ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تعرفون شيللي ياشيموفيش؟
لا بأس! إذ يكاد الإسرائيليون أنفسهم لا يعرفونها. هي، منذ عام اليوم، زعيمة حزب العمل الإسرائيلي، وقد فازت برئاسته بعد دحرها لعمير بيريتس. هل تعرفونه هو الآخر؟ رئيس الهستدروت (الاتحاد النقابي)، الذي صار يوماً رئيساً للحزب التاريخي، «باني إسرائيل»، والموصوف بـ«اليسار»، وصار أيضاً وزيراً للدفاع. وقد شاء سوء طالعه أن يَحدث ذلك عشية الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006، فيصبح الرجل أضحوكة الإسرائيليين (لو أمكنهم أن يضحكوا خلال تلك الحرب التي ديست فيها تماماً سمعتهم العسكرية)، إذ جابت العالم صورته أثناء مناورة، وهو يحدق بكل اجتهاد في منظار مغلق.
ولولا الانتخابات النيابية المقبلة التي جرى تقديم موعدها، لما كان كل ذلك يهم. فالوصول إلى «زعامة» هؤلاء مجرد علامات إضافية على الانحطاط الذي يصيب إسرائيل كمشروع نَهَضَ على تحقيق «التفوق»، دين الصهيونية، والشرط الحيوي لاستمرار الكيان المصطنع والعدواني. وكما مُرِّغت السمعة العسكرية لإسرائيل بالوحل، كذلك انهارت سائر مميزاتها: فساد وإثراء غير مشروع وتحالف مع مراكز المال. وهذه أطاحت بأولمرت، المحكوم جنائياً، ولكنها لطخت سمعة باراك ونتنياهو نفسه، ومن قبلهما شارون. إنه طغيان البنية النيوليبرالية المتصاحبة مع قيمها، في مكان ليس عادياً كما هي سائر البلدان. يتحسَّر الإسرائيليون على زمن بن غوريون ومائير ودايان وشامير وبيغن ورابين...، الذين عاشوا حياة متواضعة وماتوا شبه فقراء. فقد كانوا مدفوعين بتعلقهم بـ«المشروع»، الذي لم يكن توفير أمنه يتم بواسطة القوة العسكرية فحسب.
وكمثال شديد الدلالة، قامت منذ أسابيع حملة رسمية في إسرائيل وبين يهود العالم خصوصاً، لجمع التبرعات لـ«الناجين من المحرقة». هؤلاء الذين بُرِّرت «ضرورة» إسرائيل باسم عذاباتهم (ولو كان ذلك كذباً، ولكنه إيديولوجيا راسخة عالمياً، وحجة رسمية قوية). هؤلاء الذين بُني متحف «ياد فاشيم» الفخم للذاكرة من أجلهم، وكُرِّس كمحطة إلزامية في الرحلات المنظمة، كما لأي شخصية من العالم تزور «الدولة» (من الجميل اعتماد التمييز الذي ينطق به فلسطينيو 1948، حيث يقولون «الدولة» هكذا بالإطلاق، للإشارة إلى إسرائيل، ويحتفظون بلفظ «البلاد» لفلسطين!). وفي «ياد فاشيم» تجري طقوس مهيبة، تشبه في جديتها جدية بيريتس ذاك وهو يحدق في المنظار المغلق، إذ «الناجون من المحرقة»، والذين كانوا عشرات الآلاف في البداية، هم اليوم بضعة عجائز طاعنين في السن، يتضورون جوعاً بالمعنى الحرفي للكلمة. وهم أُهملوا تماماً سابقاً، ومنذ اللحظة الأولى لوصولهم إلى «محميتهم»، وجرت تخبئتهم، على عادة إسرائيل في صقل صورتها. ولكنهم يمثلون اليوم فضيحة بكل معنى الكلمة.
وفي مجال آخر، فضحت التظاهرات والاعتصامات التي جرت في قلب تل أبيب منذ عام، ثم عادت فتجددت، ولو بكثافة أقل، هذا الصيف، نهاية أسطورة «المجتمع المثالي الناهض»، والمساواتي، الى حد كبير بنظر الإسرائيليين وجزء هام من العالم. هنا ظهر الفارق بين «الكيبوتس» والمستعمرة، وظهر اتجاه إسرائيل الساحق للثانية على حساب الأولى التي أصبحت بقايا زائلة، الإشارة إليها مضجرة. لقد تغلبت النيوليبرالية هنا أيضاً وطرحت نتائجها، وهو ما يسميه الإسرائيليون بأدب يشبه أدب الأوروبيين المنافق، «أزمة اقتصادية واجتماعية». وهذه في الواقع ليست مجردة كما توحي بها التسمية، بل تمس ملايين الحيوات التي تجري التضحية بها، بلقمة عيشها وتعليمها وصحتها، لصالح نخبة جديدة مفترِسة.
وهذا صعيد أول لتفسير صعود نتنياهو المطلق، كزعيم يثق به الإسرائيليون في وقت عز فيه الزعماء، وينوون التصويت لمصلحته في الانتخابات المقبلة التي تجري على أساس النسبية بعد ثلاثة أشهر، كما تُبين ذلك كافة استطلاعات الرأي. فبرغم ما لحق به من تساؤلات وتحقيقات عن فساد، يبدو الرجل «متماسك الشخصية والخطاب»، «خبير وكفء وعنيد»، يتحدى حتى رؤساء الولايات المتحدة. «كاريزمي» على ما يرون ويحتاجون. والخيار بينه وبين ياشيموفيش محسوم سلفاً لمصلحته. بل تشير التقديرات إلى احتمال فوز «العمل» بثمانية مقاعد فحسب، مقابل 29 مقعداً لليكود وحدها، من أصل 120 مقعداً في الكنيست. ونتنياهو كذلك متفوق بالنظر الى تسيبي ليفني التي لم تنجح في تقمص شخصية غولدا مائير كما اشتهت، ولم تتمكن من عقد تحالفات تؤهلها للحكم حين فاز حزبها، «كديما»، بأغلبية نيابية تتفوق قليلا على «ليكود» في الانتخابات الفائتة عام 2009. بل نتنياهو مفضل لديهم لو وقعت الواقعة بينه وبين ايهود باراك الذي يُنظر إليه كمتذبذب متقافز، يركض وراء مصالحه وبروزه الشخصي.
ها قد قمنا بجولة على سياسيي إسرائيل الحاليين. ومعنى ذلك أنه، علاوة على الفساد الضارب أطنابه، هناك التفاهة. وهذه لا حل قضائياً لها، ولا تنفع معها الدعوات والنيات، ولا أي خطط. وهي أصبحت سمة فاقعة، مدمِّرة في طريقها سمعة أخرى لإسرائيل وللصهيونية كتجسيد مكثف للمثقفين الموسوعيين ولما يقال له «الذكاء والموهبة». وتلك، بقدر ما كانت تصح، ارتبطت بشروط الحياة في الغيتوات الأوروبية، وبالحاجة إلى إثبات الذات لدى أقليات مضطهدة. واختفاؤها من إسرائيل واحد من الأدلة على وصول المشروع الإسرائيلي إلى نهايته، وهو مشروع عمره لحظة في عرف التاريخ. وتعبير تلك النهاية الأكثر شعبية هي الحاجة لاستقدام «يهود» روس، يعرف تماما الإسرائيليون أن أغلبيتهم الساحقة من الارثوذوكس، وأنهم ليسوا يهوداً، وأنهم يبحثون عن فرص لحياة أفضل، ومن اجل ذلك يمكن أن يقوموا بأي شيء، من الفظاعات المجانية ضد الفلسطينيين (علاوة على الفظاعات الممنهجة التي تخطط لها وتنفذها المؤسسة الإسرائيلية نفسها)، إلى السرقات من داخل مخازن الجيش. وأنه رغم كل الدعايات الترهيبية من جهة، والمناشدات من جهة أخرى، يرفض يهود أوروبا وأميركا الهجرة إلى إسرائيل، بل إن معظم من يقيم فيها يسعى لاستعادة جنسيته الأصلية وتدبر موطئ قدم له خارجها، تحوطاً، واتباعاً لمنطق «إذا دعت الحاجة».
ولكن لماذا قرر نتنياهو تقديم موعد الانتخابات؟ هذه ببساطة واحدة أخرى من علامات التفاهة. رسمياً، يريد الرجل إقرار ميزانية 2013 التي يعجز عن تمريرها وفق التكتلات الحالية للبرلمان...فيحل الأخير. قد يقال هذا استفتاء شعبي على ميزانيته التي تشمل «تقشفاً» قاسياً، بحسب التعبير الشائع (المنافق أو المهذب كما تشاءون). وهي في حقيقتها اختزالات كبيرة في البنود الاجتماعية، أي مجدداً وكما في كل مكان، تحميل الفقراء ومتوسطي الحال كلفة الأزمة. ونتنياهو، خارج الحجة الرسمية، يريد توفير نسبة برلمانية مريحة له تسمح بتجديد عودته إثر تحالفات متاحة، قبل استلام باراك أوباما لمنصبه، لو أعيد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة. والرجلان مفترقان في النظر إلى الأمور ومتباغضان. وركيزة نتنياهو الرئيسية في إسرائيل، الملياردير شلدون أدلسون، صاحب الأعمال والكازينوهات، هو في الوقت نفسه ركيزة ميت رومني التمويلية الأساسية، وهو من دعاه إلى إسرائيل حين زارها في مطلع حملته. وأخيراً، فنتنياهو، الذي اعتاش على التلويح بخطر إيران النووي والإيحاء بنيته ضربها، أجَّل المواعيد ثم انتهى إلى تعيين الربيع أو الصيف المقبلين، بينما الانتخابات كانت مقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2013. وتقديم موعدها يتيح له تجنب المحاسبة على البهورة. فمن المعلوم أن نياته الحربية، مهما عظمت، تبقى تحت السيطرة الأميركية. والأمر على كل حال في علم الغيب، ورهن اعتبارات إجمالية وكونية متشابكة. في كل ذلك المسألة الفلسطينية غائبة؟ صحيح... إلى حين!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018