغي اتفاق 17 أيار، «واحتد النقاش وأنكر أمين حتى معنى الكلمات التي قالها، فهددوه بالعودة الى ملفات عبد الحليم خدام الموثقة فرضخ».
ثمة استنتاجات يخلص إليها قارئ كتاب الصحافي الفرنسي آلان مينارغ عن «أسرر حرب لبنان - من مجزرة صبرا وشاتيلا الى رحلة امين الجميل الى دمشق - الجزء الثاني» الصادر حديثاً باللغة العربية عن المكتبة الدولية في بيروت، وأبرزها: مراوغة رخيصة ومملة طبعت سياسة أمين الجميل الرئاسية، وطفولية سياسية - عسكرية تفتقد الحس الاستراتيجي، دمغت سلوك قادة القوات اللبنانية ورئيسهم فادي افرام في العلاقة مع إسرائيل.
فالكتاب يتضمن عدداً من الحوارات الموثقة بالأسماء والتواريخ للقاءات أفرام ومساعديه مع كبار مسؤولين في اسرائيل ومندوبيهم في مكاتب الموساد المنتشرة في بعبدا والجمهور وطبرجا وضبيه.. هذه الحوارات اتسمت بالغباء «القواتي» المحكوم بأحقاد وأحلام وتوهمات وخرائط كانتونية، وبمكر إسرائيلي لا يوصف إلا بكلمة واحدة وهي استمتاعه «بمرمطة» هؤلاء و«مرمتتهم».. هؤلاء التي تورد الوثائق كلمات التوسل والاستجداء والترجي « كي يعطنيا الاسرائيلي بعض الذخائر والكثير من الثقة بتحالفنا نحن وإياكم لأننا غرباء في هذه المنطقة العربية»، بما لا يحصى من العدد.
ثمة حقيقة موثقة أن تنافساً بلغ التقاتل الدموي لجأت اليه طائفتان في لبنان الصغير من الموارنة والدروز للفوز بالدعم الاسرائيلي، وإشهارهما خرائط الكانتونات عند الحاجة.
مشاهد أقرب الى السوريالية، وما بعد السوريالية تضمنها الكتاب في صفحاته الـ566 (مع الملاحق) لحراك أمراء الطوائف في لبنان، ولخفتهم في قراءة أوزانهم المنتفخة، ولقدرتهم على انتهاك حرمة عيشهم المشترك بالتطلع دائماً وأبداً الى «سيد» خارجي يجلسهم في عتبة داره.
في البهو المجاور لنعش بشير الجميل في بكفيا أكد أمين لشارون أنه سيحمل مشعل أخيه «اللصيق بكم»، فقاطعه شارون بنبرة جافة(الكلام لوليد فارس)، في حين كانت أفواج الوحوش المفترسة تنهش أجساد العزل من فلسطينيين ولبنانيين في مخيمي صبرا وشاتيلا، وليتبعها لقاء يوم 19/9 بين رافاييل إيتان ومسؤولين في «الموساد» مع جوزف أبو خليل وأنطوان بريدي في الكرنتينا «كي يقنع إيتان «القوات» بتبني المجزرة، وإنكار ابو خليل لها منعاً لتعكير انتخاب أمين رئيساً للبلاد». (حاول أبو خليل لاحقاً إقناع الاسرائيليين بلجنة مشتركة للتحقيق، لكنهم رفضوا، بالرغم من تهديداته بالكشف عن كل ما يعرف.. ويذكر مينارغ بالوثائق أن وحدة خاصة تتبع هيئة الأركان الاسرائيلية مهمتها العمل خلف خطوط العدو، افتتحت تنفيذ المجزرة بقتل 63 مثقفاً فلسطيناً في مخيم شاتيلا نادوهم بالأسماء، إضافة طبعاً الى مشاركة مقاتلي «القوات» وجماعة سعد حداد).
استبق أمين انتخابه رئيساً للجمهورية يوم 21- 9 (بجهود مطبخ صائب سلام) بلقاء يوم 19/9 مع وفد من «الموساد» تولى إبلاغ كميل شمعون الانسحاب من السباق الرئاسي لمصلحة أمين، ثم في 20 منه استقبل وفداً ضم شامير وشارون ومن الموساد في «بيت المستقبل» مرحباً بهم» لأن علاقتنا بكم منذ العام 1958»، مستذكراً لقاءه وشارون في عرض البحر، وضيافة كيمحي وزوجته له في تل ابيب، لينتهي اللقاء «بتناول لحم الشاورما»، في حين لم تكن جثث ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا قد دفنت بعد.
ولكن لم يطل مرور الوقت حتى بدأت شكاوى «القوات» لشارون من أمين المنتخب رئيساً (شكوى أبو خليل)، كما لم يطل الوقت حتى بدأ الاسرائيلي لعبته على المكشوف في التحضير للتقاتل الماروني - الدرزي في الجبل (يتضمن الكتاب ما يثير الهلع عن هذه التحضيرات، ومنها ما حصل في فندق «كامل» في صوفر لحظة بدء الانسحاب الاسرائيلي في ايلول 1983 حيث اصطحب مجموعة مقاتلين من «القوات» بعد توسلهم المذل للاستيلاء على الفندق ليدخلوا بعد أن تركهم الدليل الاسرائيلي وتحذيراته وجهاً لوجه مع مجموعة من مقاتلي جنبلاط سبق لنفس الدليل أن أدخلهم اليه)!..
برز التنافس مبكرا بين مشروع أمين كرئيس «الذي يكره القوات» والقوات اللبنانية «التي ترى أنه يريد رؤوسنا»، فوضع الرئيس المنتخب حديثاً خطته في اللعب فوق وتحت الطاولة.. وهكذا قرر سراً التوجه الى معلف «القوات»، مكلفاً سامي مارون بالمحادثات مع اسرائيل، ومن دون معرفة الاميركي ممثلا بفيليب حبيب، الى أن اكتشفتها أجهزة تنصت حبيقة، فأثارت قلق القوات «فجرت العودة مجدداً الى فكرة دولة للمسيحيين (أسموها العرين) وتم إرسال جعجع الى الجبل لوضع هذه الاستراتيجية موضع التطبيق، وتمنى روجيه ديب على مندوب الموساد مندي بالتوقف عن الكلام مع جنبلاط لإضعافه.
بالمناسبة، لم يكظم «القوات» غيظهم ولا مرة واحدة إذا ما أقامت اسرائيل علاقة مع سواهم، فحرضوا على قطع العلاقات مع جنبلاط ورسله ونزع سلاح الدروز (ينشر مينارغ وثائق حول هذه العلاقة واعتراف جنبلاط بها)، وأيضاً مع أمين ومع سعد حداد، مكررين رفضهم الاندماج معه في الجنوب بناء على طلب الاسرائيلي، وشكوى أفرام «للموساد» من قناة اتصالهم بجورج عدوان وأبو أرز الخ.. الى أن كانت الصدمة التي أفاقوا منها بعد خراب البصرة في الجبل.
لم تنفع براعة أمين في اللعب فوق وتحت الطاولة مع كل من اسرائيل وسوريا وأميركا وحلفائه المحليين، فكان انزعاجه من كشف الاسرائيلي لبنود لقاءات مارون السرية معهم أمام فيليب حبيب الذي لم يكن على علم بذلك من أمين، والتي سبقت محادثات 17 ايار، فتولى والده بيار الجميل مسؤولية الدفاع عنه أمام «القوات» والاسرائيلي فاستجدى شارون في أحد اللقاءات ألا يغادر وهو زعلان من أمين، وقوله الى سعد حداد بحضور مئير داغان: لا تخشَ يا سيدي الرائد، فربنا لبناني يهودي!، كما أنه لم يتردد في وصف قادة «القوات» بعد هزيمة أمين لهم في انتخابات الكتائب بالكلاب الموزعي العلاقة بين سوريا وإسرائيل فصفقوا له، ليعود ابنه أمين ويصف اعضاء المكتب السياسي الكتائبي أمام وفد القوات بالبروستاتيين (العجزة)..
هذا التأرجح الذي استمر طيلة عهده، مهدداً من واشنطن بقصف دمشق، وزائراً لها عدة مرات، مستقبلاً بالسر مسؤولين اسرائيليين، مسترسلاً بإيمان مغلظة أمام حلفائه من المسلمين السنة أنه وطني، مؤكداً لـ«القوات» أنه سيدفع لهم مستحقاتهم المالية بعد انسحابهم من الحوض الخامس (ولم يفعل)، أنهك البلاد، وقصة السنوات الست من عهده محفورة في ذاكرة الوطن.
أما المشهد السوريالي فهو في اعتراف حبيقة عن اتفاق بينه وياسر عرفات العائد الى طرابلس «بألا يبعث لمناطقنا سيارات مفخخة وأن أتولى حماية الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا (العام 1983).
كثيرة شواهد ومعلومات مينارغ في كتابه عن حقبة 82-84 وما رافقها من يوميات سياسية وعسكرية، وادّعاء قواتي بقدراتهم العسكرية في تحرير الجبل ووصله بحدود اسرائيل، متناسين أن «ثعلباً» في المقلب الآخر اسمه جنبلاط عقد العزم على تخطيهم في التحالفات، فتنازل «لسيد المعركة الاستراتيجية العماد حكمت الشهابي» في إدارة الهجوم المضاد ميدانياً، فكانت طليعة الهجوم في صوفر «العقيد السوري هاشم المعلا من اللواء 41 للقوات الخاصة، ومن اللواء 54، ومن وحدتي دعم للمدفعية 120 و130 من اللواء 36، ووحدة جورج حبش من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، و150 مقاتلا من «الصاعقة»، ومن أبو خالد العاملي مسؤول «فتح - الانتفاضة» مع وحدتين من لواء اليرموك، ووحدة الأسد من احتياطي «سرايا الدفاع» و«حزب البعث» السوري، وكتيبتين من «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين»، وحوالي 100 عنصر من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل».( ص378-379 ) ويشير مينارغ الى ان جماعة عرفات لم تشترك في القتال، فهو قد عاد الى طرابلس ليل 16-17/9 تسللا لقتال السوريين.
ولم تعد توسلات قادة القوات (خاطب افرام موشي ارينز بعبارة حباً بالله ساعدونا يوم 10/9 ) لتلقي دعم من اسرائيل مفيدة، (تتكرر مفردات التوسل والترجي الى حد الغثيان، فكان أن وصف وزير الطاقة الاسرائيلي اسحق موداي هذا الطلب بالوقاحة الكبرى بعد انسحاب اسرائيل من الجبل).
أما المشهد ما بعد السوريالي فيتلخص بعبارة ذاك الضابط الاسرائيلي لحظة انسحابهم من الجبل إذ قال لبول عينداري: «يسعكم الآن إفناء بعضكم بعضاً»..
المصيبة أننا ما نزال في قلب المشهد السوريالي..
صحافية لبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018