ارشيف من :ترجمات ودراسات

دعوة باراك الانفصالية... توقيتاً ومضموناً

دعوة باراك الانفصالية... توقيتاً ومضموناً
كتب المحرر العبري
قد لا يكون هناك جديد في دعوة وزير الأمن الإسرائيلي ايهود باراك ـ عبر صحيفة إسرائيل اليوم ـ إلى الانفصال الأحادي عن أجزاء من الضفة الغربية، في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل أو اتفاق مرحلي، وخاصة أنه سبق أن دعا إلى هذا الخيار، في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد، مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في العام 2000، إلا أن ذلك لا يلغي الدلالات المتصلة بهذا الطرح في هذا التوقيت السياسي.
ومن أبرز ما يميز موقف باراك، تضمنه فرض حدود الدولة الفلسطينية من جانب واحد، بعيدا عن أي صيغة اتفاق ثنائي، فضلا عن توقيته، وخاصة أنه يتزامن مع تزايد المؤشرات على إمكانية إجراء انتخابات مبكرة على خلفية الاشتباك الدائر حول الموازنة العامة، والتي إن فشل نتنياهو في إمرارها في الحكومة ستتجه الأمور حكما، كما ينص القانون، إلى انتخابات مبكرة.
في ضوء ذلك، باتت حاجة باراك أكثر إلحاحا إلى خطاب سياسي، يميزه عن بقية شركائه اليمينيين في الحكومة، ورهان باراك الأساسي هو أن يمكنه طرحه "الوسطي"، بحسب مصطلحات الساحة الإسرائيلية، إزاء المسار الفلسطيني من جذب جزء من الناخبين الإسرائيليين بما يُمكِّن حزب استقلال من تجاوز نسبة الحسم (2% من أصوات المقترعين) الذي يسمح له بالعودة إلى الكنيست.
أما فيما يتعلق بالمضمون، فتقوم فلسفة فكرة الانفصال الأحادي على أساس أن إسرائيل تقف بين خيارات محددة تصل بالضفة الغربية:
إما التوصل إلى اتفاق نهائي (أو مرحلي) مع السلطة، أو تكريس الوضع القائم.
فيما يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي أو مرحلي (مبادئ عامة) فقد أثبتت التجارب خلال السنوات السابقة أن هذا الخيار دونه الكثير من العقبات بسبب الهوة الواسعة بين الحد الأقصى الذي يمكن للطرف الإسرائيلي أن يقدمه وتحديدا حكومة يمينية يترأسها بنيامين نتنياهو، وبين الحد الأدنى الذي يمكن للسلطة الفلسطينية أن تسوّقه داخل جمهورها.
إلى ذلك، رأى معسكر اليمين الإسرائيلي في التطورات التي شهدتها المنطقة العربية في السنتين الأخيرتين، من سقوط مبارك، إلى أحداث سوريا، إلى إمكانية اهتزاز النظام الملكي في الأردن.. تعزيزا لمخاوفه التي يتذرع بها للتشدد في قضية الترتيبات الأمنية التي يطالب بها في الضفة، ومنها استمرار السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن كي يضمن وجود فاصل مادي وأمني يحول دون اتصال الدولة الفلسطينية المرتقبة في الضفة الغربية مع الأردن وعبره مع بقية العالم العربي والإسلامي.. وينطلق اليمين الإسرائيلي من تقدير مفاده أن هذه التطورات أكدت أن اتفاقيات التسوية لا توفر ضمانات حقيقية لأمن "إسرائيل".. وبالتالي هناك إمكانية لأن تتحول الدولة الفلسطينية إلى مصدر تهديد جدي على الدولة العبرية في ظل ما تتمتع من موقع جغرافي حساس في مقابل عمق الكيان الإسرائيلي..
وعليه، في ظل فشل المحاولات السابقة للتوصل إلى تسوية، وما تشير اليه التطورات التي يشهدها العالم العربي، بات "الخيار" الأكثر رجحانا هو استمرار الواقع الراهن على ما هو عليه.. وهو ما تطمح إليه العديد من التيارات اليمينية..
في المقابل، يبرز في "إسرائيل" من يرى في استمرار الوضع القائم خطرا على الأمن الإسرائيلي وبفعل ذلك يحاول الالتفاف على حالة الانسداد التي يشهدها المسار الفلسطيني، (ومن ضمنهم ايهود باراك) عبر اجتراح خيار يهدف إلى اختراق الجمود السياسي ويحول دون تكريس الوضع القائم، عبر انفصال أحادي تتمكن بموجبه "إسرائيل" من فرض الحدود والترتيبات التي ترى أنها تلبي هواجسها الأمنية وتحتفظ في ظلها بالمناطق التي توصف بالحيوية سواء على خلفيات ايديولوجية أو سياسية أو تاريخية أو إستراتيجية..
لكن ما تجدر الإشارة إليه أن رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت سبق أن طرح مشروع انفصال أحادي عن الضفة الغربية تحت عنوان "الانطواء"، بعد الانسحاب الأحادي من قطاع غزة في العام 2005، ولكن نتائج الحرب الإسرائيلية على حزب الله في العام 2006، وقبلها المواجهة العسكرية مع قطاع غزة في أعقاب أسر الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط.. دفعت الحكومة آنذاك إلى الإعلان الرسمي عن تخليها عن فكرة الانسحاب الأحادي من أجزاء من الضفة الغربية على خلفية أن تجربة هذا الخيار في لبنان وغزة، أثبتت أنه كلما انسحبت "إسرائيل" من ارض تحولت إلى مصدر إضافي للتهديد، وهذا ما لا تتحمله "إسرائيل" من جهة الضفة الغربية لقربها من المدن الإسرائيلية وتحديدا في وسط "إسرائيل".


2012-10-05