ارشيف من :أخبار لبنانية
لا يكفي أن تكون فلسطين في القلب
مرت اشتباكات باحة المسجد الأقصى يوم الجمعة الفائت مرور الكرام. لم يكن في الصور التي تناقلتها الشاشات والصحف ما «يجذب». ها هي فلسطين تُترك مرة جديدة لشأنها. يواجه الفلسطينيون الاحتلال لوحدهم، أو لا يواجهونه فينكفئون على ذواتهم، ويكون استمرارهم في ممارسة الحياة العادية في بلدهم فعل مقاومة بحد ذاته. ومن أعماق الأراضي المحتلة ترِد أخبار عن صراعات نتنياهو وباراك، الحليفين الضروريين لبعضهما، وعن قرار وشيك بتقديم الانتخابات العامة للكنيست، وعن أزمة اجتماعية ومعيشية تطحن الإسرائيليين أنفسهم، وعن ممارسات عنصرية عنيفة بحق «الفالاشا»، الذين كان ملائماً في فترة من الفترات اعتبارهم يهوداً واستيرادهم من أثيوبيا، ولكن القوم غيَّروا رأيهم بعد حين، فالسلطات تريد التخلص منهم، بينما يتنامى مسلك عنصري متطرف تجاه أي بشرة سوداء في شوارع تل أبيب، بحجة أن لاجئين أفارقة آخرين يتسللون إلى المكان... هناك دائماً حجة للاضطهاد العنصري خصوصاً، حتى لدى النازيين الذين مجَّدوا الإنسان الأرقى، الكامل، فكان ذلك مبرراً للتخلص من الناس الأدنى في السلم المجنون الذي نصبوه. مرّ محمود عباس على الجمعية العامة للأمم المتحدة فلم يثر أي التفاتة، بخلاف العام الفائت. ليته لم يأت حتى لا يسجل رسمياً هذا الموات. مرّ نتنياهو كالعادة بعده بعشر دقائق، فصرف مسائل فلسطين بدقائق، مثل المقدمات البائخة، وانتقل إلى ما كان ينتظره الجميع، إيران، فسجل هو الآخر تأجيلاً في موعد خطه «الأحمر» بصددها حتى الصيف القادم. أوف!
ولكن، وبخلاف الفلسطينيين، لا يكل الإسرائيليون عن العمل على فلسطين، حتى في فترات الجمود. فوجئ الناس باليهود العراقيين يصدرون بياناً تلو الآخر ويتحركون لإدانة الصهيونية والتبرؤ منها، والسخرية من وصفهم باللاجئين، والتأكيد على أن حقوقهم وتعويضاتهم تقع عند نوري السعيد الذي تآمر مع الحركة الصهيونية على إخراجهم من بلدهم العراق، ولا يمكن استبدالها بأملاك فلسطينية. ماعدا مما بدا أن هناك تحضيراً صهيونياً للحصول على قرارات من الأمم المتحدة، عبر مشاريع مقدمة إلى الدورة الحالية، تهدف إلى إلحاق تحوير عميق وضار بقراراتها السابقة بشأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بدءاً من القرار 194 الشهير الذي ينص على حقهم في العودة. هكذا عرفنا أن هناك قضماً إسرائيلياً يُسعى إليه في المحفل الدولي، ولولا العراقيين اليهود لما عرفنا ربما، وهو يذكِّر بالقضم الآخر الذي جرى عندما تغيرت أحوال العالم مطلع تسعينيات القرن الفائت، فقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة نزع صفة العنصرية عن الصهيونية، كما كانت تنص عليه قرارات سابقة لها. ويجري ذلك دوماً بحجج «إيجابية»، فقد ربطت إسرائيل بين طلب الإلغاء الذي تقدمت به وبين مشاركتها في مؤتمر مدريد للسلام (من يذكره؟). وكالعادة واجه العرب الأمر بالإدانة اللفظية، هذا حين واجهوه، ثم انتقلوا إلى البهورة والهروب إلى الأمام، فقالوا إن الأمم المتحدة كلها ليست شأناً مهماً! ترتب على إعادة الاعتبار للصهيونية نتائج سياسية، منها انه تكرَّس الربط بينها وبين مسألة «معاداة السامية»، بوصفها أداة مواجهة، تلك المسألة التي تعتاش عليها إسرائيل. وهذه خسارة فكرية وسياسية وتكتيكية، ليس لفلسطين وحدها، بل لسيرورة التحرر البشـري نفسه. ولكن من يأبه لهذا الترف؟
بالمـقابل، فمـا تسـعى إسرائيل إلى تحقيقه اليوم، بهدوء وتــسلل، وفي غفلة من الجميع، أخطر بما لا يقاس من تلك الواقعــة. وهو يمــس مباشرة بالأسس. فمن يأبه؟ رغــم أنه يــبقى مثيراً للعجب، ذلك التناقض بين مشاهد استباحة الحرم القدسي من قبل مئات الجنود المدججين، وتطاير قــنابل الغاز والرصاص المطاطي، والكر والفر، والمصابين من الشبــان وهم من لحم ودم، والمستوطنين الذين لا يتوقفون عن العــدوان على فضاء الأقصى، من دون اكــتراث من «الجــماهير» العــربية أو المسلمة، التي تخرج غاضبة لفــيلم تافه وســري ســمعت أنه «يســيء إلى الرسول»، أو لرســوم كاريكــاتورية تُنشر فــي جرائــد بلــدان غربية، ولا تقـدم ولا تـؤخر.
يُفترض أن انتقال فلسطين (كمسألة وكمصائر بشر) إلى الظل الكامل يعود إلى طغيان المشكلات المصاحبة للتغيير الجاري في المنطقة بعد عقود من الركود، بدءاً من الدهشة المرافقة لوصول الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من مكان، بواسطة الصيغ المتنوعة لحركات «الإخوان المسلمين» منهم تحديداً، والتحديات المصاحبة لهذا الحدث، وهي تحديات تواجه تلك الحركات نفسها وتفعل فيها تغييراً، وتعيد صياغة رؤاها وتعريفاتها كما علاقاتها. كما هي تواجه المجتمع بكليته، تيارات سياسية وفكرية مختلفة وبشر عاديون، وتطرح عليهم سؤال «ما يريدون أن يكونوا عليه»... وصولاً إلى استطالة المأساة السورية، ودمويتها المفجعة، وما يبدو من تلخيصها أو تكثيفها لتوترات إقليمية، جيواستراتيجية ومذهبية، بل ولصراع عالمي دائر حقاً. وبين الاثنين، حدث أمر في غاية الأهمية، هو انفلات لسان الإرادات العامة والخاصة لعموم الناس بكل فئاتهم، الذين بات بإمكانهم الخروج إلى الشارع (الفعلي والافتراضي) لقول مطالبهم، وللعناد على تحقيقها.
ولكن رد أمر اختفاء فلسطين إلى ذلك وحده خاطئ. فمع انهيار أوسلو وفكرة الحل السلمي التسووي، وظهور استحالته بسبب طبيعة إسرائيل بالدرجة الأولى (على الرغم مما يحويه ذلك الحل المتخيَّل من ظلم لفلسطين، وتنازلات أبدى الفلسطينيون والعرب استعداداً لها)، واجهت المسألة الفلسطينية منعطفاً تاريخياً في مسارها الشائك والطويل، لم تُجب قواها على ما يطرحه، وبقيت تساجل خارج الصدد، بطريقة مفوّتة، ما يشير إلى وجود مأزق يمس تعريف المسألة الوطنية الفلسطينية اليوم، وهو أمر لا يحله الإعلان عن التمسك بالمبادئ العامة (فهذه سهلة!). وقد حدث ذلك الاضطراب والعجز في فترات سابقة (قبل ظهور العمل الفدائي، قبل أوسلو...)، لذا فعدم اعتباره بذاته كارثة أمر فيه نظر، وإن كانت تلك النسبية لا تخفف من آثاره ومن نتائجه، ولا تعفي من الحاجة الشديدة للوفاء بالمهمة، بدءا من وعي ضرورتها، لا سيما أن المنعطف الحالي يحوز على كثير من سمات الطبيعة «التاريخية»، بمعنى انه يشبه 1948، وكأنه يشرف على نهاية مآل، بينما المحطتان السابقتان كانتا تنتميان إلى سياق واحد، أفكاراً ومفاهيم وتصورات وقوى.
ليست هذه مناشدة للعودة إلى الاهتمام، فهذا لا يفيد. والمنطلق على أية حال ليس الواجب التضامني، والحساسية الإنسانية ـ فحسب ـ بل تأثير مصائر المسألة الفلسطينية (أو إسرائيل) على مصائر المنطقة في كافة المجالات، بدءاً من الحروب المحتملة والكارثية، إلى الصراع على حيثيات استثمار الغاز والنفط، وهو ما يحلو للسينيكيين المختبئين تحت عباءة الواقعية تعيينه بأنه «المصالح». وكذلك، فلا يضمر التناول تهديداً بأن ما يعتمل تحت تلك الطبقة الكثيفة من الرماد «خطير» (فمن نبتز؟). بل هو تمرين يؤكد نتائجه: فما أن نتكلم عن حدث صغير ومعتاد، كالذي جرى في باحة الأقصى يوم الجمعة الفائت، أو كخطاب عباس المضجر أمام الجمعية العامة، حتى نضطر إلى طرح التقـييم العام والإطـار والأساسيات، وهي سمات المنعطفات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018