ارشيف من :أخبار لبنانية

«لا تحلموا بالعيد»


«لا تحلموا بالعيد»
   
نهلة الشهال - صحيفة "السفير"

هذا ما قاله بيان «دولة العراق الإسلامية»، وهو اسم تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين، مرفقاً القول بالفعل، إذ توزعت التفجيرات على كل العراق في أيام العيد، وحصدت أكثر من 40 قتيلاً، قسم كبير منهم من الأطفال. ومن نافل القول إن مئات الجرحى يصاحبون ذلك العدد من القتلى. ومن يرى مشاهد الأحياء والشوارع في بغداد وسواها، يخال العراق مجاهل خربة. ومن يرى العراقيين يلملمون جراحهم، يخال أنهم قوم يعيشون في الكهوف من فرط بؤسهم، البادي على ملبسهم ومحياهم... لولا تلك الثلة من السياسيين المتنعمين بعائدات السلطة، والذين يصبغ معظمهم شعر رأسه وشاربيه علامة شباب دائم، أو يتزين بربطات عنق ضخمة وفاقعة الألوان، لزوم الأناقة وإظهار يسر الحال، وبالحلي في الأصابع و/ أو السبحة، لزوم التقوى.

وكان قد أعلن شهر أيلول/سبتمبر الفائت، الشهر الأكثر دموية في العراق منذ عامين: 365 قتيلاً. ضعف عدد قتلى شهر آب/أغسطس الذي سبقه.

 وتفاخرت «القاعدة» بأنها حشدت جهودها في العيد لتضغط على حكومة المالكي، واستخدمت، كما هو شائع، موضوع النساء المثير للحساسية، فأعلنت أنهن يوقفن من قبل الحكومة بدلا عن ضائع، أزواجهن أو إخوتهن، حتى يسلم هؤلاء أنفسهم. والمالكي كفيل بممارسة كهذه بل بأكثر منها. ولكن يصعب إدراك الصلة بين ذلك وبين أطفال يلهون في ساحة العيد فيُقتلون. اللهم إلا باعتماد منطق الثأر القبَلي الذي كان بالمناسبة أرقى حالاً بكثير، إذ لا يطال النساء والأطفال من القبيلة المقابلة، ويسعى قدر الإمكان للثأر من أصحاب الشأن أنفسهم أو من أقرب الحلقات إليهم، أو من الأوجَه من بينهم. ويصعب كذلك فهم الصلة بين الموضوع والقتل الذي يطال أفراداً من طائفة «الشبَك»، وهي واحدة من مئات مكونات العراق الذي تتمدد طوائفه الحاضرة على مساحة تبدأ من النبي إبراهيم، حتى احدث تشكيلات وفرق الإسلام. وهي تختلط أحياناً بانتماءات اثنية أو عشائرية/جهوية متشابكة. فما ذنب «الشبَك» المساكين لكي يقتل منهم حتى الآن حوالي الألف، بينما هم بضعة آلاف، سوى أن هناك من يريد تسوية أي نتوء وإسدال غطاء من «الانسجام» (القسري والتعسفي بالضرورة) على المجتمع، علاوة على حسابات وظيفية محددة هنا وهناك، للإخضاع أو الاستمالة أو التهجير.

ويكاد أمر تفجيرات العراق المستمرة، ومنها تلك التي أدمت العيد، يمر على شبكات الإعلام مرور الكرام. تخبِّر عنه كما تنشر إعلانا لمساحيق غسيل، بموضوعية وتجرد. فالعراق اليوم لم يعد نجم الموقف، ولا تجد على مواقع الانترنت إلا النزر اليسير مما يخصه، وتعود بك الصفحة الأولى نفسها إلى تواريخ قديمة، ترجع إلى سنة أو أكثر، كعلامة على قلة المتابعة وضعف الاهتمام. ووحدها منظمات متخصصة، كـ«اليونيسيف» أو «عدَّاد الجثث» تستمر بنشر تقاريرها الموجهة للمختصين. بينما يترك أهله يتدبرون أمورهم بأنفسهم، وقد انتزعت من يدهم الحيلة بمواجهة نظام مبني على آليات استبداد ومراوغة في آن (وهما متكاملان)، فتخرج أحياناً مظاهرة من السكان في البصرة تطالب بالكهرباء وسائر الخدمات الدنيا المفتقدة، وأخرى من فلاحين في كربلاء تعترض على استلاب أراضيهم لإقامة مطار محلي...ولكن ذلك يعجز عن وقف الخراب، بما فيه ذلك المباشر، إلا لماماً، وعن الوقوع على معادلة الخلاص منه.

العراق غارق في دمائه. وهو ينزف منذ أكثر من ثلاثة عقود كما هو معلوم، حيث تنوعت الحروب التي تخصه، ولم تترك احتمالاً أو صيغة من شرِّها. وهو يفسر، وقد «يبرر» مقدار الخراب المتحكم به. فقد أزيلت مؤسسات الدولة كافة، المدنية والعسكرية، بسبب منهج سلطة صدام حسين العاملة على تحقيق تماهيها معها حد التطابق، وبسبب استهداف أميركي متعمَّد سعى لتحويل العراق إلى أرض خلاء لتسهيل السيطرة عليه، يوم كان يحلم بجعله قاعدته الكبرى في المنطقة، وبسبب ثأر إيراني منه، يعود إلى حرب الثمانينيات المديدة والفظيعة، ويستند إلى صراع تاريخي عمره آلاف السنين، يُخفَّف منه عادة بالإشارة إلى أنه من نوع صراع «الإخوة الأعداء». وهو راح يمارس بفعالية رغبته بالتحجيم تحوطاً من المستقبل، وانتقاماً من الماضي... معاً. وعلى أية حال، ومهما كانت نسب كل من هذه العوامل، ونظام تراتبها، فالمحصلة واحدة.

هناك اليوم إقرار إجماعي بدرجة سوء حال العراق. وهناك إقرار واضح، لعله بات أغلبياً، بأن ما يقال له «العملية السياسية» فشلت في وضع البلد على سكة التعافي، بل هي ولَّدت الآفات أو عززتها، من مثل الفساد العام، والنهب الذي وصل إلى حدود كاريكاتورية، واسْتعار الاستقطابات الطائفية، واعتماد مطلق على المحسوبية الشخصية، والقبول بعدم الكفاءة، والشلل التام، والارتجال في الخطوات، والقمع والعسف. ويسود كل ذلك على خلفية ديموقراطيةٍ شكلية تدير هذا الوضع، وتفتقد إلى عنصر التوافق الوطني، أو قيام عقد اجتماعي جديد بين أبناء البلد، يحدد التصور المشترك له، الطموحات والآفاق، ولو بحدودها التسووية الدنيا. فلا يوجد بلد في العالم بلا «عقيدة» عن نفسه: ها بوتين يستعيد خلطة من العظمة السوفياتية والإيمان الأرثوذوكسي والجذور القيصرية، بديلا عن تلك الشيوعية. وها الأميركان يُقْسمون جميعاً معاً، بمناسبة ومن دونها، وأيديهم تسند قلوبهم. وها الفرنسيون يتفاخرون بعصر أنوارهم العالمي وبثورتهم، وكذلك يتقاسم كلٌ من الألمان واليابانيين والصينيين قيماً وتصورات، لا يعني رسوخها أنها جامدة لا تتغير، كما لا يعني أنها محصنة ضد النقد والعمل على تجاوزها والانقلاب عليها. بل لدى المصريين شيء كثير من هذا، وحتى اللبنانيين نجحوا في وقت من الأوقات بالإعلان عما يشبهه الخ... فالديموقراطية لم تقتصر يوماً على مبدأ الانتخاب العام، كما أن ذلك التطلب التأسيسي يصح على الديموقراطية وعلى سواها من النظم السياسية.

ما الفائدة من وصف الخراب؟ هناك بداية إلحاح الحاجة للكشف عن سوء الحال كمبتدأ للتفكير بضرورة تجاوزه، بدلاً من الموقف المتستر، مدّعي الطمأنينة أو التفاؤل...المخدرِّين. وهذا يخص العراق نفسه، وهو بلد هائل الإمكانات الاقتصادية والبشرية. وتعيين نقطة ابتداء ما، وآلية مضادة لما طُبِّق وأدى الى نتائج كارثية هو جزء من استكشاف أو تلمس المخارج المحتملة. وهناك ثانياً مصائر سائر البلدان في منطقتنا، وهي كلها معنية بتفحص التجربة العراقية واستنباط دروسها. وبعضها كسوريا، ينزلق بسرعة هائلة نحو جهنم. وكي لا يُساء الفهم (طالما العقل السائد تبسيطي وثنائي الاستقطاب يتراوح بين نعم ولا، وأبيض وأسود بطريقة مضجرة ومتناقضة مع الواقع)، فلا يعني ذلك التخويف من التغيير، ولا الدفاع عن القائم (الذي لم يعد قائماً)، ولا المهادنة مع أنصاف حلول... بل ربما هو هاجس إدراك اشتراطات الواقع، وكذلك نتائج الأفعال والمواقف، تحديداً من أجل الوقوع على الفعالية السياسية. وهي ما يسمح بالتغيير، وباختيار اتجاهاته.
2012-10-31