ارشيف من :أخبار لبنانية

بعد الحريري الاب: المستقبل "مشرّد" وبعيد عن الثوابت

بعد الحريري الاب: المستقبل "مشرّد" وبعيد عن الثوابت
لم ينتظر مناصرو ومسلّحو حزب المستقبل دفن اللواء وسام الحسن ومرافقه حتى يثأروا لخروج زعيمهم من السلطة منذ أكثر من سنة. هم وجدوا في اغتيال رئيس فرع المعلومات فرصة لتنفيذ إنقلابهم على حكومة نجيب ميقاتي في الشارع تحت شعار "الطلاق حتى العدالة" مهما كلّف الثمن،"فلا عودة الى الوراء" يقولون.

خلافا لما سعى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى رسمه طيلة سنواته السياسية، تتعدّد صورة التيار الازرق اليوم بين قطع طرقات وبين انتشار ميليشيات مسلّحة في أحياء بيروت وطرابلس مرورا بالاعتداء على المواطنين وترويعهم ممارسةً لسياسة تطهير المناطق من المعارضين لخطّه، والتهوّر الاعلامي غير المسبوق، وصولا الى تشتّت القيادة وعدم توحّدها واللجوء الى التعبئة التحريضية للمناصرين والتورّط في أزمات الجوار، هذا الى جانب التفريط بإرث الاب المؤسساتي والاقتصادي.

بعد الحريري الاب: المستقبل "مشرّد" وبعيد عن الثوابت
تبدّلت ملامح التيار عن أيام زمان. خرج تماما عمّا جهد الحريري الاب في تقديمه سابقا، هذا ما يلمسه رفيقه "العتيق" الوزير السابق محسن دلول الذي يتحسّر على عهد الرئيس الراحل وينتقد "تواجد شباب جدد في التيار لا يملكون الخبرة والتجربة اللازمة"، ليس هذا فقط بل يأسف لأنهم "يضيّعون إرث الشهيد الكبير".

عصر الحريري الذهبي ولّى


يستذكر دلول "عصر الامان" الذي شهده لبنان في التسعينات حين توّلى الحريري الاب مسؤولية البلاد، آنذاك ركّز على الاستقرار الأمني والاقتصادي في آنٍ معا كضرورة لتحقيق الاستقرار على مستوى البلد. وزير الدفاع السابق يستشهد للتدليل على ذلك بكلام للرئيس الحريري في إحدى جلسات الحكومة الذي ربط فيه بين الثبات في الاقتصاد وبين الامن لانتشال لبنان من المخاطر التي تحدق به، و"للغاية فتح حوارا مع أكثر من جهة عسكرية محلية".

يتقاطع كلام دلول مع ما يؤكده الكاتب السياسي غسان جواد حول أن "تيار المستقبل لا يشبه إطلاقا ما كان يودّ الرئيس الحريري إرساءه في السياسة"، ويقول إن "الشهيد أراد إنشاء تيار وطني متعلّم ومتعدد الطوائف والمذاهب ليعكس صورة ثقافية وإيجابية عن لبنان، لكن مع وصول سعد الحريري الى رئاسة التيار وبعض الحاشية معه، تحوّل "المستقبل" الى حزب مذهبي يحاول اللعب على الغرائز الطائفية وتفعليها من أجل تنفيذ مشروع مختلف تماما عن مشروع الحريري الاب الذي كان ينشد الاستقرار". مشروع المستقبل اليوم يهدف الى الفتنة ونشر الفوضى وهو ما يتناقض مع فلسفة الاقتصاد والإعمار والبناء التي عمل عليها مطوّلا الرئيس الحريري، بحسب جواد.

الصورة "الغنية" التي طبعها مؤسس التيار الازرق "كانت تنطلق من طموحه الساعي دوما لاستدراج المشاريع التنموية التي تلفته في الخارج الى لبنان لتأمين استفادة الوطن منها كحلبة سباق السيارات في عهد الرئيس العماد إميل لحود مثلا"، يوضح دلول الذي يتحدّث عن أن "الرئيس الراحل عمل في الوقت نفسه على تمثيل المقاومة في مقاعد بيروت النيابية".

ويتشارك جواد مع دلول في الاشارة الى ما كانت المقاومة تعني للحريري الاب، اذ يلفت الى أن "مشروع الاعمار الذي قاده منذ العام 1992 وحتى العام 2002 حصل ونجح ونهض في ظلّ حركة التحرير والمقاومة، لذا الزعم بأن هناك تناقض بين النهوض الاقتصادي والمقاومة لا يعكس حقيقة الواقع".


 للتشديد على أهمية الابتعاد عن الفتن المذهبية،
 يستذكر دلول الانصهار الشيعي السني
 الذي حصل قبل معارك 1943
 لمقارعة الانتداب الفرنسي، ويعدّد
 محطّات من تاريخ لبنان
شهدت تضامنا مماثلا "كالانقلاب الأبيض
 وأحداث أعوام الـ 1950 و1952 وحتى 1975
عندما اشتُهرت عبارة
 لأحد العسكريين من آل بستاني وجهها الى
 رئيس الجمهورية الأسبق سليمان
فرنجية يقول فيها "إنها مطالب سنية بصوت درزي وبمناضلين
 وبمقاتلين شيعة""



للحريري الأب مقولات أخرى تشير الى ثوابته في السياسة تتمحور حول أهمية التعقل والرويّة والحكمة في اتخاذ القرارات المتعلّقة بالوطن ومحاورة الخصم لا تجاهله أو مقاطعته ومدّ العون الى الجميع. ولعلّ أبرز ما كان يكرّره على لسانه قوله المشهور "ما حدا أكبر من بلدو"، وهو لطالما ردّد حديث أحبّه للامام علي (ع) حين جاء إليه أعرابي وقال له "أنت أعظم من وُلد على وجه الارض"، فردّ (ع) "إسمع يا هذا أنا أصغر مما تكون وأكبر مما في نفسك".

التطرف لغة المستقبل اليوم

اليوم، يُلاحظ دلول أن "التطرف هو السائد في مسيرة المستقبل ولاسيّما عندما دُعي مناصريه الى مهاجمة السراي قبل يومين"، ويتابع "هذا يشكّل فجيعة في لبنان وإساءة للقائمين أنفسهم على تشييع اللواء وسام الحسن".

يفصل دلول بين "التشييع الحضاري الذي أقامته المديرية العامة لقوى الامن الداخلي للواء الحسن الذي يليق بالشهيد وبين ما حصل في وسط بيروت حيث تُرك الجثمان قبل أن يوارى الثرى وذلك لاقتحام السراي". هنا يحذّر "مما يتعرّض له السلم الأهلي"، اذ يعتبر أنه "في خطر" لأن "هناك في البلد من يريد اندلاع حرب مذهبية بين الشيعة والسنة ويعمل من أجل ذلك ليلا نهارا كما أنه يرى في ذلك فرصة لإعادة النظر في التركيبة اللبنانية".

أمام ما يجري اليوم، يعتقد دلول أن "المطلوب من قيادات المستقبل اختيار ممثليها في كافة المستويات الحزبية والسياسية والنيابية بعناية تامة، لأنها في الآونة الاخيرة حرصت على الإتيان بشباب لا يملكون حكمة ووعي الشيوخ القدامى ولو استعانت بشخصيات كبهيج طبارة لم يكن ليصل تيار المستقبل الى ما هو عليه في هذه الساعة".
بعد الحريري الاب: المستقبل "مشرّد" وبعيد عن الثوابت
من هنا، يرى جواد أن "ما حصل خلال الايام الماضية من انتشار مسلّح عشوائي في أكثر من منطقة وقطع طرقات رئيسية ومحاولة اقتحام للسراي الكبير كان توزيعا لأدوار في حزب المستقبل ولاسيّما لناحية وجود خطابين مختلفين في الوقت نفسه لدى قيادته ،الاوّل معتدل والثاني متطرف".

الحال التي وصل إليها التيار الازرق، تتجلّى أكثر من خلال فقدان سعد الحريري قدرته على الإمساك بمناصريه في الشارع وخاصة النخب وهو بات يراعي المتفلّتين أكثر رغم أنه يخرج بخطاب يصرّ على إظهاره معتدلا في كلامه حول أهمية نبذ الفتنة والعنف، وفق الكاتب السياسي جواد.

بأسى يترحّم دلول على صديقه "رفيق" وعلى ماضيه، ويقرّ بـ"أننا غير محظوظين أبدا بما نراه على الساحة الداخلية".



فوضى "الازرق" وفقدان الوعي

هذه الساحة ليست فقط غير محظوظة. لقد دخلت عقب اغتيال الحسن في مرحلة حرجة وحساسة، أحد الأسباب هو الازمة التي يمرّ بها تيار المستقبل. عُرف عن الحريري الاب تقديره بميزان من ذهب للتطورات والمؤشرات الدولية والاقليمية . الحريري الابن اليوم عجز عن قراءة الدعم الدولي غير المسبوق الذي تلّقته مؤخرا حكومة ميقاتي والذي لم تحظى به حكومة فؤاد السنيورة عام 2007 طيلة مدة اعتصام المعارضة السابقة، كما يُفهم من كلام مستشار رئيس الحكومة خلدون الشريف. حتى الصورة المعبّرة لسفراء الدول الكبرى الخمسة في القصر الجمهوري لم يُحسن تلقّفها سعد الحريري والمحيطين به.

وصل الامر الى حدّ تبني "التيار" مشروعا يهدف الى خلق فتن متنقلة وصراعات بين الناس، وفق ما يوضح الشريف. اذا حزب رفيق الحريري يستهدف هيبة الدولة والامن والحكومة اليوم ، ويتعرّض للمؤسسات ويقطع الطرقات، ويحرق أعصاب الناس ويضرب السلم الاهلي. ومن كان عرّابا لاتفاق الطائف الذي جمع المتقاتلين على طاولة واحدة وساهم في وضع تسوية تاريخية بينهم، أتى يوم قاطع فيه وريثه السياسي طاولة حوار يحتاجها الوطن، وعملا نيابيا ضروريا لاستمرار الحد الادنى من الممارسة السياسية والديمقراطية.


وعليه، لم يعد لبنان "قطعة سماء" بفعل أداء المستقبل، بل أضحى لعبة الكترونية يحطّمها لاعبها عند عجزه عن التحكم بإحدى بمراحلها. ليس هذا التشبيه نابع من انتقاد فارغ بل لأن واقع التيار اليوم بعيون البيروتيين يُختصر بالتندّر على حقبة الاب قائلين "يبدو أن اللي خلّف مات وزمن الاب لن يعود".

لطيفة الحسيني
2012-10-24