ارشيف من :ترجمات ودراسات
من التهويل بعملية عسكرية... إلى المطالبة بخط احمر إزاء إيران
كتب محرر الشؤون العبرية
دعا رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو من على منصة الأمم المتحدة إلى فرض خط احمر على إيران، بعد اشهر من التهويل بعملية عسكرية أحادية ضد المنشآت النووية الإيرانية، أقلقت العالم الغربي والولايات المتحدة التي توالى مسؤولوها في إطلاق المواقف المحذرة، والتأكيد على ان واشنطن لن تسمح لإيران بإنتاج أسلحة نووية.
في أي سياق تندرج مطالبة نتنياهو بخطر احمر، وأي أبعاد انطوى عليها هذا الموقف؟
من أبرز ما يميز موقف نتنياهو، أنه يمثل خطوة إلى الوراء بعد سياسة الدفع والتهويل بعملية عسكرية أحادية ضد المنشآت النووية الإيرانية، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية... اذ لم يقتصر الامر على الانكفاء عن تنفيذ الهجوم الاحادي.. بل اضطر نتنياهو إلى تبديل خطاب التهويل بآخر ينطوي على تعهد ضمني بعدم اللجوء إلى هذا الخيار طوال هذه الفترة، على الأقل، وعليه فقد شكل هذا الموقف، رغم محاولات نتنياهو احتواء دلالاته، تراجعا إسرائيليا حادا أمام معادلة تحكم العلاقة بين دولة صغرى (إسرائيل) وأخرى عظمى (الولايات المتحدة) توفر للأولى الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والاستراتيجي. وبفعل معادلة الكلفة والجدوى التي احدثت شرخا داخل القيادتين السياسية والعسكرية وداخل كل منهما، وعززت من التباينات بين مصالح ورؤى واشنطن وتل ابيب.لا شك أن نتنياهو حرص من خلال المطالبة بخط احمر، وليس هجوم عسكري أميركي فوري، على أن لا يبدو كمن يورط العالم الغربي في حرب تتسبب بأزمة عالمية تفاقم من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها.. بعدما تمكن من إقلاق العالم الغربي من خيار كهذا، الأمر الذي انعكس زيارات متوالية، واتصالات متواصلة، ومواقف حازمة وعلى لسان أكثر من مسؤول أكدت جميعها على ضرورة تجنب التسبب بمواجهة عسكرية مع إيران في هذه المرحلة.. وترك المجال للاتصالات والمفاوضات والعقوبات..
في السياق نفسه، مما يميز موقف نتنياهو، أنه أتى بعد سجال علني وحاد مع الإدارة الأميركية، حول ضرورة فرض خط أحمر واضح ومحدَّد على إيران، أظهرت خلاله إدارة اوباما صلابة وتصميما على رفض الاملاءات الإسرائيلية، رغم الانتخابات الرئاسية التي كان يراهن عليها نتنياهو. ويبدو أن جولة الكباش بين الطرفين تركت أثرها لجهة حرص نتنياهو على عدم استفزاز الرئيس الأميركي الذي حاول الجمع بين التمسك بموقفه من الخط الأحمر، وإمرار قدر من الثناء على أداء الإدارة الأميركية للجهود التي تبذلها في الموضوع الإيراني.
وعليه، يلاحظ أن نتنياهو حاول من خلال المطالبة بخط احمر، وفق الصيغة التي شرحها على منصة الأمم المتحدة، في هذه المرحلة بالذات، أن يجترح خيارا وسطيا بين مجموعة خيارات تبدأ من التسليم بواقع تحول ايران إلى دولة نووية، ومرورا بإيكال الأمر كله إلى الإدارة الأميركية، أو عملية عسكرية إسرائيلية بموافقة واحتضان اميركي وصولا إلى عملية عسكرية احادية رغم معارضة البيت الابيض في هذه المرحلة.
من هنا فإن من أهم الأبعاد والنتائج التي ترتبت على تحديد نتنياهو بأن الخط الأحمر ستبلغه إيران في الربيع أو الصيف المقبلين، أنه نزع المشروعية الدولية وحتى الإسرائيلية الداخلية، عن أي خيار عسكري إسرائيلي أحادي حتى تلك الفترة، الذي كان محور الاتصالات الأميركية وبعبارة أدق الضغوط الأميركية.. لأن أي عملية "إسرائيلية" ما قبل هذا التاريخ، ستعتبر من الناحية الأميركية والرأي العام الغربي، غير ضرورية وكان بالإمكان الاستغناء عنها لأن الأمور لم تكن قد وصلت، بدليل كلام نتنياهو نفسه، إلى مرحلة اللاخيار.في الإطار نفسه، لم يقتصر التراجع الإسرائيلي على الرسالة الضمنية التي انطوت عليها كلمة نتنياهو في الأمم المتحدة، بل انتقل ايضا إلى توجيه رسالة صريحة، عبر السفير الإسرائيلي الاسبق زلمان شوفال، المقرب من نتنياهو، الذي أكد في مقابلة نشرت على موقع "فورين بوليسي"، بأن "إسرائيل" لن تهاجم قبل ستة إلى ثمانية اشهر، وان هجومها بعد ذلك الحين سيكلل بالنجاح".
وعليه، فإن الكلام الذي أورده نتنياهو بعد كلمته في الأمم المتحدة، لوسائل إعلام إسرائيلية، وحاول خلالها أن يؤكد على انه لم يتخلّ عن حق إسرائيل" بمهاجمة المنشآت النووية، قبل فترة الربيع المقبل، لم يكن سوى محاولة استدراك واحتواء ـ فاشلتين ـ لمفاعيل الخطاب الذي انكشف خلاله التراجع الإسرائيلي الحاد والسريع عن سياسة التهويل...
الاقتصار على اليورانيوم المخصب بـ 20%
كشف نتنياهو عن طبيعة الخط الأحمر الذي يدعو لفرضه على البرنامج النووي الإيراني، خلال كلمته أمام الأمم المتحدة، وهو ما كان محور السجال بينه وبين الإدارة الأميركية التي رفضت بشكل مطلق تقييد نفسها بخط محدد ومباشر.
وإذا ما انطلقنا مما قاله نتنياهو نفسه، فإن السبب الذي دفعه لتحديد خط أحمر، يتمثل بمنع امتلاك ايران كميات محددة من اليورانيوم المخصب بدرجة 20%، أن انتاج القنبلة النووية الواحدة يحتاج إلى 250 كلغ بدرجة تخصيب 20%، والى صاعق تفجيري، وبما انه من الصعب جدا الحؤول دون صناعة ايران لهذا الصاعق كونها تستطيع القيام بذلك في أي مكان من الاراضي الايرانية بعيدا عن مراقبة الوكالة الدولية واجهزة الاستخبارات، يبقى الامر المتاح هو رسم خط احمر يتعلق باليورانيوم المخصب نفسه.
لكن ما لم يقله نتنياهو مباشرة، وإنما اكتفى بالإشارة إليه، أنه بالرغم من أن آوان كبح البرنامج النووي الإيراني لم يفت حتى الآن، (بحسب تقديره) الا انه يعتبر ان الوقت بات متأخرا جدا، بفعل ان ايران حققت قفزات نوعية هامة على صعيد التطور النووي.. وبالتالي لم يعد بالإمكان وضع خط احمر يتصل بمراحل تم تجاوزها، لا لسبب إلا لأنه تم تجاوزها.. اذ تجاوزت ايران كافة الخطوط الحمراء التي لو توقفت عند أي منها لتغير كافة المعادلات المتصلة ببرنامجها النووي أو حتى بالتوازنات الاقليمية، ومن أبرز تلك المحطات التي تجاوزتها إيران.. إنتاج أجهزة التخصيب أو تركيبها أو تطويرها، البدء بعمليات التخصيب أو الانتقال إلى تخصيب درجة 20%، تركيب أجهزة الطرد المركزي في منشأة "فوردو" الأكثر تحصينا والقادرة على استيعاب نحو 3000 جهاز، أو قبل بلوغها أكثر من 2000 جهاز (بحسب ما تضمن التقرير الاخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية)، كما كان يطالب وزير الأمن ايهود باراك..
الواضح من خلال الخط الذي حدَّده نتنياهو، "قبل استكمال المرحلة الثانية من التخصيب"، أي قبل تخصيب 250 كلغ يورانيوم بدرجة 20%، أن الهدف الإسرائيلي الاساسي ليس قطع الطريق على ايران لانتاج اسلحة نووية، بل الدفع باتجاه الحؤول دون وصولها إلى دولة حافة نووية، لاعتبارات باتت واضحة لجهة انها تكرسها كدولة نووية، مع كل ما يترتب على ذلك من معادلات استراتيجية جديدة في المنطقة، حتى من دون إنتاج أسلحة نووية..من جهة اخرى، يلاحظ انه في الوقت سعى نتنياهو إلى اقناع المجتمع الدولي برفض التكيف مع واقع تحول ايران إلى دولة نووية، رافضا مقارنتها بالاتحاد السوفياتي، انطلاقا من التباين العقائدي بين الطرفين خاصة وان ايران تدعو إلى ازالة إسرائيل، رغم كل ذلك، لم يستطع نتنياهو اخفاء تكيفه القهري مع ما وصلت إليه إيران من تطور على الصعيد النووي، لأن اعلانه بأن ايران ستصل إلى الخط الاحمر الذي حدده في الربيع أو الصيف المقبلين، وفق وتيرة التخصيب القائمة الان، فإن ذلك يعني، فيما يعنيه، ان لا مشروعية ولا ضرورة للتحرك الدولي العملاني ما قبل الوصول إلى هذه المرحلة.. وهو ما يتعارض مع الشروط التي طالب بها خلال جولة المفاوضات الأخيرة بين دول (5 + 1) وإيران، في أنقرة وبغداد وموسكو، (وقف التخصيب بدرجة 3,5%، إخراج كافة اليورانيوم المخصب بدرجة 20% إلى خارج إيران، وقف العمل بمنشأة فوردو).
أما بخصوص إعلان نتنياهو في الامم المتحدة، أن فرض الخطوط الحمراء، يمنع نشوب الحرب، مستدلا على ذلك بالعديد من التجارب التاريخية.. يمكن ملاحظة التالي:
ان نتنياهو أراد من خلال ذلك القول مرة اخرى، ان هدفه ليس توريط العالم الغربي والولايات المتحدة بحرب مع ايران، وتحميلهم المسؤولية عما سيؤول اليه تطور البرنامج النووي الايراني، وللقول ايضا بأن حل المشكلة الايرانية مرهون بقرار جدي يتخذونه في هذا المجال على صعيد تحديد خط احمر واضح ومحدد.
لكن التدقيق في مضمون ما أعلنه رئيس وزراء العدو يكشف عن انه تجاوز مسألة أن أي إعلان عن خط احمر، ينبغي أن يقترن بقدرة وإرادة جدية على التحرك العملاني ضد الطرف الآخر.. بل ينبغي على هذا الطرف الآخر أن يقتنع بوجود القدرة والإرادة لدى الجهات المفترض أن تبادر إلى التحرك، وإلا سيُنظر إلى كل تهديداته ومواقفه على أنها تهويل فارغ..
من هنا، فإن المسألة مرتبطة ايضا، بما ستقدره إيران. خاصة أنه في حال قررت تجاوز أي خط تعلنه الولايات المتحدة، ستجد الأخيرة نفسها بين خيارين: إما الدخول في مواجهة، لا تريدها في هذه المرحلة على الأقل، أو أن يؤدي امتناعها عن التحرك العملاني إلى تقويض مصداقيتها وهيبتها وقدرة ردعها.. ولعل هذا هو الفخ الذي يريد نتنياهو استدراج الولايات المتحدة إليه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018