ارشيف من :ترجمات ودراسات
باراك تراجع... ولا يعترف
رغم محاولته إثبات أن مواقفه لم تتغير عما كانت عليه قبل أسابيع وأشهر، فيما يتعلق بضرورة مهاجمة إيران قبل نهاية السنة الجارية، إلا التدقيق في المقابلة التي أجراها وزير الأمن ايهود باراك مع صحيفة إسرائيل اليوم، والتي شدد فيها على أن "أي امر لم يتغير في كلامي.. المسألة ليست اسابيع ولا سنوات، ومن المهم ان يعرف الايرانيون ذلك"!!، يؤكد على انه سبق "شريكه" (نتنياهو) بالنزول عن الشجرة التي صعدا إليها.
إلى ذلك، حرص باراك على وسم مواقفه بالعمومية التي يشترك فيها المعارضون والمؤيدون (من كانوا مؤيدين) للخيار العسكري الأحادي ضد المنشآت النووية الإيرانية قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية. سواء فيما يتعلق بالتعبير عن حرص إسرائيل ضمان أمنها ومستقبلها، بنفسها، وعدم إلقاء هذه المهمة على أقرب أصدقائها بمن فيهم الولايات المتحدة. أو ضرورة انضمام روسيا والصين إلى العقوبات الدولية على ايران، كي تصبح أكثر إحكاما وإطباقا..
لكن من أبرز ما ميَّز مواقفه، ويؤكد على تراجعه عن خياراته التهويلية، ما يكمن في عدم تحديده موقفاً صريحاً ومباشراً من الخطوط الحمراء بالصيغة التي يطالب بها نتنياهو، رغم انه اختبأ وراء مقولة إن رئيس الوزراء يعبر عن موقف الحكومة، وخاصة أنها تشكل محور التجاذب الحالي بين نتنياهو وإدارة اوباما. بموازاة ذلك، يلاحظ أن أحداً من الصحافيين الذين أجروا المقابلة مع باراك لم يوجه له أسئلة مباشرة حول هذا الموضوع، كما لم يحاولوا انتزاع أي موقف صريح في هذا المجال؟؟!!.
ايضا، كان لافتا تكرار باراك الحديث عن منطقة الحصانة، (التي اخترع مصطلحها) عبر القول بأن الايرانيين "كلما حفروا عميقاً أماكن محصنة وراكموا اجهزة طرد مركزي، فإنهم يضعون صعوبات عملانية على "إسرائيل" أكثر من الولايات المتحدة"، مشددا على أنهم "يسعون اولا للوصول إلى وضع يكونون فيه محصنين بشكل مُقنِع، بحسب رأيهم، من إمكانية ان يتضرروا من عملية جراحية إسرائيلية أو اميركية، وبعد ذلك سيدرسون ما إن كانوا سيتقدمون".
يؤكد تكرار باراك شروحه حول منطقة الحصانة، على أن هذا التصور حاضر بقوة في المؤسسة الإسرائيلية، وخاصة أن تناوله هذه المرة يأتي بعد انكفائه عن التلويح بالخيار العسكري الاحادي، سواء عبر التسريبات أو غير ذلك، وبالتالي فهو لم يتناوله كجزء من الضغوط والتمهيد لخيار عسكري إسرائيلي احادي، في هذه المرحلة، بل من منطلق أنه يشكل فعليا تحديا حقيقيا أمام "إسرائيل".
لكن ما ينبغي التوقف عنده هو أن باراك لم يكرر ما كان أعلنه سابقا، في أكثر من مناسبة، بأن الوقت المتاح لتوجيه ضربة مجدية للبرنامج النووي الايراني مفتوح حتى آخر السنة الجارية، انطلاقاً من أن إيران تكون قد دخلت منطقة الحصانة.. ولا يخفى أن إعراض باراك عن تحديد تواريخ زمنية لمنطقة الحصانة رغم وجود مناسبة للحديث عن ذلك، هو نتيجة انكفائه عن خيار التلويح بالخيار العسكري الأحادي وتجنب إلزام نفسه بتواريخ باتت "إسرائيل" على أبوابها.
ايضا، في الوقت الذي أقر باراك بأن ايران لم تتخذ حتى الان قرارا بانتاج سلاح نووي، قدَّر أن سبب ذلك يعود إلى أن الإيرانيين يدركون بأن أي قرار كهذا، ستعرف به "إسرائيل" والاميركيون وآخرون، أو سينعكس ذلك في النشاطات النووية، وعندها قد يتعرضون إلى ضربة عسكرية تعيدهم إلى الوراء.
في هذا المجال، ينبغي الإقرار بأن تحوّل إيران إلى دولة حافة نووية، بمعنى أن تملك القدرة على إنتاج سلاح نووي (من دون أن تفعل ذلك)، سوف يؤدي بالنسبة لـ"اسرائيل" إلى إعادة إنتاج معادلات إستراتيجية في المنطقة، وسيترتب عليه مفاعيل ردعية، كما لو ان ايران تملك سلاحا نوويا. وهكذا تكون ايران كسبت مفاعيل امتلاك السلاح النووي، من دون انتاجه فعلا، وتجنبت السلبيات المفترض ان تترتب على ذلك.
في المقابل، لا تستطيع "إسرائيل" الترويِج لضرورة كبح البرنامج النووي الإيراني، على أساس خطاب يرتكز إلى إقرار بأن التوجه الفعلي الإيراني هو عدم إنتاج سلاح نووي.. من هنا تجد "إسرائيل" نفسها مُلزمة بالحفاظ على وتيرة اتهام إيران بأنها في اللحظة التي ترى أنها باتت قادرة، وتشعر بالامان من ردود الفعل الدولية، ستقدم على إنتاج سلاح نووي.
وعليه فإن هدف "إسرائيل" الحقيقي ليس منع ايران من إنتاج سلاح نووي، بل من التحول إلى دولة حافة نووية، بكل ما يشير ذلك إلى أبعاد علمية وحضارية وإستراتيجية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018