ارشيف من :أخبار لبنانية
غزوة السرايا: «يلا يا شباب وصبايا»
ركضوا باتجاه السرايا الحكومية في رياض الصلح. أرادوا إسقاط رئيس الوزراء نجيب ميقاتي. مزقوا أعلام أحزابهم. استخدموا العصي التي كانوا يمسكونها لضرب عناصر القوى السيارة. وفي المناسبة عناصر حرس السرايا هم بغالبيتهم العظمى من مؤيدي الرئيس سعد الحريري. لكن ذلك لا يهمّ. لم يفكر المعتصمون في أن من تعرّض لهجومهم وللضرب بالعصي والحجارة هم أكثر من يفتقدون الشهيد وسام الحسن، لأنه، ببساطة، ابن مؤسستهم، وأحد الذين أشرفوا عليهم. كل هذه الاعتبارات لم تهم هؤلاء. فالأهم بالنسبة إليهم كان إسقاط نجيب ميقاتي. وصلوا أمام السرايا. رموا عصيّهم في وجه رجال الأمن. تصيب إحداها فم ملازم في القوى السيّارة. يمسح الرجل دماءه بياقة بذلته. يحاول أن يفصل بين رجاله والمعتصمين. لكنه لا ينجح. يزداد عدد المتحمسين. تنسحب القوى الأمنية من المكان. لم يكن المعتصمون يفكرون للحظة في التوجه إلى هناك. لكن هتاف نديم قطيش «يا شباب ويا صبايا يلا يلا ع السرايا» هو ما حمّسهم. بعد صراخه بقي قطيش، في جامع محمد الأمين. كأنه لم يلحظ أنه من فئة «الشباب»، وعليه أيضاً أن يكون معهم، عندما كانت القوى الأمنية تطلق قنابل الغاز المسيّل للدموع عليهم.
في ساحة رياض الصلح حصد السياسيون ما جنته أيديهم. فعلى مدى ثلاث ساعات كانت التعبئة ضد ميقاتي كافية ليقدم أحدهم على تفجير نفسه من شدة الحماسة. حقد رجال السياسة أفرغه المعتصمون ضد أبناء قوى الأمن الداخلي. فاخترق المحتجّون «خط الدفاع الأول» أمام السرايا، واجتازوا الثاني، لكنهم توقفوا أمام الثالث. في هذه اللحظة كانت التكبيرات تملأ فضاء رياض الصلح. «ثوار سوريون» كانوا هنا أيضاً. أرادوا إسقاط «الشبّيح ميقاتي»، كما يقول أحدهم. مع انسحاب القوى الأمنية وتراجعها إلى باب السرايا، صرخ «ثائر» آخر: «هيدول رجال الأسد». نداء يزيد من هيجان الجمهور. حطموا الأكشاك الموجودة. حاولوا تكسير إحدى سيارات الدرك، ثم «طنشوها». الطريق أصبحت مفتوحة أمامهم إلى السرايا. يرتفع منسوب الغضب. تطلق القوى الأمنية القنابل المسيلة للدموع. لكن ذلك لم ينفع أيضاً، إذ إن عناصر حماية السرايا هم أول من تأثر بها، خصوصاً بعدما ردّ المتظاهرون بإلقاء العبوات عليهم مجدداً. اعتقد أنصار القوات والمستقبل والكتائب والأحرار و«الثورة السورية» أن ساحة رياض الصلح ميدان تحرير، فهتفوا: «الشعب يريد إسقاط نجيب».
بين الكر والفر، والهرب من دخان القنابل المسيلة للدموع، يطلق رجال الأمن العنان لبنادقهم، إذ أصبح المعتصمون قرب السرايا. يزغرد الرصاص في فضاء رياض الصلح لفترة طويلة. يركض الجميع للاحتماء. استغلّ شاب يرتدي «جيليه» كتبت عليها عبارة «شعبة المعلومات» حالة الهرج والمرج، ليطلق «رشق» رصاص فوق السرايا. اتّخذ «المندس» من مبنى العويني ملجأً له. أفرغ ذخيرة بندقيته وهرب باتجاه «الإسكوا». الزملاء المصوّرون رصدوه. لكنهم تأخروا عن تصويره. أعين الاستخبارات رصدته أيضاً، لكنها لم تستطع التعرف إلى ملامح وجهه، فسألوا المصوّرين إن كانوا قد صوّروه. الإجابة: «ما لحّقنا». فيطلب منهم في حال رؤيته مجدداً إخبارهم عنه.
تهدأ الأمور نسبياً. الدخان «هلك» الجميع وغطّاهم. اختفت أشعة الشمس جراء كثافة الدخان. احمرّت أعين بعض الحاضرين، بينما غاب كثر عن الوعي. لحظات، وتحضر سيارات الدفاع المدني. يقصدها الحضور طلباً للماء قبل الإسعاف. يسقط جريح إصابته في يده. رؤية اللون الأحمر السائل من يده تزيد غضب الحضور. يركضون باتجاه السرايا مجدداً. لكن هذه المرة، الجيش هنا. يهرب الجميع. «إجى الجيش، ما في مزح مع الجيش» يقول أحدهم. رؤية عناصر المغاوير أرعبت الحضور، خصوصاً أولئك المقنّعين منهم. مشهد أجبر الراكضين باتجاه السرايا أن يتوقفوا. رموا العصي من أيديهم. جلسوا على الأرض. «الجيش والشعب إيد واحدة». مهلاً، لستم في القاهرة، هنا بيروت.
هكذا، بينما كان الجميع يسرح ويمرح في رياض الصلح، تحدث رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري عبر الهاتف، مطالباً أنصاره بالانسحاب من الشارع. بالطبع لم يسمع أحد ما قاله الحريري، إذ لم تكن هناك تلفزيونات لتنقل الخبر إليهم. حضر النائب السابق الياس عطا الله لينقل الخبر إليهم، وليطلب منهم الهدوء وعدم الصدام مع الجيش. يقنع كلامه الموجودين، ويقررون نقل خيامهم إلى وسط الطريق.
يهبط الليل. ينسحب أغلب الموجودين من الساحة. يخرج مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني. يكرر ما كان قاله سابقاً عندما اعتصمت قوى 8 آذار قرب السرايا. بالنسبة إليه، إسقاط الحكومة «في الشارع مرفوض، وواهم من يسعى لذلك». الحديث لم يعجب بعض شبان طريق الجديدة. أرادوا التوجه الى منزل المفتي، لكن الجيش كان هناك أيضاً. كذلك رفض مفتي الشمال مالك الشعار إسقاط الحكومة في الشارع، قائلاً إن «السرايا وممتلكات الناس والأمن خطوط حمراء»، فيما حمّل المكتب الإعلامي لرئاسة مجلس الوزارء «الجهات التي حرّضت، بالشعارات والممارسات والمواقف التي أطلقت، مسؤولية محاولة اقتحام السراي الكبير وما نتج منه من تداعيات».
نام نديم قطيش بين يدي مستشارته ــــ زوجته، بينما نام كل من مازن ومجد من دون والدهما.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018