ارشيف من :أخبار لبنانية

أسوأ من انتكاسة 1967

أسوأ من انتكاسة 1967
سمير كرم/كاتب سياسي ـ مصر - صحيفة السفير

نعم، الوضع العربي في إجماله يبدو الآن في صورة أسوأ مما كان على اثر انتكاسة حزيران /يونيو 1967.


قد تكون هذه حقيقة صادمة ولكنها حقيقة. واذا ما راجعنا العناصر المكونة للوضع الراهن في ضوء العناصر التي كونت الوضع كما كان في أعقاب هزيمة عام 1967 لتوصلنا الى اقتناع بأن الوضع اليوم أسوأ. وقد تكون هذه مهمة ثقيلة على النفس العربية، إلا ان من الضروري احتمالها من أجل التفكير في كيفية الخروج من تبعاتها.


لقد أسفرت حرب 1967 عن هزيمة قاسية لأكبر قوتين عسكريتين عربيتين في ذلك الوقت، وهما مصر وسوريا وان كانت الهزيمة قد طالت الاردن بالمثل. مع ذلك فإن هذه الهزيمة القاسية لم تؤد الى الاستسلام لمعاهدة سلام توقع بين الدول العربية التي نالت منها الهزيمة والطرف المنتصر اسرائيل، وتحت إشراف الولايات المتحدة. بل الواقع ان المقاومة العربية من الدولتين المهزومتين لم تلبث أن بدأت. كان جمال عبد الناصر لا يزال على قيد الحياة، وكانت الجماهير العربية تعي أهمية قيادة عبد الناصر للمرحلة التالية فأبقته على قمة القيادة العسكرية والسياسية. ولم يمض وقت طويل حتى كانت المقاومة العسكرية من جانب المهزوم الاكبر تستأنف عملياتها، وأطلق عليها عبد الناصر صفة «حرب الاستنزاف».
وبالفعل كانت حرب استنزاف نالت من ثقة اسرائيل شيئا فشيئا فلم تعد اسرائيل ـ بعد إغراق مدمرتها «ايلات» في جنوب البحر الابيض المتوسط بواسطة صواريخ بحرية مصرية بعد شهور قليلة من حزيران الهزيمة ـ تشعر بهذا التفوق الذي منحه إياها انتصارها المخابراتي العسكري. كانت تلك بداية تفتت التفوق العسكري الاسرائيلي وبداية البناء على المقاومة العسكرية المصرية.


حاولت اسرائيل في ذلك الوقت كسر إرادة المقاومة لدى الشعب المصري بغارات وحشية على أهداف معظمها مدني، مثل مدارس الاطفال (مدرسة بحر البقر)، لكن إصرار القيادة المصرية والشعب المصري على الاستمرار في توجيه الضربات العسكرية في داخل سيناء المحتلة تأكد وتأكد معه أن انتصار اسرائيل والهزيمة العربية ليستا النتيجة النهائية للمواجهة. وتحت قيادة عبد الناصر أعادت مصر تسليح جيشها آخذة في الاعتبار كل دروس الهزيمة. وكان ذلك حافزا قويا للقيادة السورية على مواصلة طريق إعادة تسليح الجيش السوري بفضل مقاومة شعبية سورية لا شك فيها.


وعندما حل الأجل المحتوم، ورحل جمال عبد الناصر عن هذا العالم، لم تكن حرب الاستنزاف قد توقفت، فقد كانت القيادات العسكرية المصرية التي تربت على يدي عبد الناصر قد أُبعدت عن مواقع القيادة. ولكن السنوات القليلة التالية شهدت التغيرات التي جعلت مصر تدفع ثمن هزيمة العام 1967 بعد انتصار حققته في حرب تشرين الاول /أكتوبر 1973 . كانت الولايات المتحدة قد هيمنت على القيادة المصرية برئاسة أنور السادات فتمكنت من ان ترسم حدودا لم توافق عليها القيادات العسكرية وقتها. وبدأ غياب عبد الناصر عن الساحة المصرية يحدث آثاره الكارثية ابتداء من نتائج حرب «اكتوبر» العسكرية ثم نتائجها السياسية التي لم تكن أبدا تتفق مع انتصار «اكتوبر».


ثم كانت النتائج المعروفة لهذا الانتصار الذي تحول بفضل الهيمنة الاميركية السياسية الى معاهدة سلام وقعتها مصر مع اسرائيل. وفرضت هذه المعاهدة شكل العلاقات المصرية - الاسرائيلية. وبقيت سوريا خارج هذا الإطار الذي أعطى لإسرائيل نتائج حرب 1967 بعد انتصار حرب اكتوبر 1973 بفضل الهيمنة الاميركية. وفي حضور الهيمنة الاميركية دخل الاردن تحت قبة السلام الاميركي فوقع مع إسرائيل معاهدة سلام على غرار ما فعلت مصر السادات.


منذ توقيع اتفاقات السلام بين مصر واسرائيل لم يعد من السهل التمييز بين الهيمنة الاميركية كنتيجة من نتائج حرب 1973 أو كسبب لها. ولكن بقي مع استمرار الهيمنة الاميركية تراجع مركز مصر في الوطن العربي وفي إقليم الشرق الاوسط وكذلك في حركة عدم الانحياز وفي العالم ككل. وتحت وطأة هذا الوضع المتدني بقيت مصر لأكثر من ثلاثين عاما في المواقع الخلفية. وبقيت هيمنة اسرائيل العسكرية تنبئ عن نفسها ضد المقاومة الفلسطينية حيثما كانت وضد أي مقاومة عربية أياً كان موقعها.


وعندما تفجرت ثورة «25 يناير» 2011 المصرية الجماهيرية ظهر للمرة الاولى هذا الأمل في أن مصر ستستعيد مركزها وان الهيمنة الاميركية الى زوال وان غطرسة القوة الاسرائيلية في طريقها إلى أن تخبو. غير ان الهيمنة الاميركية انتصرت مع صعود نجم جماعة «الاخوان المسلمين» الى تسلم السلطة من المجلس العسكري. عدنا مرة اخرى الى وضع التراجع القهري من خلال التزام من السلطة الاخوانية التي خضعت لها مصر في ظروف لا نزال نشهدها. عدنا نرى آثار غياب عبد الناصر وحلول سلطة معادية لهذا الزعيم وطرائقه وأهدافه القومية والتحررية. وقعت سلطة الاخوان المسلمين وثائق الالتزام بالسلام مع اسرائيل والخضوع للهيمنة الاميركية.


وها هي نتائج حرب 1967 تطل مرة اخرى بوجه عليه كل سمات الاستسلام.


ها هي مصر تعود الى دور قطعة شطرنج في الشرق الاوسط تنقلها أميركا لحساب التحركات الاسرائيلية حيثما شاءت الهيمنة الاميركية وشاءت المصالح الاسرائيلية.
لكن لماذا قولنا في البداية ان الوضع أسوأ من ذلك الذي أدت اليه هزيمة حزيران/يونيو 1967؟
لا قيادة مصرية للثورة المصرية على غرار قيادة عبد الناصر التي أوقفت زحف الهيمنة الاميركية وأنهت مسيرة الانتصار الاسرائيلي المخابراتي العسكري. انما هناك قيادة «الاخوان المسلمين» التي أظهرت بوضوح مدى الاختلاف بين شعاراتها التي تشغل آلاف الصفحات المكتوبة والمقروءة من ناحية، وخطواتها العملية على أرض الواقع منذ ان دانت لها السلطة في مصر. وهناك قيادات عسكرية مصرية تدين بصعودها الى المناصب القيادية العليا الى جماعة «الاخوان المسلمين» ورئيس السلطة الاخوانية. وهناك ايضا الهيمنة الاميركية التي استطاعت أن تنتقل سريعا من استغلال القيادات المصرية العسكرية التي كان يمثلها المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية الى استغلال القيادات العسكرية البديلة التي اختارتها سلطة الاخوان المسلمين. وليس خافيا ان زيارات القيادات العسكرية الاميركية لمصر لا تنقطع أبدا وتتم بما يشبه السرية التامة. فخبر زيارة قائد القوات المركزية الاميركية ـ على سبيل المثال - لا يتجاوز سطورا قليلة لا تنبئ بشيء عما دار في اجتماعاته في القاهرة. ومن المؤكد ان تستأنف القيادات العسكرية المصرية الجديدة الموالية للاخوان المسلمين زياراتها شبه السرية، أو بالأحرى المطلقة السرية، للولايات المتحدة لتنسيق المواقف التي تضمن استمرار الالتزام بالسلام مع اسرائيل، بالإضافة إلى الالتزام بالخضوع للهيمنة الاميركية العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ان خطط إدماج العسكرية المصرية في خطط حلف الاطلسي لم تعد خافية إلا على من لا يتابعون. فاشتراك مصر في المناورات الاطلسية جنبا الى جنب مع السعودية وقطر والامارات، بل جنبا الى جنب مع اسرائيل، أصبح تقليدا مرعيا تتضح نتائجه في طبيعة السياسات التي تنتهجها هذه الدول إزاء أحداث المنطقة والقوى المختلفة التي تصنعها أو التي تصنع هذه الاحداث ضدها؟


بالاضافة الى هذا كله فإن سوريا لم تعد قائمة كما نعرفها: بلد يقاوم الهيمنة الاميركية ولا يستسلم لسلطة المنظمات الدينية المتطرفة التي لم تعد تخفي استسلامها لهذه الهيمنة وتعتبر اسرائيل خارج معاركه.


في هذا المناخ العام السائد تغيب كل العناصر التي ساعدت مصر اثر انتكاستها العسكرية في العام 1967 على استعادة وعيها القومي بضرورة عدم الرضوخ للقوة الاسرائيلية وعدم إطاعة الهيمنة الاميركية، وتغيب عناصر القوة التي مكنت مصر من ان تخوض حرب الاستنزاف بقيادة جمال عبد الناصر وحرب اكتوبر لأهداف لم يعرفها الشعب العربي إلا في ما بعد. وتغيب سوريا لانشغالها الذي طال بمقاومة قوى التدخل العسكري الاجنبية.

تحضر المملكة السعودية وقطر والامارات المتحدة بسياساتها التي لم تعد تبتعد عن التنسيق مع أميركا ومع حلف الاطلسي. بمعنى آخر، تغيب المملكة السعودية وقطر والامارات وكل دويلات الخليج عن ظروف تقتضي مقاومة التنظيمات الدينية المتطرفة، وتحل محلها سياسات تولي ظهرها تماما لغطرسة القوة الاسرائيلية وتنسق الى أقصى الحدود مع الهيمنة الاميركية. وتحضُر مصر ومعها السلطة الاخوانية، الى جانب السلطات الاجنبية التي تحارب سوريا في سوريا. وتعلن مصر بصراحة لم تعرف بها سلطة الاخوان المسلمين منذ ان قامت في مصر انها تؤيد حرب التنظيمات الدينية المتطرفة في سوريا وتريد ما تريده الولايات المتحدة واسرائيل، وهو ان ينهزم النظام السوري الذي قاوم الهيمنة الاميركية وقاوم نهج الاستسلام لغطرسة القوة الاسرائيلية طوال السنوات منذ انتكاسة العام 1967. ومعنى هذا ان الولايات المتحدة أملت على السلطة الاخوانية في مصر انه ليس مسموحا لسوريا بأن تنتصر، وأن تغلب القوى الحليفة للاخوان المسلمين.


ألا يبدو الوضع اليوم في الوطن العربي ـ نعني مجموع البلدان التي يتألف منها هذا الوطن الكبير ـ أسوأ مما كان في أعقاب هزيمة حرب العام 1967؟
ألا تبدو مقاومة الهيمنة الاميركية على الوطن العربي أصعب مما كانت اثر الانتكاسة؟


ألا تبدو غطرسة القوة الاسرائيلية مطلقة السراح في المنطقة العربية بأسرها كما لم تكن حتى في أعقاب الهزيمة التي ألحقتها بالعرب قبل 45 عاما؟
قد يبدو هذا كله دافعا قويا لليأس والاستسلام للقوتين المهيمنتين ـ أميركا واسرائيل ـ نظرا لغياب القيادات القادرة على المقاومة ومواجهة التحديات الراهنة. وهذا غير صحيح. لن نستطيع ان نبدأ خطة مقاومة إلا بناء على معرفة دقيقة وموضوعية لمكونات الوضع الراهن. وتتطلب هذه الأخيرة استعدادا يفوق المتطلبات التي منها بدأت حرب الاستنزاف ضد اسرائيل قبل 45 عاما.


لكن شيئا من هذا ليس مستحيلا.


ليس مستحيلا مقاومة الشعب المصري لسيطرة السلطة الاخوانية. وهذه بداية لا بد منها لاستعادة سوريا وليبيا وتونس والاردن وكل الوطن العربي.
فلتتركز الأنظار على مصر. انها موقع المعركة الفاصلة وموقع القيادة القادرة.

 

2012-10-05