ارشيف من :أخبار لبنانية

ميقاتي بين «أيلولين»: اللوم على النأي بالنفس.. يتحول الى تهنئة!

ميقاتي بين «أيلولين»: اللوم على النأي بالنفس.. يتحول الى تهنئة!
نبيل هيثم - صحيفة السفير

بين مشاركة رئيس الحكومة في دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول 2011 ومشاركته في الدورة الحالية قبل أيام، تبدلت النظرة الدولية إلى نجيب ميقاتي.


عندما حزم ميقاتي حقائبه قاصدا الأمم المتحدة في العام الماضي، كانت حكومته في بداية شهرها الرابع، وكانت الأزمة السورية في شهرها السادس. في نيويورك، وجد نفسه وقتذاك أمام مهمة صعبة، لجهة كيفية الانفتاح على المجتمع الدولي. سرعان ما وجد نفسه يرتدي ثوب المحامي مرافعا عن حكومته الفتية أمام المسؤولين الغربيين والعرب، محاولا ان ينزع عن الحكومة أنها حكومة «حزب الله»، وان الحزب لا يتحكم بالحكومة ولا يديرها ولا يؤثر عليها.


أما الجهد الأكبر، ويتذكر ذلك ميقاتي جيدا، فقد بذله لتبرير سياسة «النأي النفس» اللبنانية حيال الازمة السورية. اقتنع البعض أو عاتب أو تحفظ أو اعترض البعض الآخر. كان معظم الجو الدولي والعربي يعتبر أن «الربيع السوري» قاب قوسين وأدنى.


ما بين «الأيلولين»، استطاع ميقاتي، أن يدحض الدعاية الحريرية، وأن يثبت للداخل والخارج ان حكومته ليست حكومة «حزب الله»، وان سياسة «النأي بالنفس» باتت «وصفة سحرية» ينادي به الشرق والغرب وما بينهما لضمان الاستقرار اللبناني بوصفه مطلبا دوليا لا يختلف عليه اثنان حتى الآن.
ها هو ميقاتي يسمع بالأمس القريب في الأمم المتحدة دعوة دولية واضحة للثبات على سياسة النأي بالنفس، وعدم التدخل في الأزمة السورية بما في ذلك عدم جعل لبنان «ممرا أو منطلقا لأي أمر في اتجاه سوريا»، وبلغ الأمر حد قول وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون لميقاتي إن «لا غطاء أميركيا لأي طرف داخلي يستغل النزاع السوري لتقويض استقرار لبنان والمنطقة». ولعل هذا الموقف الأميركي خير تفسير لما ردده رئيس «كتلة المستقبل» فؤاد السنيورة قبل أيام بقوله «لو كنت رئيسا للحكومة لاعتمدت سياسة النأي بالنفس بعدم جعل بلدي بؤرة لمحاربة النظام السوري أو ان يكون معبرا للسلاح والمسلحين الى سوريا».


فشلت الماكينة الحريرية الديبلوماسية والاعلامية في التشويش على ميقاتي برغم حماستها لباراك أوباما أكثر من حماستها لسعد الحريري، كما فعل بعض من أخذ على رئيس الحكومة أنه قبل بإسناد رئاسة الحكومة، من دون أن يابه لما أسموها «الاهانة» التي تعرض لها سيد البيت الأبيض يوم استقبل الحريري رئيسا للحكومة، وما لبت أن خرج من مكتبه رئيسا مستقيلا.


بدا واضحا أن ميقاتي متفهم للتهافت الدولي والعربي، ولو أنه يبقى حريصا على جاري عادته، في ترسيم حدود ما يلبيه من دعوات وذلك حرصا منه على عدم مغادرة دائرة التحفظ بفعل اقتناعه بأنه ليس قادرا على تلبية مطالب المتصارعين الكبار والصغار في المنطقة.


الأكيد أن زيارة ميقاتي الى نيويورك ستترجم بجولة عربية قريبة، ربما تكون الدوحة إحدى أبرز محطاتها، فيما يلبي وزير الاقتصاد نقولا نحاس دعوة لزيارة رسمية الى بغداد قد تمهد لزيارة لاحقة يقوم بها رئيس الحكومة، فيما بدأت الدوائر الفرنسية واللبنانية بالتحضير لزيارة ميقاتي الى فرنسا حيث سيلتقي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لاستكمال ما بدأه معه في الامم المتحدة، عدا البعد الرمزي للزيارة لتزامنها مع الاحتفال بعيد الاستقلال في اواخر تشرين الثاني المقبل.


أما اللقاء الذي عقده ميقاتي مع نائب وزير الخارجية السعودية الامير عبد العزيز بن عبدالله، فقد «كان لقاء مريحا جدا»، ولو أنه في الوقت ذاته لم يسرّ قلوب «المستقبليين»، ممن باتوا يدركون أن بعض قادة المملكة لا يخفون إعجابهم بميقاتي وإدارته السياسية من جهة ولا يريدون إضفاء مشروعية للحكومة التي قامت على أنقاض حكومة سعد الحريري من جهة ثانية، وهو الأمر الذي لا يخلق أية أوهام عند رئيس الحكومة الذي بات مدركا «أن قيادة المملكة تتعامل مع سعد الحريري بوصفه نجل شهيد لبنان الكبير رفيق الحريري».


بدا واضحا أن ميقاتي رسم لنفسه خريطة طريق في رحلة نيويورك، يمكن رصدها من خلال الأولويات التي أعاد طرحها أمام من التقاهم من رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية، وتتضمن الآتي:


الاولوية الاولى، دعم الجيش اللبناني، وقد وجد ترحيبا بهذه الفكرة مع كل من طرحت عليه، ولبنان في هذه الطريقة لا يفتح بابا للدول الصغيرة لان تقتدي بلبنان وتطلب من الامم المتحدة عقد مؤتمرات لدعم جيوشها، فلبنان كما أكد ميقاتي لمن التقاهم «يشكل هنا استثناءً واضحا من خلال القرار 1701، بتأكيده وجوب دعم القوات المسلحة اللبنانية لـ«اليونيفيل» أثناء انتشارها في جميع أرجاء الجنوب، بما في ذلك على طول الخط الأزرق، تمهيدا لحلول الجيش محل قوات «اليونيفيل»، ومن هذا الباب يمكن الطلب من دول «اليونيفيل» افراديا أو من خلال مؤتمر دعم الجيش، فالمهم ان نأكل العنب، وعلى هذا الاساس، فإن المراجع الحكومية تستطلع الطريقة الافضل التي تؤدي الى دعم الجيش، إما عبر علاقات ثنائية بين لبنان والدول الغربية، وإما عبر مؤتمر.


- الاولوية الثانية، مساعدة لبنان على ضبط أمنه في الداخل وعلى الحدود، ودعم خطوات الحكومة في هذا المجال وعدم التدخل في أي أمر تقوم به السلطات الامنية والقضائية في لبنان. لقد انطلقت هذه الاولوية من العرقلة التي تتعرض لها الحكومة حيال كل إجراء تقوم به، «فإن أمن لبنان فوق كل اعتبار، وعلى العالم ان يسلم بذلك، لا ان يأتي هذا باحتجاج هنا، أو بضغط هناك، أو بانتقاد كلما قامت الدولة اللبنانية بإجراء أمني، أو كلما أوقفت مخلا بالامن، فيأتي من يقيم الدنيا على الحكومة ولا يقعدها، ويقول: «لقد ارتكبتم الخطيئة الكبرى. هذا معارض سوري لماذا أوقفتموه أو أبعدتموه. أنتم ضد الثورة السورية»!


- الاولوية الثالثة، لا يريد لبنان فقط مساعدته على تقديم العون للنازحين السوريين، علما اننا نساعدهم بالحد الذي تسمح به القدرات والامكانات اللبنانية، بل على ضبط إيقاع هذا الملف، خاصة ان التطورات السورية مفتوحة، ولقد سبق للبنان ان مرّ في تجربة اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يزالون في لبنان، وما يخشاه لبنان هو ان يتكرر المشهد مع اللاجئين السوريين، ولذلك فإن أول ما يطلبه لبنان من المجتمع الدولي هو ضمانة دولية بأن هذا اللاجئ السوري سيعود الى ارضه لأن بقاءه قد يتسبب بمشكلة كبرى، خاصة انه قد يخلّف أثرا بالغ السلبية على الواقع الديموغرافي في هذا البلد (عدد اللاجئين تجاوز الـ280 ألف لاجئ سوري بينهم فقط 74 ألفا سجلوا أسماءهم في لوائح الأمم المتحدة والهيئة العليا للاغاثة).


وأما بالنسبة الى حكومته، فإن نجيب ميقاتي يجزم بأنها باقية حتى الانتخابات النيابية وما دامت تشكل حاجة للاستقرار الداخلي. فضلا عن أن الاعمار الحكومية في يد المجلس النيابي، وما دامت ثقة المجلس النيابي مستمرة فالحكومة ستقوم بكل ما عليها لحفظ هذا الاستقرار ومنع الانهيار وعدم تلبية رغبات المتربصين بلبنان. والآتي من الأيام سيشهد سلسلة من الإجراءات على غير صعيد، لبت مواضيع مالية واجتماعية وتعيينات وإصلاحات في الادارة وكل ذلك أصبح على السكة.

2012-10-04