ارشيف من :أخبار لبنانية

دور مصر في ذمة التاريخ؟

 دور مصر في ذمة التاريخ؟
سمير كرم-"السفير"

كشفت مصادر مطلعة في شمال سيناء ـ نعم في شمال سيناء وليس في اي مكان آخر ـ يوم الاحد الماضي عن زيارة لملك البحرين حمد بن عيسى الى قطاع غزة الخميس المقبل (امس). وقالت المصادر نفسها إن طائرة العاهل البحريني ستصل الى مطار العريش الخميس وينتقل جواً عبر مروحيات الرئاسة المصرية الى معبر رفح البري حيث يدخل قطاع غزة.

قبلها كان الزائر الكبير لقطاع غزة هو امير قطر، وقد صحبه وفد تالف من 62 شخصاً وقد خضع القطاع لإجراءات امنية مشددة لتأمين زيارة الاميرالقطري والوفد المرافق. وبالمثل فإن الزيارة تمت عن طريق مصر، بل اعقبتها زيارة امير قطر لمصر.

وغداً، او ربما في الاسبوع المقبل، قد يكون الدور في مسلسل زيارات غزة لأمير الشارقة او رئيس جيبوتي. ولا يتوقع احد الا ان يكون الدور المصري هو نفسه دور شركة السياحة التي تعلن عن الزيارات والطرق التي تسلكها. ولكن اي زيارة تالية لكسر الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة لن تنال مكانة الاولوية التي نالتها زيارة امير قطر. لقد افتتح الطريق. وفي كل الاحوال نال امير قطر لقب بطل كسر جدار الحصار حول غزة. نعم لقد حصل امير قطر على التصريح اللازم من السلطات الاسرائيلية قبل ان يتخذ هذه الخطوة العملاقة. وقد اتبع اسلوب العبور الى غزة من الاراضي المصرية، ذلك ان الخيار محصور بالنسبة لدخول غزة بين العبور اليها من الاراضي المصرية او العبور اليها من الاراضي الاسرائيلية. وبطبيعة الحال، فإن امير قطر لا يمكن ان يعبر الى القطاع الفلسطيني من خلال اسرائيل، والاسباب مفهومة. وصحيح انه حصل على الموافقة الاسرائيلية، ولكن الفارق كبير بين الموافقة عبر الاتصالات السرية والعبور من خلال الاراضي الاسرائيلية.

اما لماذا ترضى اسرائيل بأن تمنح موافقتها لأمير قطر وبعده ملك البحرين لدخول غزة وبالتالي كسر جدار الحصار الاسرائيلي، فهذا امر يتعلق اول ما يتعلق بطبيعة «العلاقات» بين - البلدين ـ بالاحرى بين السلطتين الحاكمتين في قطر وإسرائيل. وهي علاقات ودية يسودها الوئام. لا تختلف كثيرا عن العلاقات التي تربط بين النظامين الحاكمين في مصر واسرائيل. وتبرهن اسرائيل من خلال هذه الموافقة عن اهتمامها بتطور العلاقات مع دولة قطر وبعدها مع مملكة البحرين.. والبقية تأتي، او لا تأتي، فإن موافقة اسرائيل على الزيارة في الحالتين لم تتـسبب في اي انقـطاع ولو موقت للـغارات الجوية بالذات على اراضي القطاع المحاصر، كما لم تتسبب في توقف غزة عن اطلاق صواريخ غير ضارة على «لا اهداف» اسرائيلية. هذا على الرغم من ان احدى نشرات اللوبي الصهيوني الاميركي (النشرة الاخبارية لمركز جينسا) ذكرت ان قطر «حصلت على وعد بعدم قيام اسرائيل بضربة جوية خلال فترة زيارة الامير القطري لغزة ... والسؤال هو اذا كانت قطر قادرة على الاستفادة من الزيارة الى غزة لتعزيز مصلحتها الديبلوماسية، وكيف ستقوم بذلك، وهذا غير واضح، ومن المرجح ان تشعر واشنطن بالانزعاج من تقويض سياستها المتمثلة في عزل حماس. كما ان السلطة الفلسطينية مستاءة بالفعل من هذه الزيارة ...»

لقد دخلت قطر من خلال هذه الرحلة المباركة لأميرها الى قطاع غزة في دائرة الضوء اكثر من اي وقت مـضى. انهـا خـطوة واسعة في مجال السياسة العربية والخارجية ربما تفوق في تأثيرها السياسي والنفسي كل الخطوات السابقة التي اتخذتها قطر في السنوات الاخيرة. ولعل من اهم هذه الخطوات التبرع لمصر بايداع ملياري دولار على اربعة اقساط في البنك المركزي المصري للمساهمة في مساعدة السلطة المصرية على تجاوز المحنة المالية المركبة التي تعاني منها والتي تبدو غير مفهومة وغير قابلة للتفسير حتى الآن على الأقل.

وبطبيعة الحال فقد كثر الحديث، ضمن البحث عن تفسير واضح ومفهوم لسلوك قطر «القيادي» في السنوات الاخيرة، عن منافسة جديدة وباهرة بين قطر والمملكة العربية السعودية. منافسة على ماذا؟ قيل على قيادة العالم العربي في حقبة «الربيع العربي». وبأية وسائل للمنافسة؟ الاموال الوفيرة التي تملكها قطر وتملكـها السعـودية والتي مـكنت البلـدين من أداء ادوار بارزة في ليبيا وأحداثها الجسيمة، التي لا تزال تدور وتدور، كأن لا نهـاية لها، والتي مكنت البلـدين من اداء دور لا يزال يصـدر اصواتا مسمـوعة وإن لم تكن مفهومة تماما في احداث مصر التي تلف وتدور، خاصة منذ صعود جماعة «الاخوان المسلمين» الى دائرة السلطة المصرية، والتي مكنت البلدين ولا تزال تمكنهما من لـعب دور ـ نعم دور واحد وهو نفـسه ـ في احـداث سوريا الدامية. المال القطري والمال السعودي يلعب اكبر وأهم وأخطر الادوار في تسليح جماعات ومنظمات المعارضة المسلحة في سوريا وطبعاً في تمويلها.

وفي هذا المجال لا يمكن ان ننسى الدعوة التي اطلقها الشـيخ حمد بن خليفة آل ثاني، امام الجمعية العامة للامم المتحدة في الشهر الماضي، لتكوين ائتلاف (معناها تحالف) عربي للقيام بغزو لسوريا. وبحسب كلمات الأمير «إن من الافضل للبلدان العربية نفسها ان تتدخل (في سوريا) بدوافع واجباتها الانسانية والسياسية والعسكرية، وان تفعل ذلك لما هو ضروري لوقف حمام الدم في سوريا. إن على الدول العربية واجباً عسكرياً بأن تغزو سوريا».

فهل يمكن ان تكون هذه الدعوة قد رمت الى وقف القتال والاقتتال بين قوات الحكم السوري وقوات المنظمات المتطرفة؟ إن الدعوة صريحة للتـدخل من اجل نصرة هذه القوات والقوى الاجنبية على قوات الحكم السوري. ولا تختلف او تتميز على اي نحـو هذه الدعـوة الاميرية القـطرية عن دعـوة وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون التي حملت شعار «مسؤولية الحماية عن طريق التدخل الانساني». كما لم تختلف دعوة قطر عما رددته انقرة وباريس من اجل «حماية المناطق التي حررتها قوات المعارضة في سوريا».

ولا يمكن ان تمر هذه النقطة الحيوية من دون ان نذكر ما استنتجه المعلق الاميركي برايس اسكوبر من ان الهدف المادي والحقيقي من وراء دعوة الامير القطري لغزو سوريا هو فوق كل شيء آخر، قتل مشروع خط أنابيب الغاز الثلاثي (السوري ـ العراقي ـ الإيراني) الذي تبلغ نفقات إنشائه 10 مليارات من الدولارات. إن قطر تريد إعدام هذا المشروع، وبالتالي إعدام منافسته لها في المنطقة. وليست السعودية بعيدة عن هذا الهدف بأي حال. فثمة مشروع بديل تتطلع اليه قطر هو مشروع إقامة خط للغاز عبر الاردن من خليج العقبة الى خليج السويس ومنه الى البحر الابيض المتوسط. فلمصر إذن دور في المشروع البديل الذي يتطلب قبل كل شيء اغتيال المشروع الثلاثي المذكور. ومصر ليست بعيدة عن الموقف القطري والسعودي ـ بالتالي الاميركي ـ المناهض للحكم السوري. ويجدر بالذكر ان وكالات الأنباء الغربية ـ الاميركية بوجه خاص ـ تطلق على هذا المشروع، الذي تتبناه قطر اسم «خط الغاز الاسلامي» (...).

ولا تنتهي علاقة قطر بمستقبل المنطقة عند هذا الحـد. ذلك ان قطر ـ وهي من اصغر الدول في العالم سكانيا (200 الف نسـمة) وفي الوقت نفسه اكثرها غنى (110 آلاف دولار دخل الفـرد سنوياً) ـ تستـضيف واحـداً من اكبر تجمعات القوة البحرية الاميركية في العالم في القاعدة الجوية المسماة قاعدة «العيديد». بالاضافة الى هذا، فإن احد اهم المشروعات العسكرية الاميركية في المنطقة يتضمن اقامة مجموعة رادار «اكس باند» في الإمارة القطرية.

ان قطر «تتصرف كما لو كانت دولة إقليمية عظمى»، على حـسب تعبير ايل زيسر استاذ دراسات الشرق الاوسط في جامعة تل ابـيب الاسرائيلية. ولا يبدو في ما كتبه الاستـاذ الاسرائيـلي اي قدر من الانزعاج يصـيب اسرائيل نتيجة لهذا الدور القطري. لهذا يصبح السـؤال الذي يفـرض نفسه عند هذه النقطة: ماذا عن مصر؟ ألم يكن الاولى والاكثر منطقية مع التطورات الجارية في الشرق الاوسط ان تكون مصر هي الأحق بالقيام بعملية كسر جدار الحصار الاسرائيلي على غزة؟

إن تقاعس مصر تحت سلطة «الاخوان المسلمين» عن تحدي اسرائيل باستخدام حقها الطبيعي في دور الريادة والقيادة في المنطقة يستوجب البحث عن اسرار دور اسرائيل المتنامي في تحدي قدرة مصر. ان هذا الدور الاسرائيلي يفوق، منذ تولي «الاخوان» السلطة في مصر، ما كان عليه دور اسرائيل في الماضي غير البعيد تحت ظل حكم مبارك الذي أسقطته ثورة «25 يناير». فلقد كان نظام مبارك يمتنع عن أداء دور مصر القيادي، الا ان اسرائيل لم تكن تحاول ان تقوم هي بهذا الدور كما تفعل الآن. وهذا ينطبق ايضا على الادوار الاخرى «العربية» مثل دور قطر ودور المملكة السعودية.

لقد كانت مـصر ـ بحكم الحـجم الجـغرافي والـسكاني والموقع والادوار التاريخـية ـ هي الاولى والاجدر بأن تبـدأ عمـلية كسر جدار الحصار الاسرائيلي على غزة. لكنها تترك الدور بأكمله لتتنافس عليه قطر والبحرين وربما السعودية وربما الشارقة غداً. ولا يمكن الظن ـ تحـت اية ظروف ـ بأن هناك من يعتقد ان قطر او البحرين او غيرهما من امارات الخليج او حتى دول الوطن العربي اقدر وأجدر من مصر للقيام بهذا الدور.

حتى العلاقة الوثيقة التي تربط «حماس» بـ«الاخوان المسلمين» لم تقدر على دفع مصر تحت سلطة «الاخوان» الى التقرب الى «حماس» على حساب العلاقات مع اسرائيل. كم مرة ذهب زعماء «حماس» الى القاهرة ولم تذهب قيادات «الاخوان المسلمين» الحاكمة الى غزة؟
هل اصبح دور مصر العربي والاسلامي في ذمة التاريخ، في ذمة تاريخ استيلاء «الاخوان» على السلطة في مصر؟

كاتب سياسي ـ مصر
2012-11-02