ارشيف من :أخبار عالمية

دولة الطوارق في شمال مالي وحرب الصحراء المحتملة

دولة الطوارق في شمال مالي وحرب الصحراء المحتملة
تونس ـ روعة قاسم
تمكنت مالي في الآونة الأخيرة من لفت الأنظار إليها بفعل ما تشهده من أحداث أثارت انتباه الرأي العام الدولي لكنها لم تفاجئ المراقبين والمختصين في شؤون المنطقة المغاربية ودول الساحل والصحراء المنتمية إلى القارة السمراء.

فالأزمات متفاقمة في هذه الرقعة من العالم التي تقف على صفيح ساخن وعلى فوهة بركان مهدد بالانفجار في أي حين، بفعل حدود وهمية خطتها أيادي المستعمر الفرنسي ولم تراع الحد الأدنى من الاختلافات العرقية في منطقة غنية جداً بالبترول واليورانيوم وثروات طبيعية أخرى.

الطوارق

قبائل الطوارق هم السكان الأصليون لمنطقة الصحراء الكبرى الإفريقية. وهم على غرار أرضهم امتداد لشعوب المغرب العربي. فمن الناحية العرقية هم خليط من العرب والأمازيغ على غرار الشعوب المغاربية، ويدينون بالإسلام على غرار هذه الشعوب وساهموا مساهمة فعالة في تاريخ بلاد المغرب. فمنهم ينحدر الأشراف الصحراويون الذين أسسوا الدول القوية على غرار دولة المرابطين والموحدين وكذا دولة الصنهاجيين في القيروان. وكانوا من أشد المناصرين لدعوة أهل البيت من الفاطميين في بلاد المغرب وساهموا في تركيز دعائم الدولة الفاطمية أو العبيدية كما يسميها البعض نسبة إلى عبيد الله المهدي مؤسس الدولة في مدينة المهدية التونسية قبل أن تنتقل إلى القيروان في تونس أيضاً ومنها إلى القاهرة التي أسسها قائد جيوش المعز لدين الله المدعو جوهر الصقلي الذي انطلق من القيروان بجيوش جرارة من هذه القبائل المنتمية إلى صنهاجة وكتامة.

دولة الطوارق في شمال مالي وحرب الصحراء المحتملة

ورفض الطوارق هيمنة الإستعمار الفرنسي على المنطقة، حيث قاموا بمقاومة فرنسا بالسلاح و كذلك من خلال رفض مشروعها المتمثل في منحهم دولة صحراوية منزوعة السيادة تحكمها الشركات الفرنسية الكبرى التي ستتولى مهمة استخراج البترول واليورانيوم لاحقاً. لذلك عاقبتهم باريس من خلال قسمة بلادهم أو صحرائهم الشاسعة بين دول المنطقة فتم إلحاق بعضهم بالبلاد المغاربية على غرار الجزائر التي ورثت مساحات شاسعة عن الاستعمار على حساب تونس والمغرب والطوارق لأن فرنسا كانت راغبة في ضمها أبد الدهر وجعلها أرضاً فرنسية من أقاليم ما وراء البحار. كما تم إلحاق بعضهم الآخر بدولتي مالي والنيجر.
معاناة
لقد اتهم حكام باماكو ونيامي ـ صنيعتا فرنسا ـ وبتحريض من باريس، الطوارق باستعباد أجدادهم والمتاجرة بهم عبر التاريخ من خلال أخذهم عنوة وبيعهم في أسواق البلدان المغاربية قبل أن يتم إلغاء العبودية في هذه البلدان بداية في تونس سنة 1848 أي قبل الولايات المتحدة ولاحقاً في باقي البلاد المغاربية. ونتيجة لذلك حرمت مناطق الطوارق على غرار إقليم أزواد من التنمية رغم أن الثروات الطبيعية في مالي والنيجر تستخرج من أراضيهم الملحقة قسراً بهذه البلدان.

كما تعرضوا لعملية إبادة جماعية هدفت إلى تهجيرهم إلى دول الجوار على غرار موريتانيا والجزائر. فتعرضوا للقتل وسممت آبارهم وحتى سفنهم في تلك الصحراء المترامية من الجمال ـ باعتبارهم تجاراً من البدو الرحل تجوب قوافلهم الصحراء الشاسعة جيئة وذهاباً ـ تم استهدافها من خلال قيام الجيش المالي بتسميم الآبار التي يرتوون منها. كما قامت فرنسا بإجراء تجاربها النووية في صحرائهم ما أصابهم بأمراض غريبة لم يعرف مصدرها في حينها.
وقد حصل هذا وسط تعتيم إعلامي كبير وتجاهل من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لقضيتهم. ولعل الجهة الوحيدة التي اهتمت لأمر هذه القومية المضطهدة هي المؤتمر الدولي الأمازيغي الذي اعتبر قضية الطوارق قضيته الأولى، خاصة بعد أن ظهرت تنظيمات مسلحة طوارقية للدفاع عن الأرض والعرض والمال على غرار جيش تحرير أزواد الذي بات يطالب بدولة مستقلة لطوارق مالي تمهيداً لانفصال طوارق النيجر وانضمامهم لاحقاً بمعية أراضيهم الملحقة بالنيجر وربما طوارق الجزائر ولو أن الأمر مستبعد باعتبار أن هؤلاء جزء لا يتجزأ من التركيبة العرقية المغاربية.

السلاح الليبي

وبقي جيش تحرير أزواد يقاوم لعقود دون أن يتمكن من تحقيق أية نتيجة على أرض الواقع إلى أن تفجرت الأوضاع في ليبيا ولم تعد السلطة المركزية في طرابلس قادرة على ضبط الحدود فقام طوارق ليبيا بتهريب كميات ضخمة من السلاح الثقيل الليبي إلى أبناء جلدتهم في شمالي مالي أو أزواد ليتمكنوا من حسم الأمور مع الجيش المالي لصالحهم ما جعل الجيش في باماكو ينقلب على رئيس بلاده المنتخب توماني توري متهماً إياه بالتقصير في الحيلولة دون انفصال إقليم أزواد وانتصار المتمردين الطوارق.

دولة الطوارق في شمال مالي وحرب الصحراء المحتملة

كما أن انضمام جماعة أنصار الدين السلفية الجهادية إلى الطوارق وإن أساء إلى جيش تحرير أزواد وشوه قضيته العادلة فإنه كان من العوامل التي ساهمت في نجاح الأزواديين في تحرير أراضيهم والإعلان عن إنشاء دولتهم الوليدة التي لم تحظَ بعد باعتراف العالم وتخشاها دول الجوار وخصوصاً الجزائر التي تعتبر أكثر دولة مغاربية معنية بهذا الصراع الدائر في مالي وهي التي تم اختطاف ديبلوماسييها بعد سيطرة جماعة أنصار الدين على أهم مدن إقليم أزواد.

حرب محتملة


وتشير الأنباء القادمة من تلك الرقعة من القارة السمراء إلى أن دول جوار مالي غير المغاربية بصدد الاستعداد بقيادة فرنسالمعركة كبرى مع المتمردين الطوارق وجماعة أنصار الدين بهدف استعادة إقليم أزواد وضمه مجدداً إلى مالي والحيلولة دون نشوء دولة مغاربية جديدة في قلب الصحراء الكبرى وعاصمتها تمبكتو تكون منطلقاً لجمع الطوارق المشتتين في دول الجوار وتهدد نفوذ فرنسا ومصالحها في المنطقة وعلى رأس هذه المصالح استغلال البترول واليورانيوم بأسعار زهيدة مقارنة بأسعارها في الأسواق العالمية.

ويرى كثير من المحللين أن فرنسا لن تتراجع فيما يتعلق بالعملية العسكرية لأن الأمر يتعلق بمصالحها الحيوية وبيادقها من حكام إفريقيا جنوب الصحراء سيلهثون وراءها طائعين غير معترضين. أما الجزائر فإنها تبدو في موقف لا تحسد عليه لأن أمامها خياران أحلاهما مر. فمشاركتها أو مباركتها من دون مشاركة في أي عمل عسكري ضد طوارق مالي ستؤلب طوارق الجزائر على حكومة بلادهم ما سيهدد استقرار بلد المليون شهيد ووئامه المدني. كما أن سكوتها على نشوء دولة في أزواد سيشجع طوارق الجزائر أيضاً على المطالبة بدولة والانفصال عن السلطة المركزية في بلادهم. كما أن أزواد باتت مرتعاً لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي يهدد بدوره استقرار الجزائر. لذلك فإن الأمور على غاية من التعقيد باعتبار أن أية عملية عسكرية لا تحظى بتأييد الجزائر لا قيمة لها وهذه الأخيرة لم تحسم بعد موقفها بشأن الخيار العسكري وهي إلى الآن مترددة.
2012-10-16