ارشيف من :أخبار لبنانية

قوى 14 آذار مكبّلة بالمقاطعة من دون آفاق

قوى 14 آذار مكبّلة بالمقاطعة من دون آفاق

هيام قصيفي - صحيفة "الاخبار"

ما هي الخطوة التالية بعد إعلان قوى 14 آذار مقاطعة الحكومة؟ وكيف يمكن ان تواجه التحديات المفروضة عليها في وقت تراوح فيه نقاشاتها مكانها؟ وهل أخذت في الحسبان موقف رئيس الجمهورية وبكركي أمس؟

كان من المفترض ان يكسر اغتيال اللواء وسام الحسن حال الجمود التي كانت وصلت اليها المواجهة بكاتم الصوت بين قوى 8 و14 آذار. وكان يتوقع ان يشكل الاغتيال بمفاعيله الامنية والسياسية رافعة لقوى المعارضة كي تستنهض قواها الذاتية، فتنطلق في معركة استعادة القرار من أيدي خصومها. لكن المشهد السياسي العام اليوم لا يظهر انه يقارب حتى الساعة ما تعتبره هذه القوى خطراً داهماً على البلد.

اولاً سبقت اغتيال الحسن محاولة عربية ــ سعودية تحديداً ــ لاستعادة المبادرة من يد سوريا وحلفائها عبر حملة اعلامية تضمنت نشر وثائق سورية استهدفت الجيش اللبناني وحمّلت حزب الله المسؤولية عن اغتيال النائب جبران تويني. بدت الوثائق، التي جاءت بعد احباط المخطط الذي بات يعرف باسم سماحة ــ مملوك، وكأنها تفتح حربا بالوكالة عن الاصيل اللبناني في وجه حزب الله والجيش. لكن حرب الوثائق حرب خطيرة، وسيف ذو حدين، ولكل فريق وثائقه السرية والمفبركة، التي يستطيع من خلالها شن حروب اعلامية مكلفة. لسوريا وثائقها حول كثير من اللبنانيين الواقفين اليوم ضدها، ولواشنطن وثائقها، ولحزب الله وايران ايضا. لذا سحبت اللعبة من السوق الاعلامي، بعدما اثبتت عدم نجاحها الا في خلق زوبعة في فنجان الأزمة اللبنانية، سرعان ما انحسرت، بعد بلبلة حول تزوير الوثائق. بدا حينها ان الحاجة تكبر الى اكثر من الوثائق لمواجهة مشروع ايران وسوريا في لبنان.

ثانياً، حاولت قوى 14 آذار ان تهادن الاكثرية من خلال تدوير زوايا الازمة، والقفز فوق المخاطر الامنية التي جعلت قياداتها مستهدفة بمحاولات الاغتيال، وتغيير استراتيجيتها لاسقاط الحكومة، بالرهان على قانون الانتخاب الذي يسمح لها بتحقيق اكثرية نيابية تعيدها الى السلطة. بدت ذاهبة بخطى واثقة ــ ولو على تمايز بين مكوناتها ــ من اجل الاصرار على قانون للانتخاب بأي ثمن، والى حد ما، مهما كان شكله من اجل اجراء الانتخابات. كانت استطلاعات الرأي التي تجريها هذه القوى ترجح فوزها في قانون 1960، وهو تفاؤل لا يجاريها فيه من يعرفون خبايا الانتخابات وخفاياها.

لكن اغتيال الحسن قلب الطاولة، وباتت المعارضة امام استحقاقات بالجملة، أمنية وسياسية على السواء. في الأمن، باتت قوى 14 آذار تعيش هاجساً امنياً مضاعفاً، بعد سلسلة التحذيرات التي توالت اليها، قبل اغتيال الحسن وبعده. لذا، فهي صارت محكومة بمقاربة ملف قوى الامن الداخلي، مع ما تمثله هذه المؤسسة من ذراع امنية للبنان ولقوى 14 آذار، واستحقاق انتهاء ولاية المدير العام اللواء اشرف ريفي الذي كان مصراً على التقاعد في اليوم الاخير لولايته. لكن اغتيال الحسن فتح امام قيادات قوى 14 آذار اجتهادات مختلفة تقضي بضرورة التمديد لريفي، ولا سيما مع احتمال عدم ممانعة اي طرف من اخصامه التقليديين هذا التمديد.

سياسياً، تقف قوى 14 آذار امام جملة عقبات تندرج تحت سؤال وحيد: ما هو المتاح فعلا لمواجهة «آلة القتل»؟ وهو التعبير الذي استعارته قيادات قوى 14 آذار من مندوبة الولايات المتحدة الاميركية سوزان رايس حين تحدثت في الخامس عشر من تشرين الاول الجاري، عن ان «عناصر حزب الله أصبحوا من ضمن آلة القتل السورية».

من المؤكد ان الانقاذ لن يكون عن طريق الوثيقة السياسية التي اعلنتها قوى 14 آذار امس، التي جاءت لتؤكد ما كانت قد اعلنته سابقا في بياناتها مجتمعة او في بيانات قيادتها منفردة، وتضمها الى لائحة الوثائق الموضوعة في الادراج، رغم اللهجة المرتفعة للرئيس فؤاد السنيورة والصورة الجامعة لجميع قيادات 14 آذار في منزل الرئيس سعد الحريري بعد لقاءات تنسيقية بعيدة عن الكاميرات التلفزيونية في معراب وبكفيا.
لذا تتحول النقاشات الجدية في الدوائر المعارضة، الى محاولة استمزاج الآراء حول ما يمكن القيام به ابعد من مقاطعة الحكومة، من امور باتت الى حد كبير محدودة في الزمان والمكان، بعدما فقدت عنصر المبادرة.

فما حصل عند تشييع الحسن، جعل المجتمع الدولي يسارع الى احتواء التوتر، بعدما لمس ان لبنان على مفترق خطير، وان ما يحصل من جانب قوى 14 آذار، يكاد يودي بالتهدئة الظرفية التي تريدها الدول المعنية في مرحلة تقطيع الوقت. لذا كانت مسارعة هذه الدول الى احتواء الموقف اللبناني المعارض، وخصوصا انه ساءها ان قوى المعارضة «قفزت فوق عملية الاغتيال»، وأنها سارعت في اللحظات الحرجة المصيرية الى التصويب على الحكومة، ليتحول السجال بين قوى 8 و14 آذار، حول اهمية استقرار البلد، الى سجال حول استقرار الحكومة. لا سيما ان قوى 8 آذار التي انكفأت لحظة اغتيال الحسن، عادت لتطلق حملة مضادة لتفعيل عملها الحكومي الداخلي تحت عنوان استقرار الحكومة.

وتلويح المجتمع الدولي بضرورة الانكفاء وارجاء المواجهة الى موعد، اقله المنظور بعد الانتخابات الاميركية، جعل قدرة 14 آذار على التحرك مقيدة. وهي اليوم تواجه في مقاطعتها الحكومة كثيرا من العقبات الشائكة، ولا سيما في ظل اعتقاد بعض شخصيات 14 آذار المسيحية ان مبدأ المقاطعة غير سليم في كل اوجهه، وهو سيشكل سابقة خطرة على قوى 14 آذار، ولا سيما ان المسيحيين سبق ان دفعوا ثمنها.

وقد صادف صدور بيان المعارضة وصول الكاردينال الماروني البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي اعلن في شكل واضح ما كان المطارنة المقربون منه يقولونه خلال الاسبوع الفائت حول رفض استقالة الحكومة. وهذا الامر سيرتب على قوى 14 آذار، ومنهم قيادات تحرص على حسن العلاقة مع الراعي، تحديا كبيرا في الذهاب في مواجهة، ولو صامتة، مع الراعي.

وكذلك فان قوى 14 آذار قطعت الطريق على رئيس الجمهورية ميشال سليمان ولو «ثمنت» مواقفه الاخيرة، في اجراء المشاورات التي كان بدأها لاستمزاج الآراء حول امكان تشكيل حكومة جديدة، اضافة الى امكان عقد طاولة الحوار.

والخطوة الابرز تتعلق بقانون الانتخاب، خصوصا ان مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاترين آشتون بدت حريصة للغاية في لقاءاتها خلال زيارتها لبنان اخيراً على التشديد على اهمية اجراء الانتخابات في موعدها. وتحدثت بوضوح تام عن عدم جواز إرجاء الانتخابات في بلد كان السبّاق الى اجرائها، فيما الدول العربية تجري انتخابات نيابية وبلدية. لذا يصبح السؤال كيف ستتمكن قوى 14 آذار من السير نحو الانتخابات في وقت تتعطل مناقشة المشروع في المجلس النيابي؟ وماذا لو لم تتمكن من اسقاط الحكومة سلميا وفي الشارع؟ وهل يمكن بالمقاطعة تحقيق الفوز على قوى 8 آذار، في انتظار انتخاب الرئيس الاميركي الجديد؟

لكن ايضا ثمة مجالات كثيرة للتأويلات حول النقاشات الاخيرة التي دارت ولا سيما على خط القوى المسيحية، والتي وصل صداها الى دول اقليمية، حول امكان ان تكون القيادات المسيحية تفتح معركة السباق نحو انتخابات رئاسة الجمهورية مبكرا.

في نقاشات دارت بعد تشييع الحسن، طُرِح سؤال: هل يجب على الرئيس سعد الحريري ان يحضر مراسم التشييع ويكسر الحلقة المقفلة ويحدد اطرا جديدة للمواجهة؟

لعل الصورة في بيت الوسط تعطي الجواب، حين قال السنيورة، في غياب الحريري في السعودية: لن نسكت. لن نخاف.
2012-10-31