ارشيف من :أخبار لبنانية

لماذا استعجلت «14 آذار» جباية ثمن سريع لاغتيال الحسن؟

لماذا استعجلت «14 آذار» جباية ثمن سريع لاغتيال الحسن؟
نبيل هيثم ـ "السفير"

على عكس ما اشتهت رياح «14 آذار» سارت سفنها، وقذفها الاستعجال السياسي بعيداً عن الشاطئ الذي ارادت ان تبلغه وترسو فيه.
استراح المحارب الشجاع اللواء وسام الحسن، الى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما عرف أن البعض يريد أن يستثمر بأي ثمن من أجل منصب قريب أو بعيد.

حاول الغلاة اقتحام السرايا الكبيرة، وانتهى الأمر، دعوات متتالية من سعد الحريري وفؤاد السنيورة الى مغادرة الشارع ورفض محاولات اقتحام السرايا، لا بل ذهب الحريري أبعد من ذلك، عندما طلب من حراس «بيت الوسط» ان يدافعوا عن السرايا في مواجهة جحافل «الطامحين» ولو كان الثمن هدر دماء شبان وشابات متحمّسين.

استراح وسام الحسن، وها هي جميع الأطراف تلتقط أنفاسها، فـ«حزب الله» اعتبر أن «14 آذار» تمر في لحظة انفعاليّة، والسوريون رأوا في الاتهام المباشر للرئيس بشار الأسد نوعاً من «الكوميديا السوداء»، واما نجيب ميقاتي الذي «خوّفوه بالطائفة ووزر الدم» فخيّب امل «14 آذار» و«تيار المستقبل» تحديداً، وقرر عدم ترك البلد للفراغ الذي سيرتد أول ما يرتد على جمهور طائفته الخائف والمستهدف أكثر من أي وقت مضى.
ها هي محاولة تكرار تجربة الـ2005 مع الرئيس عمر كرامي والخطاب الشهير للنائبة بهية الحريري في مجلس النواب تفشل، وها هو نجيب ميقاتي يستمرّ ولو أنه دخل في ما يشبه الاعتكاف حتى إشعار آخر.

ومن حيث لم تحتسب «14 آذار»، تمسك المجتمع الدولي بنجيب ميقاتي وحكومته، وهكذا بدت سلة العناوين الاستثمارية نتاجاً طبيعياً لأداء ارتجالي على قاعدة «انا الغريق.. فما خوفي من البلل» والتي تسعى من خلالها الى قلب الوقائع وإعادة إطلاق قيامتها شعبياً، وان لم تستطع ذلك فعلى الاقل اغراق الآخرين معها وبالتالي انقلاب الهيكل على رؤوس الجميع، ولقد كان واضحاً قول أكثر من قيادي في «14 آذار»، أمس، إن الفراغ «افضل من بقاء الحكومة» رداً على مواقف السفراء الغربيين الذين نادوا ببقاء الحكومة.

تدرك «قوى 14 آذار»، وتحديداً «تيار المستقبل»، ان استقالة ميقاتي إن حصلت معناها دخول البلد في فراغ حكومي يستحيل تفاديه بأي من الصيغ، كما تدرك انه حتى إشعار آخر ليس في نادي المرشحين لرئاسة الحكومة بديل لنجيب ميقاتي، وتدرك أيضاً ان أي طرف داخلي لا يملك القدرة على الإخلال بموازين القوى الحالية وفرض عودة «14 آذار» الى السلطة.

وتدرك المعارضة، أن إعادة قبضتها على الأكثرية لن تكون ممكنة من دون وليد جنبلاط، فيما الأخير يرفض الدخول في شراكة العبوات الناسفة التي تهدد بتفجير الاستقرار الداخلي، ولذلك، تعمّد أن يقطع الطريق باكراً على أية محاولات من هذا النوع عندما اكد انه حتى ولو استقال نجيب ميقاتي فلن يسمّي أحداً إلا نجيب ميقاتي، ما يعني أنه لن يكسر التوازن لمصلحة طرف على آخر، خاصة أن الفراغ هو سلاح قتل جماعي، والخشية الكبرى من ان يتحول الفراغ الحكومي إن حصل، الى مفتاح دخول البلد الى فراغ أكبر، سياسي، اقتصادي، مالي، امني، كما أن ضغط الوقائع السورية على لبنان يمكن ان يحوّل الفراغ الى نوع من «الدومينو»، مقدمة الى فوضى لا بل انهيار شامل.

واذا كانت قوى 14 آذار قد اصطدمت بالرفض الدولي للمنحى التصعيدي الذي انتهجته ضد ميقاتي، وبما يهدد الاستقرار الداخلي، فإن ثمة من يلفت الى الموقف السعودي الذي أورده مصدر سعودي مسؤول، الذي انطوى على حرص على «امن لبنان الشقيق واستقراره»، وفي ذلك اشارة إلى رفض ما يخلّ بهذا الاستقرار. سواء باستقالة ميقاتي او اي اجراء آخر. وهنا يسجل البعض ملاحظة أن 14 آذار تبنت في بياناتها في اليومين الماضيين الدعوة الى اسقاط نجيب ميقاتي وحكومته، فيما خلا بيان سعد الحريري الذي أذاعه من السعودية من اية اشارة الى هذا الامر لا من قريب ولا من بعيد، وهذا قد يعد دلالة واضحة حول الموقف السعودي.
ترفض «14 آذار» مضبطة الاتهام، وترى انه ليس من المنصف إسقاط صفة الاستعجال على أدائها الذي اعقب اغتيال الحسن، ولا توافق على وصف مقاربتها للجريمة بأنها انطوت على بعد استثماري وحسابات انتخابية، بل انها شعرت مع اغتيال الحسن وكأنها فقدت الرئة التي تتنفس منها والعين التي ترى فيها.

ومن هنا كان لا بد للمعارضة أن تسارع، حسب قيادي في «14 آذار»، بعدما شعرت ان التوازن قد اختل، فاغتيال العميد وسام الحسن يعني أن سياسة النأي بالنفس قد سقطت ودخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية جديدة، تهدد بالمزيد من الانزلاق الأمني وحالة عدم الاستقرار، أي انه مع الاغتيال أصبح البلد مكشوفاً على كل الاحتمالات. أمام هذا الواقع لم تجد «قوى 14 آذار» إلا أن تسلك الطريق الآتي:

أولاً، ان تطلب الحماية، خاصة بعدما أزيح وسام الحسن، وما كان يشكله من صمام أمان لفريق سياسي لا بل للبلد بأسره.
ثانياً، سقوط الحسن يعني أن الحكومة لا تتمتع بالمواصفات المطلوبة التي تمكنها من حماية البلد وإدارته وبالتالي عليها أن ترحل.
ثالثاً، لقد قمنا بربط نزاع مع «حزب الله»، فلم تذهب «14 آذار» في اتجاه اتهامه باغتيال الحسن، بل اكتفت بتبني ما قاله وليد جنبلاط وسعد الحريري باتهام النظام السوري، اي المواجهة مع النظام السوري»، وربط النزاع هذا معناه وضع «حزب الله»، أمام اختبار نيات بدعوته الى تسليم المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعدم التسليم معناه انه يحق لنا في مرحلة ثانية ان نقول لـ«حزب الله» انك لم تشارك فقط في قتل رفيق الحريري بل أنت مشارك أيضاً في اغتيال وسام الحسن.

رابعاً، طلب الحماية الدولية، عبر المطالبة بتمديد القرار 1701 الى الحدود اللبنانية السورية الشرقية والشمالية، والدافع الى ذلك هو ايجاد حد ادنى من التوازن الامني خاصة انه بعد اغتيال وسام الحسن لم يعد التوازن قائماً، واما هذا الواقع لا تستطيع 14 آذار الا ان تطلب توسيع مهام القرار 1701 ووضع الحدود تحت مسؤولية المجتمع الدولي بصورة مشتركة مع الدولة اللبنانية.

راهنت «قوى 14 آذار» على حشد مليوني، بالأمس، لقلب موازين القوى وطالما أن النتائج جاءت مخيّبة للآمال، فإنها تحتاج بدءاً من اليوم الى أكثر من مراجعة.

2012-10-22